مشاهد مصرية

قصة ظهور "الشواطئ الشعبية"..

عندما بدأ الشعب يستمتع بسواحله

كانت هناك أسباب وجيهة جعلت زبائن قهوة المعلم "زينهم"، الكائنة بحى السيدة زينب، يرسلون فرقة "الطبل البلدي" إلى "محطة العاصمة" للترحيب بالمعلم الذى كان عائدا لتوه من أول رحلة له إلى الإسكندرية استغرقت ثلاثة أيام من شهر أغسطس من عام 1937، حسبما نشرت مجلة المصور فى خبر قصير آنذاك.
ففى تلك الأيام كان ارتياد الطبقات الشعبية المصرية للمصايف، التى كانت الإسكندرية أحد وجهاتها الرئيسية، بمثابة عملية اكتشاف كبرى، فى وقت كانت لا تزال فيه هذه المصايف شبه مقصورة تقريبا على الأثرياء من الوجهاء والنبلاء والباشاوات والبكاوات فضلا عن الأوروبيين الذين تواجدوا فى مصر آنذاك بأعداد كبيرة وتمتعوا بامتيازات كبيرة فيها.
 
كانت مصايف ذلك الزمان تحفل بمظاهر الرفاهية والثراء، حيث كانت تعج بالعديد من القصور والكازينوهات والملاهى و"صالات الباتيناج" والسينما والحفلات و"برتيتات البردج والكونكان" ثم - وهو الأهم- البلاجات والشواطئ والمايوهات التى كانت تقام لها المسابقات، وغير ذلك من مستلزمات المصيف التى استأثر بها بالدرجة الأولى أبناء طبقة "الهاى لايف" كما كانت تطلق عليهم صحافة ذلك الزمان من الأجانب والباشوات والبكوات والوجهاء والنبلاء وأصحاب العصمة والسمو والأملاك والأطيان.
والباقون على قيد الحياة من عامة الشعب، من أسر العمال والفلاحين الذين عاشوا شبابهم فى هذه الفترة فى الإسكندرية على سبيل المثال، مازالوا يتذكرون قصص المطاردات الصعبة والمثيرة التى كانت تدور بينهم وبين ممثلى السلطة، وهم يحاولون التسلل إلى بلاجات وشواطئ الأثرياء والصفوة بمباهجها ومتعها التى كان يهون من أجلها، بالنسبة لهم، احتمال الوقوع فى قبضة الشرطة الغليظة.
 

لكن مع التطورات الاجتماعية التى بدأت تحدث تدريجيا فى السنوات التى سبقت ثورة 23 يوليو 1952، باتجاه الاهتمام بحقوق الطبقات الشعبية الفقيرة من عموم الشعب، وبداية الوعى بفكرة "العدالة الاجتماعية" وأهميتها، بدأ يظهر ما بات يسمى "بالشواطئ الشعبية"، وفى أحد أعداد مجلة المصور (أغسطس 1944)، وجدنا، على غير العادة، صورة لأسرة سكندرية من عامة الشعب على أحد هذه الشواطئ وأمامها "حلة" يرجح بالطبع أنها كانت "حلة محشي".
 
وبجانب هذه الصورة السابقة نشرت المجلة خبر يقول إنه "لأول مرة تقدم هذا العام أحد أعضاء قومسيون بلدية الإسكندرية باقتراح للاهتمام بالشواطئ الشعبية وبناء عدد من الكبائن فيها، وذلك على غرار الاهتمام بشواطئ الإسكندرية الأخرى، وذلك حتى ينعم أهل الإسكندرية بشواطئهم التى حرموا منها طويلا..".
هذا الاتجاه الذى بدأت بوادره فى الظهور فيما قبل 23 يوليو 1952، تدعم بعدها بشكل واضح مع اهتمام الدولة، خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تحديدا، بالعمال والطبقات الشعبية الفقيرة بشكل عام، حيث بدأ الاهتمام بإنشاء "مصايف" خاصة لهم، فى "جمصة" و"رأس البر" و"بلطيم"، وغيرها من المصايف التى يشير تاريخ معظمها إلى أنها كانت شبه مقصورة فى البداية أيضا على الأثرياء من النبلاء والباشاوت والأعيان.

(72 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع