مشاهد مصرية

أسندت ظهري على مسجد السلطان حسن

1ـ روح مكان..

مسجد السلطان حسن
مسجد السلطان حسن
 
مسجد السلطان حسن
مسجد السلطان حسن
 
مسجد السلطان حسن

زيارة مساجد القاهرة التاريخية الفاطمية والمملوكية والخديوية هي شغف دائم لي، ولكن للحق فأن  مسجد السلطان حسن،هو عشقي العميق.. بوابته وصحنه وإيوانه.. ولم أزل.
وحينما تشرع فى الكتابة عن مسجد السلطان حسن.. هرم العمارة الإسلامية وأيقونتها الفريدة فإنك فى حيرة كبيرة من أمرك.. والحيرة ليست فى نقص المعلومات عن المسجد ولكن الحيرة فى كثرة المعلومات عنه، كما يقول المثل :"عاوز تحيره خيره".. وأنا أحتار من بين آلاف المعلومات التى كتبت عن المسجد حبا وتقديرا له.
 
 
ثم من باب الحيرة أيضا ما الذى يمكن أن تضيفه، حين تقدم للقارئ وصفا لأهرامات الجيزة بشموخها وجبروتها وتاريخها وعبقرية صانعها وبانيها وكيف تم البناء، وكيف صمدت كل تلك السنين والأيام، كذلك الحال مع مسجد السلطان حسن، درة العمارة الإسلامية، وواحد من أجمل مساجد العالم، حتى أن بعض المعماريين يضعونه كأجمل مساجد العالم، هو المزار الإسلامي الأول حين ترغب فى تقديم عبقرية العمارة الإسلامية للغرباء.. 
والمقصد الأول للسائحين والساسة عندما تهفو عقولهم لرؤية شموخ قل أن يوجد، وعظمة متسنده إلى التاريخ..  وهو المسجد الذي اختار الرئيس الأمريكي أوباما زيارته عندما كان في زيارة لمصر في يونيو عام 2009 
 
 
وإذا كان المقريزى يقول: 
"وبادوا فلا مخبر عـنـهـم، وماتوا جميعاً وهذا الخبـر
فمن كان ذا عبرة فلـيكـن فطيناً ففي من مضى معتبر
وكان لهـم أثـر صـالـح فأين هـم ثـم أين الأثـر"...
 
فإن مسجد السلطان حسن يرد على المقريزى: "أنا الخبر، أنا الأثر" الباقي رغم تقلب الأزمان، وتقلب الحوادث، وتقلب الملوك، وكثرة السرقات، ورغم أنهم استخدموا سطحى فى قذف المنجنيق على القلعة خلال أزمنة عديدة فمازلت باق.. فـ "أنا الأثر الباقي والخبر الذى أخبركم عن السلطان حسن"
وعندما أقترب من ميدان القلعة، وحين أقف أشاهد كل تلك المساجد تطل علىّ بأعين الذين صنعوها وأطل عليها بقلبي العاشق لها.. بداية من مآذن السلطان حسن مرورا بمسجد الرفاعى ومآذن أمير آخور وغيرها، وفى أعلى القلعة يظهر شامخا مسجد محمد على.
فعند الوقوف لا يمكن إلا أن تتعجب من تجمع كل تلك الأثار فى مكان واحد، تتعجب من تكثيف الزمن أو جعل التاريخ ككبسولة دواء مُركز توضع فى يد العاشق الولهان المريض بالحب.. هنا فى الميدان كل بناء له قدر من العظمة والعتاقة.. أما السلطان حسن فهو الهرم الذى يتوسط الجميع.. هو كبير العائلة التى يحب الجميع تقليده، هو المركز الذى تتلف حوله البنايات والتاريخ.
 
 
وميدان القلعة تغير اسمه إلى صلاح الدين بعد ثورة 23 يوليو 1952، ويحكى أنه حتى منتصف الثمانينيات كان شارع محمد على يمر بين مسجدي الرفاعى والسلطان حسن، ومن قبل كان الترام يمر بالشارع، ولأن القلعة كانت منطقة نائية، فحسنا فعلت الحكومة آنذاك بايصال الترام إليها.. وكان الشارع مفتوحا للسيارات أيضا حتى أغلقه المرحوم أحمد قدرى فى عام 1983.
 
 
وعودة إلى ميدان القعلة.. فـ"القلعة" ككلمة تعنى لى بنظره فلسفية بسيطة المكان الذى يصعب قهره أو اختراقه، أو المكان الذى تَحصنت فيه من الأعداء، هكذا كان حالى وأنا داخل ميدان القلعة متحصنا من أعداء تشوية الحاضر ونثر ذرات الحقد العفن على أحسن ما عندنا.. او أحسن ما فينا لكى لا نراه ولا يرانا.. متحصنا بالتاريخ.. متحصنا بحجارة صمدت عبر الزمن وصمدت فى وجه من أراد بها وبمصرنا سوءا.. هنا يمكننى أن أريح ظهرى وأسنده وأفتخر رغم كل السخافات والسخريات التى قيلت وتقال عن حضارة السبعة آلاف سنة، وعن إسهام المصريين فى الحضارة الإسلامية.. وعن القول بلا عمل.. إلا أنها النشوة التى تسرى في الأوصال حين أشاهد صرحا مثل هذا.. مسجدا مثل هذا.
 
 
اليوم سأسند ظهرى على مسجد السلطان حسن البالغ مساحته 7900  متر مربع، وياله من سند تاريخى، وياله من ظهر زمنى، ويا له من فخر أبدى.. هنا مسجد أحد أجدادى العظام، هنا وعبر التاريخ.. تقف السلطة الدينية فى مواجهة السطة المركزية للدولة، تقف السلطة الدينية فى مواجهة سلطة الزمن من زلازل ورايح وأعاصير وحرائق.
 
 
وهنا يقف مسجد السلطان حسن فى مواجهة القلعة، هنا تنظر السلطة الدينية بشموخ نحو السلطة السياسية التى تقبع على تلة أعلى منها، معطية نموذجا لا تخطئه العين.. أن السلطة الدينية فى مرتبة أقل قليلا من سلطة الدولة، ومركز الحكم فيها، فمنذ انهيار الدولة الفاطمية ودخول مصر عصر الدولة الأيوبية، والحكم فى المحروسة يدار من القلعة، حتى جاء الخديو إسماعيل فأسس قصر عابدين ونقل مركز الحكم إليه.. ولكن النموذج لا يكمتل إلا إذا قلنا أيضا أن السلطة الدينية وإن كانت أقل منزلة فى اتخاذ القرارات وتغيير الأحداث إلا أنها لو كانت على حق، لو كانت على اتقان، لصمدت فريدة وحيدة فى التاريخ بعد زوال مركز الحكم إلى مكان آخر
 
 

 
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع