مشاهد مصرية

سيدات البهجة وكعك العيد


 يخرجن السمن البلدي المقتطع بمهارة طول العام في "برنية" خاصة لذلك الغرض من الجاموس والبقر دون إخلال بميزانية الأسرة، والدقيق القمح المطحون المنخول والمجهز؛، أما اللبن فهنا نجد صورتين رائعتين الأولى تشبه النقوط (فبجدول دقيق غير مكتوب تعده الأمهات والجدات لعمل الكعك، ووفق هذا الجدول تقوم كل واحدة بإهداء اللبن لمن ستقوم بعمل الكعك، وهكذا) فجداتنا يرحمن عَرق الرجال من المطالب ملبسًا فيلبس السواد غالبًا، ومطعمًا فلا يتشهين إلا في الحمل، ولطالما كتمن وحمهن، فما بالك بفرحة الأعياد؟ يحملن القسط الأوفر ليظهر الرجال بالثياب المزهرة، و "البلغ" اللامعة، و "الطواقي الصوف".. فيما صواني العيد عامرة بالكعك والبسكويت والتمر والحلبة والسوداني.. فمن الكتيبة التي تقف خلف هذا الحضور؟ وكيف أتمته؟
 
ما إن يحل منتصف رمضان، حتى تبدأ الأسر في الريف المصري استعدادها لعمل كعك العيد، وهو أحد مظاهر الاحتفال بالعيد في ربوع مصر كلها، وتكاد طريقة عمله في الوجهين قبلي وبحري، والمناطق الشعبية أن تكون واحدة، فبعد صلاة المغرب تقوم ربة المنزل التي ستصنع الكعك بتجهيز الآلات التي ستعمل بها، وتفرغ وسط الدار (توازي الصالة في الشقق، ويكون في الدور الأول) أو الحضير (صالة الدور الثاني من الدار).
 
اللافت أنه لا تحضر إلا طاهرةٌ هذه الطقوس.. إنها قداسة التكوين فالكعكة كما سيلي تسربت عبر الأزمنة من تقديمها منقوشة للآلهة فيما يشبه عين حورس.. سواء قدمت لإيقاف ست، أو لغيره، تعويذة الحماية للزوج والابن والأخ والأب.. ها هي بين يدي فلاحة في عمق الريف، طاهرة كالحليب الذي تراعي ألا تلمسه يداها، ولاهِجةً بما تحفظ من آيات وأدعية: "بسم الله.. اللهم صل على النبي"
 


تعود الفلاحون المصريون على المزاملة في مختلف أعمالهم، فهم يعملون اليوم معًا في "غيط" فلان ثم ينتقل معهم فلان غدًا، ومن خلفهم – أو بالأحرى في الجذور – نساؤهم، لإعداد الطعام أو سد الثغرات الموجودة؛ فمثلا في تقطيع الذرة، يقوم الفلاحون بقطع الأعواد وجمعها على هيئة حزم، ومن خلفهم النساء يقمن بتخليع الذرة أي فصل الكوز عن العود وتعبئته إما في "قفف" أو مقاطف وحملها على الرأس لمكان تعبئتها، أو بوضعها على هيئة أكوام يقوم الرجال بتحميل الحمير أو الجمال بها لنقلها؛ لذلك فعمل الكعك في مصر يأخذ الوضع نفسه، وإن اختلف في شيئين؛ الأول أنه عمل نسائي صرف، الثاني أنه ما زال مستمرًا، فيما قللت الميكنة الحديثة وتناقص الأراضي الزراعية وتحول العلاقات إلى المقابل المالي من خلال وجود "أجرية" ماهرين في التعامل مع الآلة السريعة.
 
ليالي صنع الكعك أشبه بفانوس بهجة ينتقل من بيت إلى بيت، النساء المصريات لا يقهرهن فقر، ولا يطفئ نور قلوبهن عوز..  بعد الإفطار يتجمعن نجمات، متبادلات الأدوار، خلط المقادير بدقة، عجن، استراحة قصيرة، يتخللها القيام بفرش الطبالي (الجمع المستخدم للطبلية) ثم تبدأ المرحلة الثانية؛ التقريص، وفيها يتم وضع قطعة عجين كبيرة بجوار كل طبلية، وتبدأ الحاضرات في التقريص، ثم التنقيش، والوضع على الطبلية، وما إن تمتلئ الطبلية حتى ترفع وتأتي واحدة غيرها مكانها، ثم تترك الطبالي مغطاة بالقماش (غاليا يكون الجلاليب القديمة وقد غسلت جيدًا، وأحيانًا تترك دون تغطية).
 
بعد السحور تتجمع النسوة، وفي هذه الحالة يكون العدد أقل – وغالبا ما يخلو من صاحبة الدور القادم لتركها تستريح وتعد بيتها – تكون ربة المنزل قامت بتجهير الفرن بتحميته، وتجهيز الطبالي ومسح المكان الذي ستوضع عليه الصواني أو ألواح الصاج (لوح أسود من الصاج، مستطيل، وحوافه مرتفعة من ثلاثة جهات لتمنع وقوع الكعك) فيما يبدأ نقل القرص (هكذا يسميها الفلاحون) إلى صواني تتحمل درجة حرارة الفرن بعد دهنها بالسمن.. وعند الوصول إلى درجة الحرارة المحددة (تعرفها النساء بالفطرة) وخلو الفرن من الدخان، وعند التأكد من اختمار القرص، يبدأ وضع الصواني في الفرن، وتجلس واحدة فقط أمام الفرن، ويتم التبادل كل فترة، وعند إخراج الصواني يتم "فرش" القرص حتى لا تتعجن أو تتكسر، بعدها يتم وضعها في الأطباق المصنوعة من الحلفا (نبات الحلفاء هو نبات ينمو بالقرب من نهر النيل) أو  الأسبتة المصنوعة من البوص المشقوق.
 
يتم توزيع بعض القرص والكحك والبسكويت على المشاركات، وعلى مهديات اللبن، وذلك بإرسالها إلى بيوتهن غالبًا - كنوع من الذوق – وفي أول أيام العيد يكون ضمن مائدة الفطور، ويقدم للضيوف، وبعد هذا يكون طعام الفطور ، وأحيانا يُغمس بالعسل أو الشاي أو الجبن القديمة.
 


كعك العيد اسم جامع لأنواع من الأغذية التي تصنعها الفلاحات في العيد لأسباب منها، الاحتفال، والإشباع، وتمهيد البطن للانتقال من الصيام إلى الإفطار، ومن هذه الأغذية القرص الدايبة ( أي الذائبة وهي المنقوشة والأشهر وتصنع من دقيق القمح الفاخر الذي يسميه الفلاحون الزيرو) والبسكويت (ولا يصنع إلا في عيد الفطر) وقرص الذرة (وتصنع من طحين الذرة مع قليل من طحين القمح وتكون للخروج إلى المقابر، وتتميز بطول عمرها قياسًا ببنت الذوات الدايبة). وكان هناك نوع اسمه الكعك وهو  من عجينة القرص نفسها لكنه على شكل دائرة مفرغة، إلا أنه نادر هذه الأيام، وقد وجدت بعض الأسر تقوم بعمله في قرية كمشيش مركز تلا محافظة المنوفية.

تتحرك القرص بالبهجة في كل مكان تحط فيها؛ فحين تخرج النساء لزيارة المقابر عصر الوقفة (وسع المصريون الوقفة لتكون اليوم الأخير في رمضان، وربما ما قبله في حالة عدم معرفة نهاية الشهر، والمعنى الأصلي لها التاسع من ذي الحجة لأن الحجاج يقفون على عرفات) وتوزع النساء على المقرئين والفقراء في المقابر القرص والعيش القمح الطري (مصنوع من القمح على شكل دائرة) فما يعطين الأطفال الذين يملأون طرق المقابر القرص.

اللافت أن اجتهاد الفلاحات المصريات يصنع إرهاصات للعيد، وتوابع له؛ فزيارة المقابر يستثمرها بائعو اللعب اليدوية وطبل الأطفال للتجمع أمام المقابر من قبل العصر حتى أذان المغرب، فيما تتبادل النساء مناقب موتاهم، وكثيرا ما تجد واحدة تحادث أهلها السابقين وتسلم عليهم وتنصت كأنها تسمع، ولشد ما يحرك القلب هذا الشوق الطاغي على وجوه النساء وهن متجهات للمقابر، ولشد نور الإشراق الذي ينهمر من وجوههن منحدرات بعد وداع، حاملات أطباقهن خاليات.

كحك العيد، ينتقل عبر القطارات والسيارات وربما الطائرات؛ فأبناء القرى العائشون في المدن يعودون لقراهم في الأعياد، ولا يخرجون بأياديهم خالية، وهنا يكون الكعك والبسكويت عمود الهدايا، فيما الفطير هو سيدها بلا منازع.. أما الزيارة؛ فهي ما يأخذه الفلاح وهو ذاهب لزيارة أقاربه وتتضمن إلى جوار الأصناف الثلاثة إلى جوار بعض  الطيور المذبوحة (البط غالبًا).
 


يعود البعض بتاريخ الكعك إلى الفراعنة، ويذهبون إلى أن النقوش التي توضع بالمناقيش، لدرء الشر وللتجميل : "ويذكر المؤرخون أن مصر كان بها أكثر من 53 نوعا من الحلويات في العصور الوسطى، ويقال إن الفراعنة هم أول من عرف الكعك؛ حيث كان الخبازون في البلاط الفرعوني يحسنون صنعه بأشكال مختلفة مثل: اللولبي والمخروطي والمستطيل والمستدير، وكانوا يصنعونه بالعسل الأبيض ووصلت أشكاله إلى 100 شكل نُقشت بأشكال متعددة على مقبرة الوزير «خميرع» في الأسرة الثامنة عشرة بطيبة وكان يُسمى (القرص). حيث كانوا يشكلون الكعك على شكل أقراص على شكل تميمة إله الشر، وهي من التمائم السحرية التي تفتح للميت أبواب الجنة ، وكانوا يتقنون بتشكيله بمختلف الأشكال الهندسية والزخرفية كما كان البعض يصنعه على شكل حيوانات أو أوراق الشجر والزهور " وقد تطور الأمر ليوضع فيه نقود للفقراء فيما عرف بـ "كل واشكر" فالكعك كانوا يحتوي على  نقود يجدها الفقير أثناء الأكل، أما دولة التفاريح الدولة الفاطمية فقد أنشأت ديوانًا خاصًّا بالحلوى.. ويبدو أن القاسم المشترك في هذه الأمور أن الكعك.. فرحة على مدار التاريخ.

ورغم التغيرات الكثيرة التي تواجه المجتمع المصري؛ وندرة الأفران البلدي، وحلول أفران الغاز مكانها، ورغم كثرة الكعك الذي تصنعه شركات الأغذية؛ فإن إصرار أمهاتنا وزوجاتنا وإخواتنا على اللمة والفرحة يجعل الكعك مجلى تجمع لا يمكن أن يستسلم، بل يفيد من التطورات؛ فنجد بعض الأسر تلجأ لأفران الخبز مختصرة مرحلة "الخبيز" فيما ما تزال حتى كتابة هذه السطور بعض أفران قديمة، وكثير من أفران الغاز المنزلية تقوم بهذه المهمة، ويجابه التغيرات؛ فقد صار كل شيء يشترى: اللبن والسمن. 
 
صباح العيد تجد صينية عليها أطباق الترمس، والحلبة، والبسكويت، والتمر، ويتوسطها الكعك.. كل عام ونحن مجتمعون.. الكعك فرحة..  
 (ينتمي هذا المقال إلى بيئة قرية جريس وهي إحدى قرى محافظة المنوفية، بين عام 1981 تقريبًا، وحتى كتابة هذه السطور يونيو 2016)
 
 

(26 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع