مشاهد مصرية

تاريخ المصايف

1-النيل بحر المصريين

.
 
.

حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي لم تكن مصر -على مر تاريخها الطويل- قد شهدت بعد ما يعرف بالمصيف في شكله الحديث المرتبط أساسًا بالبحر.
لم يكن ذلك بالطبع لبرودة ما في مناخها بل على العكس -كما يقول جمال حمدان، المفكر وعالم الجغرافيا المصري-"فإن مصر في معظمها تتبع أنواع المناخات عالية الحرارة"، مع حافة دقيقة من المناخات متوسطة الحرارة في أقصى الشمال".
لكن في المقابل كان هناك النيل-الذي تمحورت حوله الحضارة والحياة في مصر بشكل عام، والذي وصفه المقريزي بقوله: "ليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرا غير نيل مصر وذلك لكبره واستبحاره".
كان النيل بفروعه وحتى ترعه العديدة المنتشرة في ربوع مصر -منذ القدم- مسرحا لعديد من الأنشطة الخليط ما بين المتعة والترفيه والرياضة والرغبة في التحايل على الحر. 



وتحفل جدارن المقابر المصرية القديمة، حسبما يشير عالم المصريات "دومينيك فالبيل" في كتابه، "الناس والحياة اليومية في مصر القديمة"، "، بعديد من اللوحات والنصوص، التي تصور المصريون يصطادون أو يتنزهون في النيل وفروعه وترعه المتعددة.
وقد أدرك المصريون منذ وقت مبكر أهمية بناء بيوت لهم على شاطئي النيل وبجواره، حيث جاء في أحد النصوص أن "رعيا" شيد دارا جميلة على شاطئ النهر، قبالة مدينة أطفيح، وتحيطها الأشجار من كل جانب وتجري قناة أمامها، ويشمل الهدوء المكان". 
وتقول أشعار الحب التي ألفها أحد أدباء "الدولة الحديثة" في العصور المصرية القديمة: "ما أجمل  الترع والقنوات شرايين الأرض.. التي حفرتها بيديك.. فاجتذبت نسيم الشمال المنعش!.. يا له من متنزه رائع..".



واستمرت مظاهر استمتاع المصريين بالنيل، بطبيعة الحال، في فترات لاحقة، حيث يشير الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور في كتابه"المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك" إلى أن الأثرياء كان "يركبون في النيل القوارب والسفن -لاسيما في أيام الفيضان صيفا- مصطحبين معهم المغاني والعوالم"، أو يقيمون على ضفافه وبركه وجزره البديعة "الأخصاص" (التي تقوم مقام الشاليهات والكبائن حاليا) والتي زرعوا حولها الرياحين وزينوها بالرخام والدهان، حتى بلغ ما ينفق على الخص الواحد منها بين ألفين وثلاثة آلاف درهم".
وفي المقابل كان الفلاحون من سكان الريف ومعدمي المدن، الذين لم تكن تتاح لهم أجرة دخول الحمامات العامة، يلجأون إليه -كما يقول المستشرق الإنجليزى "إدوارد وليم لين": "للاستحمام"، و"كان من الشائع أن ترى الفتيات والشابات يستحممن صيفا، عاريات الجسد في الأماكن المنعزلة من النيل".
وإلى جانب النيل كان هناك نمط العمارة والبناء الذي كان متكيفاإلى حد بعيد مع مناخ البلاد وحرارتها سواء في شكل "ملاقف الهواء" أو "الفسقيات والنافورات" وغيرها من المظاهر التي انتشرت في بيوت الأثرياء ذات الطراز العربي، هذا فضلا عن العمارة "اللبنية" (نسبة إلى الطوب اللبن المصنوع بشكل أساسي من الطمي) نفسها التي بناها كل من الفقراء وملوك وأمراء الفراعنة أنفسهم.



إلا أنه -وحتى أواخر القرن الثامن عشر- لم ترد أي إشارات معروفة عن ارتياد البحار وشواطئها، وتحديدا شاطئي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، اللذان يحيطا بمصر من الشمال والشرق،كـ"مصايف" وأماكن للمتعة والترفيه والاستحمام والهروب من الحر"، وهي الشواطئ والمصايف التي كان لاكتشافها وارتيادها قصص أخرى، نحكيها تباعا في هذه السلسلة.

 

(51 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع