مشاهد مصرية

سهراية..

بِنْتِ.. وْوَلَدْ

بصرف النظر عن موقف اللغة العربية من إطلاق اسم الولد والمولود على الذكر والأنثى كلاهما ، اختصت الجماعة الشعبية الفتاة بمفردة البنت، واختصت الفتى بمفردة الولد. وفي عرف المجتمعات الأبوية لا يدخل في نسب العائلة إلا من جاء عن طريق الولد ، ومــن هنا كان حرص الأسرة على إنجاب الولد من باب حرصها على استمرار وجودها .
والحرص على استمرار سلسال العائلة لا يعني عدم الرغبة في انجاب البنات ، بالعكس تحب المرأة أن يكون لها البنات كما تحب أن يكون لها الأولاد . بل تفخر المرأة بانجاب البنت وتفاخر بها أم الولد فتقول :
[ مَا تِفْرَحِيشْ يا امِّ الْوَلَدْ
بِتِّي(1) كِبْرِتْ تَاخْدِهْ .. (2)
وتْسَكِّنُه (3) بَحَرِي الْبَلَدْ
   تِحْرَمْ عَلِيكي حَاجْتِهْ (4)
ناكلوا رَايْقِ الْمَرَقْ (5)
وانْتِي عِينِكْ بَاحْقِهْ(6) ]

فالبنت سوف تنتزع الولد من أحضان أمه وتسكنه بيتا آخر غير بيت أم الولد ، وقد تحرمها من التمتع بخيراته وكده . ويقال أيضا:
يا بْنَيَّه يَا حَدْ السِّيفْ (7)
يا فِتْنِهْ للرِّجَالِهْ (8)
جَابُوا عَشَاكِي (9)على جَمَلِينْ
إحْتَارَتْ فِيهْ الشَّيَّالِهْ ] **

 فالأم هنا تفاخر بجمال ابنتها الذي يسحر كل الرجال ، ويفتنهم ، حتى أنهم حين يقدمون
الهدايا عند خطبتها لا يحملون جملا واحدا بل يحملون جملين اثنين ، حتى أن من سيحملون ما على الجملين سيتحيرون من كثرة الأصناف وحودة الهدايا .
والمجتمع الصعيدي ينظر إلى البنت نظرة تختلف عن نظرته إلى الولد ، ليس بمعيار القيمة ، ولكن بمعيار الدور . فاختلاف النظرة هذا لا يعني التقليل من قدر أحدهما عن قدر
الآخر ، بل يعني أن الجماعة الشعبية رتبت للولدوالبنت حقوقا تتناسب مع ما وضعت على عاتق كل منهما من واجبات . فالولد في المجتمع الأبوي هو الحلقة في سلسلة الإنتساب الذي تحرص عليه الجماعة الشعبية . وهو المكلف بالإنفاق على الأسرة عرفا وشرعا ، وهو المكلف بالدفاع عنها . وكلما زاد عدد الرجال في الأسرة كلما كانت الأسرة أكثر قدرة على القيام بهذه الأعباء .

والمرأة أو البنت هي وعاء الأنساب الذي يجب أن يظل بريئا من غير ما يقره المجتمع فعليها أن تحافظ على نقاء ذاك السلسال الإجتماعي الذي يدخلها المجتمع : حــارسة عليه وعليها أن تحتضن مستقبل الجماعة ، وأن ترضع البنين والبنات فيما ترضع ثقــــــافة الجماعة وقيمها وعاداتها وتقاليدها . ولأن هذه المهام هي أقدس المهام الاجتماعية كان على الجماعة الشعبية أن توفر للمرأة الظروف المناسبة لقيامها بهذا الدور وألا تشغلها بغير ذلك .

 وتلخص الجماعة الشعبية العلاقة بين المرأة والرجل اقتصاديا بمقولة واضحة :
[ الراجل بحر .. والمره سد .. ]  والبحر عندنا هو النيل جالب الخيرات صاحب النزق الفيضاني، ولا ينظم هذا النزق غير السد والمرأة هي السد الذي ينظم هذا البحر النزق.
 
والدعوة إلى ما يسمونه المساواة بين الرجل والمراة وتمكين المرأة وغيرها من الدعوات التي تبدو براقة مغرية، هي في الواقع دعوة إلى التخلي عن أدوار اجتماعية حددتها الجماعة الشعبية للمرأة والرجل، وقام على أساسها هذا المجتمع، والتخلي عن تلك الأدوار سوف يحدث سيولة مجتمعية لا تؤدي إلى تفكك الأوطـان أو القبائل أو العائلات فقط، بل سوف تؤدي إلى تحلل الروابط داخل الأسرة بمعناها الضيق [ الزوج والزوجة والأبناء ].
 
وهكذا يتحول المجتمع إلى أفراد لا يجمعهم إلا تقاطع المصالح الفردية الضيقة. حين تتعارض تلك المصالح لا يجد الفرد ما يغريه بالحفاظ على مصالح الجماعة. ولا أظننا نرغب حقيقة في الوصول إلى هذا المجتمع .. !!
 
(1) بتي: ابنتي
(2) تاخده: تأخذه أي تتزوجه وتأخذه منك .
(3) تسكنه: أي تسكن معه بعيدا عنك في الجانب الشمالي من القرية.
(4) تحرم عليكي حاجته: أي تحرمين من كل ما يأتي به من خيرات.
(5) السمن الرائق الطافي على وجه التقلية . والمرق هو طبيخ يصنع من البصل  
والسمن البلدي فقط في أواني فخارية ثم يوضع به اللحم حتى ينضج [ أنظر
كتابي : [طبيخ الصعايدة ـ تحت الطبع ]
(6)  باحقه: أي مفتوحة على أقصى اتساعها من الدهشة والغضب .
(7)  صاحبة الأخلاق المستقيمة كاستقامة حد السيف .
(8) فتنة: تسحر بجمالها الرجال .
(9) عشاكي : العشا هوهدية الخطوبة من أهل العريس لأهل العروس.
 

 

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع