مشاهد مصرية

أسندت ظهري على مسجد السلطان حسن

2ـ زخارف الابتهال

مسجد السلطان حسن
 
مسجد السلطان حسن
مسجد السلطان حسن
 
مسجد السلطان حسن

وكحال الدنيا قديمًا وحديثًا يستخدم البعض السلطة الدينية والمبانى الدينية لكى يسقط السلطة السياسة والحاكم الذى بالقصر أو الذى بالقلعة.. فقد استخدم الأمراء المتمردون على السلطان مدرسة ومسجد السلطان حسن فى مواجهة فعلية مع القلعة خلال العصر المملوكى، فقد كانوا يصعدون سلم المئذنتين الأماميتين، التى يصل ارتفاع كل منهما إلى 83 مترًا.. وهو ما يعادل ارتفاع مبنى طوله 27 طابقًا، وينصبون المنجنيق ويقصفون القلعة بالحجارة، ولكن فى عهد السلطان برقوق سد تلك السلالم المؤدية إلى أعلى حتى لا يصعدوا إلى هناك، ويحولوهما إلى منصة لإطلاق القذائف الحجرية.

وكان السلطان حسن يرى أن يضم الجامع أربع مدارس فرعية تخصص كل مدرسة لتدريس مذهب من مذاهب الفقه الأربعة الشهيرة، وهى: الشافعى (الأكثر انتشارا فى مصر)، الحنفي، والمالكى، والحنبلى، إلى جانب تصميم المدرسة لكى تضم مجموعة كبيرة من الحجرات التى تكون صالحة لسكن الطلاب، والمدرسين المغتربين، سواء من خارج مصر أو من الأقاليم المصرية، البعيدة عن القاهرة.



وكان مخططًا لهذه المدرسة أن تكون بأربع مآذن لتشير كل مئذنة إلى مدرسة فقهية، تم تشييد ثلاث منها فقط، ولم يتبق إلا مئذنتان قائمتان حتى اليوم على جانبى القبة بالواجهة الشرقية، نظرا لأن المئذنة الثالثة سقطت بسبب خلل معمارى ناجم عن خطأ فى حسابات ثِقَل أحجارها على قاعدة البناء، وبعد تسببها فى وفاة بعض المارة فى يوم السبت 6 ربيع الآخر سنة 762 هـ، 1361م ، وقيل لبعض التلاميذ التى كانت تدرس فى كتاب الجامع (إلا أننى أرى أن هذا مستبعد، فليس من المعقول أن يدرس الناس والأطفال أثناء البناء).. ولما سقطت المنارة عمت الأقوال بأن ذلك نذير شؤم بزوال الدولة فقال الشيخ بهاء الدين أبو حامد بن على بن محمد السبكى فى سقوطها:



أبشِرْ فسعدُكَ يا سلطانَ مصرَ أتى *** بشيرُهُ بمقـالٍ سارَ كالمثــل
إن المنـارةَ لمْ تَسْقُـط لمنقَصـة *** لكن لسـر خفى قد تبينَ لـي
من تحتها قُرئ القـرآن فاستمَعَت *** فالوجـدُ فى الحالِ أدّاها إلى الميل
لو أنزلَ اللهُ قرآنًا علـى جبـل *** تصدعت رأسُهُ من شدّةِ الوجـل
تلكَ الحجارةُ لم تنقض بل هبطَت *** من خشيةِ الله لا للضعفِ والخلل
وغابَ سلطانُها فاستوحشت ورمَت *** بنفسها لجوى فى القلبِ مشتعل
فالحمـدُ للهِ حظُّ العيـنِ زالَ بمـا *** قد كان قدّرَهُ الرحمنُ فـى الأزلِ
لا يعترى البؤسَ بعد اليوم مدرسةً *** شيدَت بنيانها بالعلـمِ والعمـل
ودمتَ حتى ترى الدنيا بها امتلأت *** علمًا فليسَ بمصـرَ غيرُ مشتغـل



وفى هذه الأبيات يدعو السبكى إلى السلطان بطول العمر حتى يرى اكتمال البناء، ويُطمئن السلطان أن المآذن قد تصدعت من شدة الوجل، ومن قراءة القرآن .. وليس من النذير الشؤم كما قال العامة.
وعندئذ قرر السلطان حسن عدم بناء المئذنة الرابعة والتى كان من المقرر لها أن تحتل الكتف الأيسر للباب الرئيسى.. ويقال فى الأثر أن السلطان حسن قُتِل بعد سقوط المنارة بثلاثة وثلاثين يومًا، ومات قبل أن يتم بناء الجامع، فأتمه من بعده "الطواشى بشير الجمدار".
 


لقاء محب مثلى بعمارة وإتقان ومهارة بناء مسجد السلطان حسن هو بداية اللقاء.. المدخل يجذب كل الداخلين، سواء كانت لك تجربة بزيارة أماكن أخرى ثقافية إسلامية تاريخية أو لا؟! ستشعر  بتلك الأبهة فى ذلك المكان.. ذلك المدخل.



مدخل يتقدم بمفرده على امتداد المسجد ليتخذ وضعًا فيه ميل أشبه بالازورار، أرجعه البعض إلى تأثير العمارة السلجوقية الوافدة على مصر فى ذلك الوقت من وسط آسيا حيث نشأ المماليك أو حيث وُلدوا إن شئت الدقة، وأرجعه آخرون إلى تمكين رؤية القلعة للجالس عند باب المدخل، لكن الوحيد الذى عنده الإجابة الشافية هو محمد بن بليك (أو بلبك) المحسنى (أو الحسنى) المهندس الذى بنى المسجد، والذى كان يلقب أى مهندس فى وقتها بلقب "شاد العمائر"، ودارت حوله (أى المهندس) أساطير كثيرة من أنه ليس مصريًا، أو ليس عربيًا، أو أنه أحد المهندسين المستقدمين من أوروبا لكى يبنى صرحا يعجز عنه بناء العمائر فى القاهرة.. حتى جاء العلامة المصرى حسن عبد الوهاب سنة 1944 والذى وجد نصا فيه اسم المهندس المصرى.



وعن ذلك يقول العلامة حسن عبد الوهاب فى كتابه "تاريخ المساجد الأثرية فى القاهرة" يوم 14 نوفمبر 1944 وأنا أراجع كتابات الجامع من أجل نشرها مع أستاذى الجليل مسيو فييت ضمن مجموعة الكتابات التاريخية الجارى نشرها، وجدت فى المدرسة الحنفية اسم المهندس مكتوبا فى طرازها الجصى ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، إن المتقين فى جنات ونعيم ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما فى صدورهم - إلى قوله تعالى: وما هم منها بمخرجين.. اللهم يا دائم لا يفنى من نعمه لا تحصى، أدم العز والتمكين والنصر والفتح المبين ببقاء من أيدت به الإسلام والمسلمين وأحييت.. حسن ابن مولانا السلطان، عنه على ما وليته وخلده فى ذريته كتبة تحمد دولته، وشاد عمارته محمد بن بليك المحسنى".



قديما كان ومازال السلطان حسن هو أبرز الحاضرين فى منطقة القلعة، قديما أعطتنا رسومات الرحالة وخاصة الفرنسيين أن الفراغ كان يحيط بالمسجد من الجهات الأربع.. كان وحيدا مهيبا مفردا لا يدانيه شىء من حوله ولا بجواره ولكن المساجد الجديدة فى حينها أحاطت به كزعيم القرية حينما تلتف حوله الصغار.. مسجد المحمودية فى المواجهة، تم بناؤه بعد الغزو العثمانى، وكذلك مسجد محمد على، ثم مسجد الرفاعى.



وآه من مسجد الرفاعى.. آه، تدرك من النظرة الأولى الفرق بين الأصلى والتقليد.. فالسلطان حسن لا يبعد عن الرفاعى إلا عدة أمتار، الأول هو الأيقونة التى رغب الجميع فى تقليدها، هو الجمال الذى رغبت فوشيار هانم والدة الخديو إسماعيل فى نسخه لكن المهندس النمساوى هرتس باشا الذى أوكلت إليه هذه العملية فشل فى إتمام عملية النسخ، فشل فى مهمة تصميم بناء مسجد يضاهى أجمل بناء عرفته مصر وأكثرها مهابة.



بعد المدخل توجد السلالم من الناحيتين اثنتا عشرة درجة حجرية على اليمين، ومثلها على اليسار ، لنلاحظ رمزية الأعداد، رقم 12.. العدد كثيرا ما يكون مقصودا.. فكما فى مساجد أخرى عدد الدرجات من الشارع إلى الداخل 7 درجات ولها مدلول على درجات الجنة حتى نصل فى النهاية إلى المسجد والرحابة وإلى الفردوس الأعلى بإذن الله.. كذلك الحال هنا تماما اثنتا عشرة درجة نسبة إلى 12 ساعة نهارا ومثلها ليلا.. 12 شهرا فى العام.. 12 إمامًا عند الشيعة.. الأعداد دائما ذات مغزى وأكثرها تكرارا 3 و4 و7 و 8 و12 و24.



بعد السلالم تتوقف لكى ترفع رأسك عاليًا لترى مدخل المسجد شاهق الارتفاع، فراغه لا يتجزأ، لكنه مقسم، به زخارف، ومروج من الزخارف الحجرية، وأخرى من الرخام، ثم مقرنصات، تشعر بأن الإبداع لا ينتهى، وأن الزخارف مستمرة فى الصعود كأنها عالم لا يتوقف عن الابتهال إلى الله عز وجل.. ومما قد يؤكد ذلك من وجهة نظرى أن الحجارة حينما تتراص صفا بالأبيض يليها صف بالأحمر تسمى بالأبلق، لكنها هنا أبيض وأسود، كأنها هى الأخرى ترمز إلى العبادة بالليل والنهار، فى الحياة والممات.. ولذلك يقال دائما إنه لا يوجد شيء مصادفة فى العمارة الإسلامية أو على الأقل فى الشهير الشامخ فى العمارة الإسلامية.. كل الأرقام والرموز والبنايات مجموعة من الأفكار الدينية الفلسفية تشير إلى الله القدير وإلى العبد الفقير.

 

 

اقرأ ايضاً

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع