مشاهد مصرية

عن ناصر وكيرلس ..

"الميلاد" .. بين الرئيس والقديس

 كان من حسن الطالع أن تشهد بدايات كل عام، احتفال المصريين بأعياد الميلاد المجيد يليها بأيام قليلة ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وكأنه بات مقدراً أن تمتزج مشاعر المصريين كافةَ - مسلمين ومسيحيين- بمناسبتي "الميلاد"، وكأنها رسالة من السماء لكل أبناء الوطن : "كونوا يداً واحدة".
 
ولأن المصريين .. عنصر واحد له ديانتين (كم أكره كلمة عنصري الأمة تلك!!) ومع مناسبتيّ "الميلاد"، قفزت إلى الذهن علاقة  خاصة تجسد بعبقرية  حقيقة أن هذا "وطن واحد " لكل أبنائه، تلك التي كانت بين "الرئيس والقديس": عبد الناصر، والأنبا كيرلس السادس (البابا رقم 116 في تاريخ بطاركة الإسكندرية)، وهي علاقة يندر تكرارها بين حاكم وبطريرك.
 


بداية الرحلة
في 15 يناير 1918م، ولد جمال عبد الناصر في حي باكوس بالإسكندرية. وقبلها بنحو 16 عاماً وعلى مسافة ليست بعيدة عن عروس البحر المتوسط ، كان ميلاد "عازر يوسف عطا" (الأنبا كيرلس فيما بعد) في دمنهور بمحافظة البحيرة يوم 2 أغسطس 1902م.
 
ومن أغرب مفارقات طفولة عازر أنه قد درس الكتاب المقدس على يد "شيخ مسلم"، حيث اقترح الشيخ أحمد غلوش على والد عازر أن يذهب بابنه إلى الكتاب القريب من المنزل خلال العطلة الصيفية، وبرفقته الإنجيل ليدرس فيه، ونفذ الأب وصية الشيخ، وبدأ عازر يتردد على الكتاب ومعه إنجيل يوحنا المكتوب بحروف كبيرة حيث قام الشيخ بتحفيظه الإنجيل. تلك الحادثة لا تحتاج إلى تعليق، فالمصريون دائماً ما يبهرون العالم بتسامحهم.
 
وقد شبً عازر وتعلم حتى حصل على الثانوية العامة ثم عمل لثلاث سنوات في شركة "كوكس للسياحة" بالإسكندرية، بعدها بدأت رحلته مع الرهبنة منذ عام 1927م حين التحق بـ"دير البراموس" في وادي النطرون، وهو المعروف بـ "وادي القديسين"، وهو نفس المكان الذي خرج منه "مكاريوس الكبير" مؤسس الرهبنة، وبيشوي، وموسى الأسود، وأفرام السرياني. ويروي عن رهبان دير البراموس أنهم كانوا يتنبأون بمواعيد وفاتهم.
 
بناء "مارمينا"
التحق عازر بمدرسة الرهبان بحلوان في عام 1930م، ثم عاد إلى دير البراموس في العام التالي (1931م)، وهو العام نفسه الذي تم فيه ترسيمه "قساً" باسم "القمص مينا البراموسي"حيث اشتهر باسم "المتوحد" نظراً لنزوعه الشديد إلى الوحدة في مغارة بجانب الدير حتى عام 1935م.. إذ كان البابا كيرلس من أنصار "الرهبنة الفردية"، لا " الرهبنة الجماعية".
 


في عام 1936م، انتقل "القمص مينا- عازر سابقاً" إلى مغارة قديمة بالجبل الشرقي بجوار مصر القديمة بالقاهرة بكنيسة، وكانت عبارة عن طاحونة هوائية مهجورة منذ أيام الحملة الفرنسية. وفي عام 1942م، أُعتبرت المنطقة "حربية"، فغادر "القمص مينا البراموسي" إلى كنيسة العذراء (المعروفة باسم بابليون) حتى عام 1944م حين شرع في بناء كنيسة "مارمينا" في مصر القديمة حتى أتم بناءها وبنى ملحقاً بها عبارة عن عدة منازل للطلبة.
وفي كنيسته الجديدة، ظل "مينا البراموسي" على عهده من حيث الانقطاع إلى الصلاة والعبادة، وعدم ترك الكنيسة إلا لماما، فضلاً عن مقابلة رعايا الكنيسة بالسعادة والحبور والحنو.
 
البابا الجديد
في أواخر عام 1956م، توفي الأنبا يوساب البطريرك الـ (115) للكنيسة المصرية وطوال عامين ونصف تقريباً لم يتم ترسيم الباب الـ (116) لأسباب تتعلق بالخلافات حول اللائحة الكنسية من جانب، وحول مشاركة الكنيسة الإثيوبية (تتبع الكنيسة الأرثوذكسية المصرية) في انتخابات اختيار البابا الجديد وهو الأمر الذي تدخلت فيه الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الناصر عن طريق وزير التموين آنذاك د.كمال رمزي استينو الذي اتفق مع الأثيوبيين على إجراء الانتخابات في موعدها الجديد مع موافقتهم على ما تسفر عنه برغم عدم مشاركة ممثلين لهم.
 
وبعد إجراء الانتخابات، وصل إلى التصفية النهائية ثلاثة هم: القمص مينا البراموسي (البابا كيرلس فيما بعد)، والقمص دميان المحرقي، والقمص إنجيلوس المحرقي. وتم إجراء القرعة الهيكلية بين الفائزين الثلاثة حيث اختار طفل في الخامسة ورقة من الأوراق الثلاثة التي تحمل كل منها اسم أحد الفائزين، وتم اختيار القمص مينا البراموسي لهذا المنصب الديني الرفيع ليكون الباب الـ (116) للكنيسة المصرية العريقة. وقد اختار مينا البراموسي لنفسه لقب كيرلس السادس تيمناً بكيرلس الرابع المعروف باسم "أبو الإصلاح".
 
 وقد علق البابا كيرلس على اختياره للمنصب الرفيع بقوله: " كنت أود أن أعيش غريباً وأموت غريباً.. ولكن لتكن إرادة الله". ومن جانبه، كتب مفكرنا الكبير عباس محمود العقاد مقالاً في "الأهرام" في أعقاب اختيار البابا كيرلس بطريركاً للكنيسة المصرية، جاء فيه ما يلي: ".. إن اسم كيرلس ذي رنين خاص في تاريخ الكنيسة القبطية، فكيرلس الأول عامود الدين، والثاني مشرّع حكيم، والثالث مرشد يقظ، والرابع أبو الإصلاح، والخامس زعيم روحي قومي من الطراز الأول".
 
وتمت رسامة البابا كيرلس صباح يوم 11 مايو 1959م، وسط المئات من أبناء الكنيسة المصرية، وبحضور مندوب رئاسي ممثلاً للرئيس جمال عبد الناصر، وبحضور أنور السادات سكرتير عام الاتحاد القومي آنذاك، وفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، وعبد الخالق حسونة أمين عام الجامعة العربية، وعباس رضوان وزير الداخلية، ود.رمزي استينو وزير التموين.
 


موعد مع الرئيس
بعد عدة أشهر من رسامته، طلب البابا كيرلس أن يقابل الرئيس عبد الناصر عدة مرات ليعرض عليه مشاكل الكنيسة، ولم يتمكن من ذلك مما ضايق البابا كثيراً، وحدث أن زاره أحد أعضاء مجلس الشعب ممن يرتبطون بعلاقة قوية مع الرئيس، وعلم من البابا حكاية عدم استطاعته مقابلة عبد الناصر، فوعده النائب البرلماني خيراً، وحدد له ميعاداً مع الرئيس بل إنه اصطحب البابا بسيارته الخاصة إلى القصر الجمهوري.
 
ولم تكن المقابلة الأولى بين ناصر وكيرلس على ما يرام إذ شهدت توتراً خرج على إثره البابا حزيناً من المقابلة، ولكن في الليلة نفسها، عاود النائب البرلماني زيارة البابا في وقت متأخر، طالباً منه القدوم لمقابلة الرئيس، ولكن في بيته بمنشية البكري هذه المرة. ويروى هنا أن إحدى بنات الرئيس كانت مريضة، وقال الأطباء أن مرضها ليس عضوياً، ولأن العضو البرلماني كان له ابن مريض بصورة مشابهة وعالجه البابا كيرلس، فذكر ذلك للرئيس. وحين وصل البابا إلى منزل الرئيس دخل مباشرة على حجرة الابنة، وقال لها مبتسماً : "إنت ولا عيانة ولا حاجة"، ثم صلى لها لمدة ربع ساعة، وبعدها تحسنت حالتها.  
 
ومنذ تلك الليلة، ارتبط الرجلان بعلاقة محبة وصداقة نادرة تجسد بحق مثالاً لـ "الوطنية المصرية" في أزهى صورها، إلى درجة أن عبد الناصر قال يوماً للبابا كيرلس السادس - وفقاً لكتاب" البابا كيرلس السادس رجل فوق الكلمات" لمجدى سلامة -: "أنت من النهاردة أبويا.. أنا هاقولك يا والدى على طول، وزى ما بتصلى لأولادك المسيحيين صلى لأولادى.. ومن دلوقت ما تجنيش القصر الجمهورى، البيت ده بيتك وتيجى فى أى وقت أنت عاوزه ".
 
ووفقاً لكتاب محمود فوزي "البابا كيرلس وعبد الناصر"، فإن كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل قد عبر عن العلاقة بين الرجلين بقوله: " كانت العلاقات بين جمال عبد الناصر وكيرلس السادس علاقات ممتازة، وكان بينهما إعجاب متبادل، وكان معروفاً أن البطريرك يستطيع مقابلة عبد الناصر فى أى وقت يشاء، وكان كيرلس حريصاً على تجنب المشاكل، وقد استفاد كثيراً من علاقته الخاصة بعبد الناصر فى حل مشاكل عديدة".
 


بناء الكاتدرائية
حين طلب البابا بناء كاتدرائية جديدة تليق بأقباط مصر، دعم عبد الناصر بناء الكاتدرائية الشهيرة في العباسية بل قام ناصر شخصياً بوضع حجر الأساس لها في 25 يونيو 1968م ، معلناً مساهمة الدولة بـ (140) ألف جنيه لاستكمال الإنشاءات.
 
ومن الأحداث الإنسانية المرتبطة بهذا الحدث أن البابا كان في زيارة لبيت ناصر، وحين همّ بالانصراف اصطف أبناء عبد الناصر لوداع البابا، وكلٌ يحمل "حصالته" وبها بعض النقود . وهنا قال ناصر للبابا : "أنا علمت أولادي وفهمتهم إن اللي يتبرع لكنيسة زي اللي يتبرع لجامع، والأولاد لما عرفوا إنك بتبني كاتدرائية صمموا على المساهمة فيها، وقالوا حنحوّش قرشين ولما ييجي البابا كيرلس حنقدمهم له". وبالفعل قبل البابا هذا التبرع من أبناء الزعيم كمساهمة في بناء الكاتدرائية.
 
ما بعد التنحي
بعد إعلان عبد الناصر تنحيه عن الحكم إثر نكسة 1967م، سارع البابا كيرلس على رأس وفد من المطارنة والأساقفة والكهنة إلى رئاسة الجمهورية وأعلن عن تمسكه وتمسك الأقباط ببقاء ناصر. وعندما استجاب الزعيم لنداء الشعب بالبقاء في منصبه، أمر كيرلس جميع الكنائس بقرع الأجراس.
 
وقد أصدر البابا كتاباً بعنوان "دور الكنيسة في مؤازرة القضية العربية" ، وكانت مقدمة الكتاب عبارة عن خطبة عبد الناصر في افتتاح الكاتدرائية الجديدة. كما أن البابا كيرلس نعى ناصر بعد وفاته قائلاً: " جمال لم يمت ولن يموت .. إنه صنع في أقل من عشرين سنة من تاريخنا ما لم يصنعه أحد قبله في قرون، وسيظل تاريخ مصر وتاريخ الأمة العربية إلى عشرات الأجيال مرتبطاً باسم البطل المناضل الشجاع، الذي أجبر الأعداء قبل الأصدقاء على أن يحترموه ويهابوه ويشهدوا بأنه الزعيم الذي لا يملك أحد أن ينكر عليه عظمته وحكمته وبعد نظره وسماحته ومحبته وقوة إيمانه بمبادئ الحق والعدل والسلام".
 
وبعد وفاة ناصر بنحو خمسة أشهر تقريباً وتحديداَ في يوم 9 مارس 1971م، انتقل البابا كيرلس السادس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية إلى جوار ربه، وحينها علقت إذاعة "صوت أمريكا" على الخبر قائلةً : " لقد مات الصديق الوفي لجمال عبد الناصر". 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع