مشاهد مصرية

حدائق الشرق المنسية..

القناطر الخيرية.. قبلة الباحثين عن الهدوء والجمال

وسط طبيعتها تستطيع أن تعيش حياة هادئة يحيط بك النيل من كل اتجاه والطبيعة الساحرة، هنا يأتى إليها النيل فرعا واحدا لينقسم بين أرضها فروعا من الحياة تمتد إلى أراضى الدلتا لتسقى أرضها بالماء الوفير وتنبت أرضها بالزرع الكثير هذه هى القناطر الخيرية مدينتى ذات الطبيعة الساحرة، تلك المدينة التى حملت الكثير من الخير لمصر منذ أن اكتشف أهميتها محمد على باشا وأنشأ بها مشروعه الضخم الذى مازال يشهد على عظمة عصره، هنا فى القناطر تستطيع أن ترى كيف تحول النيل بعد أن جاء فى خط طويل من منبعه فى أسوان مرورا ببلاد الصعيد ثم القاهرة ثم ليأتى إلى القناطر لينقسم بين فرعين رشيد الذى يمر من مدينة منشأة القناطر وفرع دمياط بمدينة القناطر الخيرية نفسها، وبين المدينتين مساحات خضراء شاسعة تضم حدائق كانت يوما من الأيام أعظم حدائق العالم، وثلاث تفريعات للمياه أخرى هى الرياح البحيرى والمنوفى والتوفيقى. 

 


فإذا أردت حقا الاستمتاع بالهدوء والطبيعة فالقناطر مازالت هذا المكان الذى يحتفظ برونقه وجماله رغم كل التغييرات التى حدثت بها، فمن أمام مبنى ماسبيرو تستطيع أن تركب الأتوبيس النهرى الذى يظل ماشيا مع النيل حتى يصل إلى تفرعاته وتبدأ رحلتك من هنا من مدينة منشأة القناطر والتى يبدء عندها كوبرى القناطر الأثرى الغاية فى الروعة المعمارية والذى أصبح علامة مميزة للقناطر بأكملها، فعند بدايته يمتد بصرك لترى شارع طويل ممتلئ بالأشجار العملاقة المعمرة التى مر عليها مئات السنين تتدلى منها جذور تمتد إلى الأرض لتنبت فروعا أخرى وكأنها أم تحتضن صغارها، لينتهى هذه الشارع عند منطقة تسمى السد وهى عبارة عن شلالات طبيعية غاية فى الجمال.
 


ثم تبدأ رحلتك التاريخية من خلال بداية الكوبرى من مدينة منشأة القناطر ذلك الكوبرى ذات المعمار الخاص الذى بناه محمد على ليكون سدا يتحكم فى مياه النيل أوقات الفيضان والجفاف وهو عبارة عن عيون يمكن فتحها لتمر من خلالها الماء أو غلقها لحجز الماء وقت الفيضان وتتحكم فى العيون آلات ضخمة أعلى الكوبرى مازالت موجودة حتى الآن كما هى وأصبح هذا الكوبرى حاليا للمشاة فقط تستطيع أن تقضى فيه أوقاتا هادئة وسط النيل فى شرفات الكوبرى تسمع منها صوت اندفاع المياه من العيون وتعتبر أنسب مكان لهواة صيد الأسماك أو تستمتع بركوب الخيل . 
 


بعد أن تنتهى من الكوبرى والمرور من خلال بواباته الضخمة تصل إلى الجمال والطبيعة عبارة عن جزيرة وسط النيل تسمى "جزيرة الشعير" تتميز بهدوئها والمساحات الواسعة من أجمل الحدائق التى ترجع لعصر محمد على التى زُرعت بها أشجار من كل أنحاء العالم مازالت موجودة كما هى حتى الآن ومن جمال المنطقة أنشأ بها الملك فاروق استراحة سُميت باسمه والتى اختارها أيضا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لتكون استراحة هادئه ولكبار الزوار، يذكر أهالى المنطقة أن الرئيس محمد أنور السادات كانت من أحب المناطق له وكثيرا كانوا يشاهدونه عند مجيئه إليها وسط احتفالهم به، وبانتهاء الاستراحة يبدأ شارع طويل من الحدائق المطلة على النيل المستخدمة كاستراحات وكازينوهات وفيلات خاصة، وكان يوجد بهذه المنطقة قرية سياحية تسمى "قرية مرجانة" كانت مقصد للزائرين والسائحين، لكن حاليا هجرت وأهملت ولا يُعرف السبب من وراء هذا الإهمال رغم أنها مازالت مقصدا للرحلات النيلية، والرحلات بوجه عام، ووعد الكثير من المسئولين بإعادة بنائها على مستوى أعلى ولكن مازالت المنطقة رغم جمالها فى طى النسيان. 
 


بانتهاء منطقة قرية مرجانة تعود مرة أرى إلى الحدائق الشاسعة التى يوجد فى وسطها متحف الرى التاريخى الذى أنشئ فى أول الأمر فى عهد محمد على عبارة عن صالة عرض واحدة تعرض نماذج لأساليب الرى آنذاك، ثم قام الرئيس جمال عبد الناصر عام 1957 بإنشاء متحف جديد يعرض طرق الرى فى مصر ومشاريعها، حيث أصبح يشمل وسائل الرى منذ عهد الفراعنة حتى الآن ومجسمات للسد العالى وعرضا لجميع الكبارى والقناطر فى مصر، يمثل هذان المتحفان أهمية كبيرة لتوضيح تاريخ مصر الزراعى وكم كانت مصر من أعظم الدول الزراعية على مستوى العالم، واعتقد جميعنا فى حاجة إلى زيارة هذا المكان لعلنا نتذكر أمجاد تاريخنا وتتوقف عمليات تبوير الأراضى الزراعية. 

 

ثم تنتهى من متحف الرى لتكمل مسيرة الكوبرى والتى تنتهى فى مدينة القناطر الخيرية وهو عبارة أيضا عن كوبرى أصبح للمشاة فقط يمر من أسفله فرع دمياط، يوجد فى الخط الموازى لهذا الكوبرى كوبرى آخر وهى قناطر آخرى بناها الخديو إسماعيل تدار آلاتها بالديزل بدلا من الأشخاص. 
 


ولاتنتهى رحلتك للطبيعة والآثار عند هذا الحد بل مازال هناك محطة أخيرة وهى محلج القطن ذلك المبنى الذى قرر محمد على إنشائه للنهوض بصناعة القطن بعد أن أصبحت مصر أولى دول العالم المصدرة للقطن عالى الجودة، فأثناء زيارتك للقناطر ستجد مبنى آثريا على كورنيش القناطر يقع على الضفة الشرقية من النيل على مساحة حوالى 2800م2، مهجور وغير مستغل وعلامات إهمال الزمن تبدو عليه بوضوح، كان من المقرر لهذا المكان منذ سنوات ترميمه ثم تحويله إلى متحف لعرض آلية تشغيل ماكينات المحلج، ويضم المحلج ماكينة سويسرية يرجع تاريخ صنعها لنحو سنة 1900م وكانت تدير أكثر من مائة دولاب حلج وتضىء القناطر الخيرية بأكملها، ولكن هذا المشروع أيضا لم ينفذ بعد . 

 

وهنا تنتهى رحلتك التى لابد وأنك ستكررها كل ما تشتاق للهدوء والجمال والطبيعة التى تجعلنا أيضا نتمسك بالحياة فيها نحن سكانها ونأمل أن تلتفت الأنظار لهذا المكان الساحر ووضعه على الخريطة السياحية وإعطاءه حقه من الدعاية، كما كان يحدث قديما فى الأفلام القديمة التى كان تُصور بين أحضان الطبيعة فى القناطر، ليرجع مرة أخرى مقصدا للزائرين والسائحين.
 

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع