مشاهد مصرية

النصر وباكوس

ترام إسكندرية.. خطوط طبقية

.
 
.

كما توجد فوارق طبقية، وبالتالى شخصية، بين الناس، والأحياء، والمدن بعضها بعضا؛ هناك أيضاً فوارق بين خطوط الترام فى الإسكندرية. يمتد خط الترام  الرئيس من ميدان محطة الرمل وينتهى عند محطة فيكتوريا.، ويسمى هذا الامتداد   "خط ترام الرمل "، وهو الاسم الذى يميزه عن خطوط الترام الأخرى التى تسير داخل أحياء الإسكندرية القديمة. وقد أنشى هذا الخط الحديدى سنة 1860 وامتد ليتمشى مع العمران الذى بدأ فى هذا المكان بداية من نهايات القرن التاسع عشر، والذى عاصر نشوء الإسكندرية الحديثة. وينقسم هذا الخط الأم إلى خطين فرعيين ، خط ترام باكوس، ويشار له بالرقم 1، وخط ترام النصر ويشار له بالرقم 2. أحيانأً يمران بنفس المحطات، ولاترى أى فارق بينهما، لافى نوع الركاب أو مستوى الأحياء التى يمر كل منهما عليها ، وأحياناً يفترقان ويقطع كل منهما رحلته بمفرده باحثاً عن التمايز، وعما يمنحه شخصيته عن الخط الآخر. هناك أربع محطات رئيسة يلتقى فيها الخطان أو يفترقان ، محطة ترام  أسبورتنج ، ومحطة مصطفى كامل ،ومحطة بولكلى ، وأخيراً محطة سان استيفانو. 


 
عبر محطات التجمع الثلاث الأولى لايوجد أى فارق جوهرى بين الخطين، فوصولاً حتى محطة بولكلى، يعتبر هذا المسار هوالجزء النشط من  الإسكندرية الحديثة، زمن الأجانب والاختلاط والطبقات المتوسطة، وأماكن الفسحة ومقاهى التسلية بعد المعاش. تبدأ الرحلة من محطة الرمل لتمر سريعاً بدون توقف على محطة جامع إبراهيم التى ترى منها  البحر فى رحلة ذهابك وإيابك، وترى منها أيضا جموع المرضى  أصحاب الجلابيب، الذاهبين للمستشفى الميرى للعلاج أو الزيارة. يهبطون من الترام وينسلون فى هواء الشوارع الضيقة التى تؤدى إلى المستشفى.  ثم تتلوها محطة الأزاريطة، وهى المحطة الأقرب للحيين اللاتينى  واليونانى، اللذين يتماسان مع شارع فؤاد؛ الشارع الرمز فى حياة الإسكندرية، وحديقة الشلالات وغيرهما من الفيلات والقصور المتناثرة حولهما، وأعتقد  أن هذه المحطة هى الأقرب لهذا العالم الأرستقراطى القديم الذى لايمكن الوصول اليه الأ بالعربات الخاصة أو عربات الأجرة.



وتعتبر هذه المحطة نقطة انتقال هامة بين هذين الحيين النائيين وبين أحياء الطبقات المتوسطة التى تقع بطول شريط الترام. ثم تأتى محطة الشهيد مصطفى زيان والاسم  القديم لها محطة" سوتر" حيث يقع مجمع الكليات النظرية؛ حقوق وآداب وتجارة، وعلى اليمين هناك النادى اليونانى والقنصلية اليونانية، وتحف بالترام مجموعة من الأبنية و القصور التى تستخدم كملاجىء  لرعاية المسنين من الأجانب. فى هذه المحطة أيضاً تلمح رغبة التداخل بين الإسكندرية القديمة والحديثة. ثم يكمل الترام رحلتها ليمربمحطة الشبان المسلمين، ويبدأ فى الابتعاد عن شارع ابى قير أو شارع فؤاد. ثم تأتى محطة الشاطبى؛ حيث يقع نادى الاتحاد السكندرى من ناحية، ومن الناحية الأخرى كلية سان مارك بمبناها الأحمر العتيق وبمهابة تشعرك بأهمية التعليم والعلم فى هذا الزمن القديم. دائما ماكنت أرى  جماهير نادى الإتحاد وهى تحوط  على الدوام ببوابات النادى كأنها فى مظاهرة، فى انتظار أن يتالق هذا النادى ويحقق بطولة ما. 



ثم  تأتى محطة "الجامعة" حيث يدخل خط الترام فى نفق تحن الأرض ليسمح بمرور كوبرى الجامعة من فوقه، وهى المحطة الوحيدة التى لايسير فيها الترام فوق الأرض. ثم تأتى محطات "المعسكر" و "الإبراهيمية" ثم" أسبورتنج الصغرى"، ثم "اسبورتنج" والتى يقع عليها أهم ناد رياضى اجتماعى فى الإسكندرية. عند محطة إسبورتنج يحدث أول انفصال للخطين التوأمين، أحدهما يسير بمحاذاة سور نادى إسبورتنج والقريب من شارع ابوقير، شريان الحياة فى الإسكندرية  ، وهو بالطبع الخط المدلل " خط النصر". أما الآخر وهو "خط باكوس" فيدخل فى منحنيات  وثرثرات أسواق الخضار والباعة عند محطة كليوباترا الصغرى ثم سيدى جابر الشيخ، ولايشفع له قربه  من البحر. بينما "خط النصر" يسير مظفراً موازياً لشارع أبى قير حتى يصل لمحطة سيدى جابر المحطة، حيث تقع محطة القطار المتجه للقاهرة، ليلتقى وجها لوجه بهذا الشارع الكبير،



شارع أبى قير. وتستكمل المسيرة فعند محطة مصطفى كامل يلتقى الخطان بعد غربة لم تدم سوى ثلاث محطات، ولكنها غير كافية لأن تصنع الفارق الطبقى والشخصى الذى تحدثت عنه من قبل. يسيران معا مرة أخرى ويعبران بحى مصطفى كامل ثم حى رشدى، وهما حيان متداخلان والمسافة بين المحطتين لاتذكر، لذا  فدائماً ما اعتبرهما محطة واحدة. خلال هذا العبور ستصادف الكثير من أشجار الفيكس على الجانبين، والكثير من العصافير، وستسمع أصواتها التى ستمتزج بصوت الترام المزعج. ثم نصل إلى محطة بولكلى ، وهنا يفترق الخطان، وهذا الافتراق هو الأهم خلال هذا المسار، لأنه  هو الذى منحهما التسمية، والذى منح الشخصية المتعالية لخط ترام النصر، وساهم فى تكوين الشخصية المستضعفة والمنطوية على نفسها لخط ترام باكوس.


 
بداية من محطة ترام بولكلى يظهر الفارق جلياً فى الأحياء المحيطة بخطى الترام أثناء عبورهما، بينما يتقدم "خط النصر" ليعبر بأحياء الهدايا وساباباشا وجليم ومظلوم وزيزنيا وصولا حتى محطة سان استيفانو. وهنا يبتعد شارع أبى قير قليلا عن هذا الخط ولكنه يبتعد بمقدار لايسمح بالغربة. بينما  يدخل خط ترام باكوس فى نفق نفسى مظلم، بينما يقطع شارع أبى قير، فى بداية رحلة سقوطه الطبقى الحاد، عند محطة الوزارة، حيث يقع مقر الوزارة فى الصيف منذ أيام الملكية وحتى الآن ، كأنه يودع الحياة المرفهة التى منحتها له المدينة، ويدخل فى ذلك النفق حتى يصل إلى محطة ترام باكوس، وهو اسم الحى المحيط بها، والذى يسمى فى قاموس السكندريين ب" الصين الشعبية " نظرا  للكثافة السكانية الرهيبة التى تسم هذا الحى، وارتباطه بأسواق الخضار والسمك والبيع والشراء والضوضاء، وبعدة أحياء أخرى متواضعة وموازية لخط آخر وهو خط قطار أبى قير، وهو قطار الغلابة بلا منازع، فتتحول عربة الترام إلى مايشبه يوم الحشر. ولايتغير هذا الإحساس إلا عندما تصل الرحلة لمحطة جناكليس الذى يخرج فيها خط باكوس على وجه الدنيا ويتنفس بحرية، ويسترد بعضا من اعتباره المبعثر عندما يقابل شارع أبى قير. بينما "خط النصر" يتهادى وسط الفيلات وقريباً من البحر، ولاتشم داخل عرباته إلا رائحة البارفانات، ولاتشاهد إلا جمال الفتيات الخارجات من المدارس المتناثرة حول هذا الخط المحظوظ وأناقتهن. هذه المحطات القليلة هى التى منحت "خط النصر" كبرياءه وتعاليه على أخيه التوأم  "خط باكوس". ثم يعود الاثنان ويلتقيان مرة أخرى عند محطة ترام سان إستيفانو ليبدأ رحلة مشتركة وصولا حتى خط النهاية عند محطة ترام فيكتوريا، وتعود أواصر الأخوة بينهما بدون فارق، سوى كمية المخلفات التى يحملها كل منهما خلال رحلته. 


 
أتحدث عن سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينيات، أما الآن فقد  أصبح الترام  وسيلة مواصلات للبسطاء، وتغيرت مستويات الأحياء، ولم يعد هناك فارق كبير بين خط باكوس وخط النصر، ولاتشعر بأى مزية ولا رائحة خاصة وأنت تستقل خط النصر؛ فهناك أحياء جديدة تناثرت فى كل مكان يخرج منها الآلاف يوميا بحثاً عن لقمة العيش. ولكنى رغما عن كل هذا مازلت أشعر بانجذاب لهذا الكبرياء القديمة والرفيعة لخط النصر.

اقرأ ايضاً

(8 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع