مشاهد مصرية

ارتادها "الباشاوات" و"الأثرياء"..

هكذا اكتشف المصريون "جمصة" و"بلطيم"

خلال فترة طويلة من تاريخ المصايف في مصر، منذ بداياتها المبكرة في القرن التاسع عشر الميلادي وحتى أوائل القرن العشرين، كانت "الإسكندرية" و"رأس البر" و"بورسعيد"، الوجهة الرئيسية للمصطافين، بل ربما كانت المصايف الوحيدة المعروفة وقتها، إلى الدرجة التي أصبح يصعب معها لاحقا أن تجد موطئا لقدم هناك من شدة الزحام، بحسب وصف البعض آنذاك.

 
لكن مع ثلاثينيات القرن العشرين، وبداية ظهور ما يمكن تسميته بـ"الوعي السياحي" ودوره في دعم الاقتصاد وزيادة الدخل القومي للبلاد، وجه أصحاب الرأي آنذاك انتقادات حادة لهذا الوضع، داعين الحكومة وقتها للإكثار من المصايف المصرية والاهتمام بها حتى لا تتسرب ثروة البلاد مع الراغبين في التصييف في الخارج.



أحد الصحفيين، كتب على صفحات مجلة المصور، في ذلك الوقت، يقول: "المصايف المصرية، قليلة بالنسبة لهذا العدد الهائل الذي يرغب في قضاء عطلة الصيف بالقرب من شاطئ البحر، فأنت إذا استثنيت الإسكندرية وبورسعيد ورأس البر، لم تجد في مصر كلها وعلى سواحلها الطويلة العريضة مصيفا آخر تطمئن للسفر إليه". 
 
وأضاف شارحا وجهة نظره "يكفي أن تُلقى نظرة واحدة على بلاجات الإسكندرية وكورنيشها لتقتنع بأن فكرة التصييف غير موجودة على الإطلاق. فالناس هناك أكثر من الرمل الذي يمشون عليه، إذ تراهم متلاصقين متزاحمين حتى لا تكاد تجد موضعا لقدم. أضف إلى ذلك ما يسود الشاطئ والمستحمين والمصيفين من صخب وضجيج، يجعلك تتخيل نفسك في مارستان". 



أما روشته علاج هذا الوضع فتمثلت في "أن تعمل الحكومة على إصلاح المصايف المصرية والإكثار منها وتزويدها بما لا يوجد فيها من وسائل الراحة والتسلية مما يتوفر في المصايف الأوروبية، وبذلك تتجه الأنظار إلى مصايفنا الوطنية، وفي ذلك ما فيه من تدعيم أسس الاقتصاد القومي وصون الثروة المصرية عن أن تتدفق إلى جيوب الأجانب عن هذا الطريق". 
 
ويبدو أن مثل هذا الكلام، وغيره الكثير، قد وجد استجابة من جانب الحكومة والمسئولين، لاسيما وأنه توافق مع رغبات وجهود "الأرستقراطية المصرية" من الأثرياء والنبلاء والباشوات في البحث عن وجهات أخرى أكثر هدوءا وخصوصية للتصييف بعيدا عن المصايف التقليدية التي اكتظت بالمصطافين. 
 
في عدد خاص من مجلة "المصور" عن "الصيف والمصطافين"، بتاريخ 22 مايو 1938، تحدثت المجلة عما وصفته بـ"المصايف المجهولة" التي لا يزورها أكثر المصطافين، مشيرة إلى أنها تمتاز بهدوء شامل وسكينة لا يعكرها الزحام والجلبة، وتشمل هذه المصايف وفقا للمجلة وقتها: "مرسى مطروح، والبرلس أو بلطيم، والكومنو والسخنة بالسويس".



وعلى سبيل المثال، فقد تحدثت المجلة عن مصيف "البرلس أو بلطيم"، باعتباره "مصيفا جميلا وقريبا، عرفه أول الأمر بعض ثراة الغربية الذين كانوا يخرجون بخيامهم ويضربونها على شاطئ البحر، وهو يقع بالتحديد في مديرية الغربية على مسافة أميال غرب فرع دمياط، وميزة هذا المصيف جفاف هوائه، وقد فكر مجلس مديرية الغربية في إجراء تحسين على هذا المصيف وإدخال سبل الراحة به، لترغيب المصطافين في الإقبال عليه، حتى يكون مصيفا مشهورا يجتذب الكثيرين". 
 
ولاحقا، ذكرت المجلة نفسها التي اعتادت الاهتمام بأخبار الصيف والمصطافين، (في عددها بتاريخ 7 يوليه 1939): "أن سعادة توفيق رضوان بك -مدير البحيرة- دعا، في الأسبوع الماضي، لفيفا من أعيان الإسكندرية ورشيد ومندوبي الصحف المصرية والأجنبية في "الثغر"، لإفتتاح "مصيف رشيد الجديد". 
 
وبعد ذلك بسنوات قليلة، نقرأ أيضا في عدد "المصور" بتاريخ 28 يوليو 1944، أن "الأمير حسن طوسون والنبيلة قرينته عادا مؤخرا من رحلتيهما في البحر الأحمر. وقد صرح نبالته بأن بلاجي العقبة والغردقة يفوقان بلاجات الإسكندرية ويمتازان عنها من حيث نظافة البلاج وتدرجه. وتعتبر كل منهما مصيفا ومشتا في آن واحد، وهو يتنبأ لهما بمستقبل عظيم. "



"أما سعادة "سيد البدراوي" باشا فيقضى معظم أيام الصيف في جمصة على شاطئ البحر الأبيض في مقابلة بلقاس، (ويبدو من طريقة الوصف حداثة المكان)، وهو يفضل هذا المصيف على الإسكندرية ورأس البر.. أما حافظ رمضان باشا فيحب مصيف رشيد وبلاجه الهادئ". 
 وتختتم المجلة حديثها فتقول: "وهكذا نرى أن بلاجات كثيرة نائية بدأت تكتسب أنصارا ومصطافين، وعما قريب ستقتسم هذه المصايف العديدة المصطافين شيئا فشيئا، فيخف الزحام عن الإسكندرية ورأس البر، ويزداد الإقبال على مرسى مطروح وساحل البحر الأحمر وجمصة ورشيد".
وقد كان، بل وأصبحت هذه المصايف التي كانت "مجهولة" وقتها تعاني لاحقا الزحام أيضا، ليبحث المصريون من جديد، وبلا توقف، عن بقاع أخرى جديدة تضاف لخريطة المصايف المصرية.

(48 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع