مشاهد مصرية

حيثيات حكم "الإدراية العليا" بمصرية تيران صنافير..

الشعب صاحب السيادة ومصدرها

أصدرت اليوم الإثنين، الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا "فحص طعون" برئاسة المستشار أحمد الشاذلى نائب رئيس مجلس الدولة، حكمها برفض الطعن المقام من هيئة قضايا الدولة ممثلة عن رئاسة الجمهورية والحكومة، وتأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة "القضاء الإداري" ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، والتى بموجبها كانت جزيرتا تيران وصنافير ستنتقل إلى السعودية.

 
 وجاء تأييد الحكم فى ضوء رفض المحكمة – بإجماع آراء أعضائها – للطعن المقدم من هيئة قضايا الدولة ممثلة للحكومة فى القضية، على حكم القضاء الإداري. صدر الحكم برئاسة المستشار أحمد الشاذلى نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجى ومحمود رمضان ومبروك حجاج - نواب رئيس مجلس الدولة.

 

وفيما يلى حيثيات الحكم:
إنه بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، والإطلاع على تقرير هيئة مفوضى الدولة والمذكرات والمستندات المقدمة من أطراف الخصومة، وبعد إتمام المداولة قانوناً، فإن المحكمة قد خلصت إلى رفض الدفع بعدم اختصاصها ولائياً بنظر الدعويين وباختصاصها بنظرهما، إلى جانب قبول الدعويين شكلا وببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة فى أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البرى المصرى وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهم، أو حظر تغيير وصفهما بأى شكل لصالح أى دولة أخرى وذلك على النحو المبين بالأسباب وألزمت جهة الإدارة المصاريف . 
 
الجزيرتان ضمن الإقليم المصرى، خاضعتان للسيادة المصرية الكاملة، ووفقًا لنص المادة (151) من دستور جمهورية مصر العربية الصادر فى 18 يناير 2014، يحظر إبرام أى اتفاق يتضمن التنازل عن أى جزء من الإقليم المصرى.
وقد سطر الطاعنون أسباب الطعن بتقرير الطعن ومذكرات الدفاع المشار إليها، ومجمل الأسباب المشار إليها تنصرف إلى أن الحكم المطعون فيه قد صدر مشوباً بالخطأ فى تطبيق القانون فيما يتعلق بنفى صفة الخصومة عن الطاعن الثالث - بصفته - ( رئيس مجلس النواب )، ومخالفة الحكم للقانون فيما قضى به من رفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة - والقضاء عموماً - ولائياً بنظر الدعويين على سند حاصله أن المشرع أخرج الأعمال التى تتصل بسيادة الدولة سواء الداخلية أو الخارجية من ولاية المحاكم عموماً، وأن قضاء المحكمة – المطعون فيه – قد خالف المستقر عليه من قضاء المحكمة الدستورية العليا والمحكمة ذاتها فى منازعات مماثلة خاصة أن طلبات المدعين فى الدعوى تتمخض عن استدعاء ولاية القضاء واستنهاض رقابته بشأن أمر يتعلق باختصاص أصيل محجوز دستورياً لمجلس النواب ويمثل تدخلاً وإهداراً لمبدأ الفصل بين السلطات، بحسبان المجلس هو الجهة الوحيدة القائمة على شئون التشريع وسن وإصدار القوانين، والمنوط به الموافقة على ما يبرمه رئيس الجمهورية من معاهدات مع الدول الأخرى، وإن ما قامت به الحكومة فى النزاع المطروح باشرته بوصفها سلطة حكم بخصوص ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، وأنه أصبح محلاً للدراسة من قبل لجان مجلس النواب المختصة (وفقاً لكتاب هيئة قضايا الدولة الذى ورد بعد حجز الطعن للحكم والمتضمن إحالتها إلى مجلس النواب.)

 

والمحكمة سترجئ ما اُشير إليه بتقرير الطعن بشأن اختصام رئيس مجلس النواب إلى موضع اَخر فى أسباب الحكم .
وحيث إن الحكم المطعون فيه، استند إلى أحكام المواد 97، 151، 190 من الدستور الحالى وفيما تضمنته من حظر إبرام أى معاهدة أو اتفاقية يتوقف عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة، وأن مصطلح الإبرام أعم وأشمل من مصطلح إقرار المعاهدات، وأن هذا الحظر يمتد إلى السلطة التنفيذية ويحظر عليها اتخاذ أى عمل من أعمال الإبرام بما فيها التوقيع إذا كانت المعاهدة تخالف الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من الإقليم وهو حظر وقائى ومطلق، وأن لإقليم الدولة قداسة بالمعنى الوطنى وحرمة بالمعنى القانونى، وأنه يشكل وحدة واحدة لا سبيل إلى التنازل عن أى جزء منه، وأسس الدستور فكرة الاختصاص الممنوع أو المحظور على السلطة التنفيذية فى مجال إبرام المعاهدات الدولية، وخلصت المحكمة إلى أن توقيع الحكومة على الاتفاقية بما ينطوى عليه من التنازل عن الجزيرتين ( تيران وصنافير ) هو عمل إدارى يخضع لولاية محاكم مجلس الدولة طبقاً لأحكام المادة (190) من الدستور باعتباره من المنازعات الإدارية، وقضت برفض الدفع المبدى من المدعى عليهم بصفتهم بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعويين .
 
ومن حيث إن تقرير الطعن ومذكرات هيئة قضايا الدولة والمذكرات المقدمة من المطعون ضدهم والخصوم المتدخلين فى الدعوى قد أشارت - فى غير موضع- إلى سيادة الدولة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، ونظرية أعمال السيادة، ولأهمية النزاع المعروض فإن هذه المحكمة تبسط قضاءها على عُمد من التأصيل الواجب قبل أن تقطع بقضاء بات فى سلامة الحكم المطعون فيه وصحة السبب أو الأسباب التى قام عليها تقرير الطعن، وتؤكد المحكمة على أن للسيادة معنى سلبى وآخر إيجابى، والمعنى السلبى يقطع الاستقراء التاريخى له بأنها قد بدأت كفكرة سياسية ثم تحولت إلى فكرة قانونية , وينصرف إلى عدم خضوع الدولة لسلطة دولة أخرى، وعدم وجود سلطة أخرى مساوية لسلطة الدولة فى داخل حدود البلاد.
 
وتواصل المحكمة فى حيثيات حكمها قائلة: إن مصر فى هذا العقد من الزمان – بعد ثورة الشعب ( 25يناير / 30 يونيو ) - وهى ثورة وصفتها ديباجة الدستور بأنها فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التى قُدّرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مُشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية، وهذا الدستور استولد عنه نظام قانونى جديد ألبس الفصل بين السلطات ثوباً جديداً، وتحددت فيه حدود سلطات الدولة دون تغول من سلطة على سلطة أخرى، وأٌعلى من شأن حق الإنسان المصرى فى المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لبناء دولته الجديدة مصطحباً تاريخ مصر الخالد وحضارتها العظيمة وموقعها الجغرافى المتميز، وقدم وعراقة شعبها وأصالته، وطبيعته وطبيعة تكوينه الفريد والمتنوع والذى يمثل سمتاً من سماته ويستعذب أصالته كل من سرى فى شرايينه مياه النيل مسرى الدم، ومن أجل ذلك - وهو بعض من كل – وجب على الفكر القانونى أن يتماشى مع التعديلات التى استحدثها الدستور على النظام القانونى المصري، ومن عموم القول السابق إلى خصوصية النزاع المعروض والمتعلق بحقوق السيادة على الأراضى المصرية، وحدود سلطات الدولة بشأنها وفقاً للدساتير المصرية المتعاقبة بدءًا من الأمر الملكى رقم 42 لسنة 1923 بوضع نظام دستورى للدولة المصرية وانتهاءً بالوثيقة الدستورية الجديدة عام 2014، فقد نصت المادة (1) من دستور 1923 على أن " مصر دولة ذات سيادة , وهى حرة مستقلة, ملكها لا يتجزأ، ولا يُنزل عن شىء منه.
 
كما يتضح الأمر بجلاء لا لبس فيه ولا غموض عند مناقشة وإعداد المادة (145 ) والتى أصبحت فى الدستور الحالى تحت رقم المادة (151 )، وعند عرض الجزء الأول من النص الدستورى رجُح فى اللجنة أنها لا تتعلق بمعاهدات الصلح ولا التحالف أو ما يتعلق بحقوق السيادة ( فهذه يفصل فيها ويراقبها البرلمان )، أما المعاهدات الخاصة بالصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة وجميع المعاهدات التى يترتب عليها تعديل فى أراضى الدولة ،فذهب رأى إلى وجوب موافقة الشعب أُسوة بالمادة 53 فقرة أخيرة من الدستور الفرنسى ( الاجتماع الثامن للجنة المشار إليها فى 3/8/2013 ص 68 ،69 وبدءًا من ص 73 من الاجتماع المشار إليه ) وتبلور الأمر برأى ذهب إلى أن أى شيء يتعلق بحقوق السيادة لن يكون محلاً للمعاهدات ثم تبلور الرأى إلى أن المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة لا يكون لها قوة القانون إلا بعد الاستفتاء عليها وموافقة الشعب، وقبل الاتفاق على النص الدستورى ذكر أحد الأعضاء ( المستشار ......ص 73، "الجزء الأول من نص المادة 145 ليس فيه أى مشكلة، الجزء الثانى تجب موافقة مجلس الشعب ( النواب ) بأغلبية ثلثى أعضائه على معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة يتعين الاستفتاء وموافقة الشعب عليها لكى يستريح ضمير الجميع وأنا مع ....ولا يجوز إقرار أى معاهدة تخالف أحكام الدستور أو الانتقاص من أراضى الدولة، لماذا ؟؟ لأن الحكم هنا سيكون مختلفاً عندما نقول مظهر من مظاهر السيادة مثل قاعدة عسكرية هذا نريد فيه استفتاء أما هنا فى مسألة الانتقاص من أراضى الدولة لم تعرض على الاستفتاء محرم عرضها على المجلس أو الاستفتاء كقاعدة عامة وهذه هى قيمة الإضافة وأنا أوافق على الإضافة" ثم قُرأت المادة بالصوغ الآتى: "يمثل رئيس الجمهورية الدولة فى علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات ويصدق عليها بعد موافقة مجلس الشعب، وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها، وفقا لأحكام الدستور وتجب موافقة المجلس بأغلبية ثلثى أعضائه جميعاً على معاهدات الصلح والتحالف، وبالنسبة للمعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة فلا يكون لها قوة القانون إلا بعد الاستفتاء عليها وموافقة الشعب على ذلك .

 

وإذا كان النص الدستورى للمادة (151) الذى وافق عليه الشعب قد نقل حرفياً ما انتهت إليه لجنة الخبراء بخصوص الفقرة الأولى منه وبتصرف لا يغير المعنى فى الفقرة الأخيرة، فإن الفقرة الثانية والثالثة من الصياغة النهائية للدستور المستفتى عليها قدّمت وأوجبت دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف، وما يتعلق بحقوق السيادة ومنعت التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بموافقة الشعب، وينعطف من هذه المغايرة معان قانونية ومفاهيم كثيرة يجب أن تُسجل وتُذكر :-
 
 أولاً : أن الدستور المصرى رسَخ مبدأ سيادة الشعب فى أعلى صورة فحظر أى التزام دولى على الدولة فيما يتعلق بهذه الأنواع من المعاهدات إلا بعد أخذ موافقة الشعب صاحب السيادة ومصدرها، فالتصديق وهو من سلطة رئيس الجمهورية مشروط بموافقة الشعب عبر استفتاء واجب، وفيه يحل الشعب محل السلطة التى تقوم مقامه بالتشريع والرقابة، وعلى رئيس الجمهورية أن يخاطب الشعب مباشرة طالباً رأيه الفاصل والملزم فى أية معاهدة محلها الصلح أو التحالف أو تتعلق بحقوق السيادة. والترتيب المنطقى للأمور أن يتوجه رئيس الجمهورية إلى الشعب طالباً رأيه، فإن أجاب طلبه بالموافقة استكملت إجراءات الاتفاق الدولى، وإن كان له رأى آخر زال أى اتفاق أو إجراء سابق تم اتخاذه .
 
ثانياً : أن التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة أو إبرام معاهدة تخالف أحكام الدستور المصرى- فرادى أو مجتمعة - تعد من الأمور المحظور إبرام أى اتفاق دولى بشأنها ولا تعرض على الشعب الذى أعلن إرادته عبر دستوره.
 
إنه لا يُقبل التنازل عن أى جزء من الأرض أو مخالفة أى حكم من أحكام الدستور الذى يمثل الوعاء الأصيل للنظام القانونى الحاكم من ناحية والضمان الوحيد لاستقرار نظام الحكم من ناحية أخرى.
 
وقد جرى نص المادة (197) من القانون رقم 1 لسنة 2016 بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب - المنشور فى الجريدة الرسمية فى العدد (14)مكرر ب بتاريخ 13/4/2016 ليعمل به اعتباراً من اليوم التالى لنشره الموافق 14/4/2016 وفقاً للمادة الثانية من مواد إصداره على أن يبلغ رئيس الجمهورية المعاهدات التى يبرمها إلى رئيس المجلس، ويُحيلها الرئيس إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لإعداد تقرير فى شأن طريقة إقرارها وفقًا لحكم المادة (151) من الدستور، وذلك خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ إحالتها إليها، ويعرض رئيس المجلس المعاهدات وتقارير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى شأنها فى أول جلسة تالية، ليقرر إحالتها إلى اللجنة المختصة أو طلب دعوة الناخبين للاستفتاء عليها بحسب الأحوال، وفى غير الأحوال المنصوص عليها فى الفقرتين الأخيرتين من المادة (151) من الدستور، يكون للمجلس أن يوافق على المعاهدات أو يرفضها أو يؤجل نظرها لمدة لا تجاوز ستين يوما، ولا يجوز للأعضاء التقدم بأى اقتراح بتعديل نصوص هذه المعاهدات ويُتخذ قرار المجلس فى ذلك بالأغلبية المطلقة للحاضرين، ولرئيس المجلس أن يُخطر رئيس الجمهورية ببيان يشمل النصوص والأحكام التى تتضمنها المعاهدة التى أدت إلى الرفض أو التأجيل، وإذا أسفر الرأى النهائى عن موافقة المجلس على المعاهدة، أُرسلت لرئيس الجمهورية ليُصدق عليها، ولا تكون نافذة إلا بعد نشرها فى الجريدة الرسمية، ولا يتم التصديق على المعاهدات المشار إليها فى الفقرة الثانية من المادة (151) من الدستور، إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء عليها بالموافقة."

 

وبناءً على ما تقدم، فإن ما استندت إليه محكمة القضاء الإدارى فى أسباب حكمها الطعين وما أوردته هذه المحكمة من أسباب وفى أطار التوازن الدستورى بين نص المادة (97) والمادة (190) من الدستور الحالى - التى حظرت أولها، تحصين أى عمل أو قرار إدارى عن رقابة القضاء وأحكام الدستور فى عديد من المواد التى انصرفت إلى تعديل فى حدود السلطات الممنوحة لسلطات الدولة وبمقتضاها غدت جُلَ السلطات محددة النطاق ومشروطة الممارسة، فإن الحكم المطعون فيه فيما قضى به من رفض الدفع المبدى من – المدعى عليهم بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى – بصفتهم – فى الدعوى يكون قائماً على عُمد من الواقع والقانون، وصادراً فى إطار أحكام القانون والدستور، ولا يسوغ – والحال كذلك - للسلطة التنفيذية إجراء عمل أو تصرف ما محظور دستورياً ويكون لكل ذى صفة أو مصلحة اللوذ إلى القضاء لإبطال هذا العمل، ولا يكون لها التذرع بأن عملها مندرج ضمن أعمال السيادة، إذ لا يسوغ لها أن تتدثر بهذا الدفع لتخفى اعتداءً وقع منها على أحكام الدستور وعلى وجه يمثل إهداراً لإرادة الشعب مصدر السلطات، وإلا غدت أعمال السيادة باباً واسعاً للنيل من فكرة سيادة الشعب وثوابته الدستورية وسبيلاً منحرفاً للخروج عليها وهو أمر غير سائغ البته، وترى المحكمة إظهاراً لوجه الحق والقانون – وقبل التعرض للأسباب التى قام عليها تقرير الطعن الماثل - الإشارة إلى قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 535 لسنة 1981 بشأن الموافقة على معاهدة فيينا لقانون المعاهدات الموقعة فى فيينا عام 1969، حيث نصت المادة الأولى - مادة وحيدة - من القرار المشار إليه – وكما ورد فى ديباجته – " بعد الاطلاع على الفقرة الثانية من المادة (151) من الدستور - على " الموافقة على معاهدة فيينا لقانون المعاهدات الموقعة فى فيينا بتاريخ 23/5/1969 مع التحفظ بشرط التصديق، ومع إبداء التحفظ التالى على وثيقة الانضمام ." أن جمهورية مصر العربية لا تُعتبر منها طرفاً فى إطار الباب الخامس من المعاهدة فى مواجهة الدول التى تبدى تحفظات على وسائل التقاضى والتحكيم الإلزامية الواردة فى المادة (66) وفى ملحق المعاهدة، كما إنها ترفض التحفظات التى ترد على الباب الخامس من المعاهدة " .
 
وأضافت الحيثيات: كما أن الدستور المصرى السارى قد حدد اختصاص مجلس النواب بشأن المعاهدات باعتبار أن موافقته واجبة على كل ما تبرمه الدولة من معاهدات حددتها الفقرة الأولى من المادة (151) من الدستور، وإن الفقرة الثانية قصرت دور مجلس النواب على المصادقة على ما ينتهى إليه الشعب باعتباره الوكيل عن صاحب السيادة الذى اثر الدستور أن يتولاه بنفسه دون وكيل باعتبار أن موافقته الشرط الوحيد اللازم للمصادقة على الاتفاقية بعد دعوته الواجبة كما سلف البيان ,فسلطة مجلس النواب فى مسائل السيادة سلطة تقرير لإرادة الشعب ويكون رأيه متمماً لتلك الإرادة يلتحم فيها الوكيل بالموكل , ويكون دور الوكيل محصوراً فى صوغ التعبير عن هذه الإرادة رفضاً أو قبولاً , فإذا ما باشرت السلطة التنفيذية اختصاصاً متصلاً بهذا النوع من المعاهدات أو تلك التى نظمتها الفقرة الأخيرة من المادة 151 من الدستور تمحور النزاع حول عمل إدارى لا يسوغ أن تتدخل فيه السلطة التشريعية طرفاً فيه كمشرع . وإذ أخرج القضاء المطعون فيه الطاعن الثالث بصفته المُمثل القانونى لمجلس النواب يكون قد التمس وجه الحق وأنزل صحيح حكم القانون والدستور، وتطرح المحكمة - من ثم - ما ورد بتقرير الطعن من أن الرقابة على الاتفاقية المشار إليها محجوزة فقط للبرلمان بحسبان الفصل فى النزاع معقود للقضاء الإدارى، واستقر فى يقين المحكمة – كما سلف البيان – أن النزاع الماثل لم يرق إلى كونه التزاماً دولياً، كما أنه يخرج عن نطاق تطبيق أحكام الفقرة الأولى من المادة (151) من الدستور التى وسدّت لمجلس النواب دوراً واجباً فى الموافقة على المعاهدات فى غير الحالتين التى أشارت إليهما الفقرتين الثانية والثالثة منها .

 

وأشارت المحكمة إلى أنه بالرجوع إلى أعمال لجنة الخبراء العشرة والخاصة بإعداد الدستور، فإنه قد أشار أحد أعضائها ص 73 بأن " أى شيء يتعلق بحقوق السيادة لن يكون محل معاهدات "، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن المحكمة تقصر قضائها فى خصوص هذه المسألة على دور مجلس النواب كسلطة تشريعية تمارس دوراً فى إطار الدستور ودون تخط لآلياته الأخرى بشأن الرقابة على أعمال الحكومة، ولايسوغ أن يكون مجلس النواب طرفاً فى الخصومة الماثلة – ومحلها – إجراء أو عمل إدارى صدر عن رئيس الوزراء على الوجه سالف بيانه ويكون إخراج الحكم المطعون فيه الطاعن الثالث بصفته ( رئيس مجلس النواب ) من الخصومة قاضياً بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذى صفه بالنسبة له، ملتمساً وجه الحق ومنزلاً صحيح حكم القانون والدستور , فإذا ما زج به كجهة فصل فى خصومة فالبرلمان ينشئ ويقرر فى إطار دوره الدستورى, أما الفصل فى الخصومة اختصاص معقود للقضاء .
 
ووفقًا لم ما أبدته الجهة الطاعنة من أسباب للطعن على الحكم المطعون فيه فإن مقولة أن حق الدولة على إقليمها هو حق ملكية يمثل خلطاً بين السيادة الإقليمية وبين الملكية مرجعه أن بعض الفقه والقضاء الدولى فى إطار الفقه التقليدى يذهب إلى استعارة بعض قواعد القانون الدولى من قواعد القانون الداخلى وخصوصاً ما كان ينحدر من قواعد القانون الرومانى الذى كان سبب ذلك الخلط فى التشبيه بين الموضوعين , ويبنى هؤلاء الفقهاء اعتقادهم على ما يلاحظونه من تشابه بين سيادة الدولة على إقليمها وبين الملكية، فالحق فى السيادة والحق فى الملكية كلاهما مقصور على صاحبه يخوله الحق سلطة التصرف فى المال أوالشىء موضوعه، وذلك على الرغم من أنه وفقاً للمفاهيم الحديثة لأحكام القانون الدولى المعاصر ليس هناك ما يبرر وجود هذا الخلط فالسيادة فى ضوء قواعد هذا القانون لها مدلول قانونى مجرد يقوم على اعتبار الدولة أعلى سلطة فى داخل إقليمها، وهذا الإقليم هو الإطار الذى تباشر الدولة سلطتها فيه، ومن ثم يتعذر تشبيه سلطات الدولة واختصاص هيئاتها بالملكية الخاصة للأفراد , ذلك أن حق الدولة على إقليمها ليس حق ملكية وإنما هو حق سياسى يشتمل على مجموعة من الحقوق التشريعية والتنفيذية والقضائية التى تسرى على إقليم الدولة كما سلف البيان , ومؤدى ذلك أن الإقليم هو الذى تمارس فيه الدولة سلطتها السياسية، وهو الموضوع المباشر لسيادة الدولة التى تفترق عن حق الملكية العينية وعن سيادة الأشخاص على ممتلكاتهم الخاصة، هذا نظر يجب أخذه بمزيد من الحذر فى مجال القانون العام، ذلك أن السيادة هى التى تنشأ فى مختلف الزمان مبتدئة ولم تشتق يوماً من سيادة دولة أخرى سواء بمفهومها السياسى أو القانونى، ومصر – وعلى سوف ما يأتى بيانه – تمتعت عبر تاريخها وعلى اختلاف أنظمتها بأهلية قانونية دولية كاملة تجاه جزيرتى تيران وصنافير أى بالسيادة القانونية الكاملة عليهما كشخص من أشخاص القانون الدولى، ولم يعتريها يوماً ما مانعاً يمنع من مباشرتها , وسيادتها فى هذا الشأن وصفاً فى الدولة يعبر عما لها من أهلية لم تتجزأ، فلا يوجد دولتان تقتسمان أهلية واحدة وباتت السيادة الإقليمية المصرية هى العنصر الرئيسى فى تصرفات الدولة المصرية عليهما، والتى ظهرت بها وفقاً لقواعد القانون الدولى، وأن التطور الذى لحق به لم يغير من واقع أن السيادة الإقليمية التى لازالت هى النواة التى يدور حولها توزيع الحقوق بين الدول وهذه الحقوق القانونية للدول حسبما يعرفها القانون الدولى ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمظاهر السيادة على الإقليم فى مقوماته الثلاثة اليابسة والبحر والجو، وهو الأمر الذى لم ينفرط عقده لمصر على تلك الجزيرتين على الدوام والثبات، وفى عموم القول أنه قد ترسخ فى الوجدان الدولى أن التنازل عن جزء من إقليم الدولة يجب أن تتوافر فيه الشروط الشكلية والقانونية المطلوبة لصحته من منظور القانون الدولى والقانون الداخلى .
 
ومن حيث إنه عن الأدلة والبراهين والشواهد التى تنطق بها أوراق الطعن بشأن الدولة التى تدخل أرض جزيرتى تيران وصنافير ضمن حدودها، فإنه يبين من اتفاقية تعيين الحدود الشرقية المبرمة بين الدولة العثمانية ومصر بشأن تعيين خط فاصل إدارى بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طور سيناء الواردة ضمن اتفاقية رفح 1906 لترسيم حدود سيناء الشرقية – المنشورة

 

فى جريدة الوقائع المصرية 10 نوفمبر 1906 السنة السادسة والسبعون نمرة الجريدة 127 - أنها جاءت خالية مما يفيد أن جزيرتى تيران وصنافير تدخلان فى ولاية الحجاز بينما تدخلهما خطوط الحدود فى الولاية المصرية وفقا لخريطة العقبة المطبوعة فى مصلحة المساحة المصرية سنة 1913 مؤشراً عليها من المندوبين المختصين وتدخل فيهما الجزيرتين السالفتين وبها علامات الحدود المصرية عليهما طبقاً للخطوط المرسومة وفقاً لمعاهدة 1906 المشار إليها مع قيد حفظ حقوق العربان , بينما حد الحجاز يبدأ من العقبة وذلك على الرغم من أن تلك الاتفاقية خاصة بالحدود البرية بين الدولتين .
 
وأضافت المحكمة :كما تمت مراجعة الصورة الرسمية لاتفاقية عام 1906 من الوقائع المصرية والخريطة المرفقة بالاتفاق أول أكتوبر عام 1906 من رفح شمالاً حتى خليج العقبة جنوباً المقدمة ضمن حوافظ مستندات المطعون ضدهم بجلسة 22/10/ 2016 – مؤلف محيط الشرائع والمعاهدات الدولية المرتبطة بها مصر, أنطون بك صفير المطبعة الأميرية عام 1953 ص 1617، أطلس ابتدائى للدنيا لاستعماله فى المدارس المصرية عُمل وطُبع بمصلحة المساحة والمناجم على نفقة وزارة المعارف العمومية عام 1922 وأُعيد طبعه عام 1937 موضحاً بالخريطة ص 2 منه إن الجزيرتين ضمن الإقليم المصرى لورودهما بالكتابة ضمن الجزر المصرية المقدم ضمن حوافظ مستندات المطعون ضدهم – مؤلف التطور التاريخى لجزيرتى تيران وصنافير 1906- 1950 للدكتور صبرى العدل)، ومن حيث إنه وفى ضوء فهم المحكمة للاتفاقية المبرمة 1906 وخريطة العقبة المطبوعة فى مصلحة المساحة عام 1913، تأكد مصرية جزيرتى تيران وصنافير, وأنه لا وجود لسيادة أخرى تزاحم مصر فى هذا التواجد، بل أنه لم تكن هناك دولة غير مصر تمارس أى نشاط عسكرى أو أى نشاط من أى نوع على الجزيرتين، باعتبارهما جزءا من أراضيها، كما أن الملف رقم 219-1/4 المؤرخ فبراير 1950 الموجه لوزارة الخارجية أكد على مصرية هاتين الجزيرتين متضمناً أنه:" بالإشارة إلى كتاب الوزارة رقم 853 المؤرخ 3 ديسمبر سنة 1949بشأن قيام وزارة الخارجية بالاشتراك مع وزارة الحربية والبحرية بتحديد مدى المياه الإقليمية المصرية وطلب الوقوف على معلومات هذه الوزارة بشأن جزيرة تيران الصخرية الواقعة عند مدخل خليج العقبة فقد ثبت من مصلحة المساحة إنه بالاطلاع على اللوحة رقم 6 جنوب سيناء من مجموعة خرائط القطر المصرى بمقياس 1/ 500000 الطبعة الأولى لسنة 1937, أنها قد بينت على جزيرتى تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة تفاصيل الارتفاعات بكل منهما ولونت الارتفاعات بالجزيرتين بنفس الألوان التى بينت بها المرتفعات بالأراضى المصرية بتلك المجموعة بينما تركت المساحات المبينة بتلك اللوحة من الأراضى الأجنبية بيضاء دون أن تبين لها أية تفاصيل, "ويتضح أن جزيرة تيران تدخل ضمن تحديد الأراضى المصرية" مما يقطع بمصريتهما.
 
 وقد تأكد ذلك بما ورد بكتاب وزارة الخارجية السرى (رقم الملف 37/21/81-26) المؤرخ 25 فبراير 1950 الموجه لوكيل وزارة الحربية والبحرية من: "أنه بالإشارة إلى كتاب الوزارة رقم 3 سرى المؤرخ 16 يناير 1950 بشأن ملكية جزيرة تيران الواقعة عند مدخل جزيرة العقبة أرفقت كتاب وزارة المالية رقم ف 219-1/4 الذى يتبين منه أن هذه الجزيرة تدخل ضمن تحديد الأراضى المصرية " , وهو ما تأكد كذلك من كتاب قائد عام بحرية جلالة الملك المؤرخ 22 فبراير 1950 بقصر رأس التين بالإسكندرية الموجه لوزارة الحربية والبحرية عن تموين قوات سلاح الحدود الملكى المصرى الموجودة بطابا وجزر فرعون وتيران وصنافير أرفق به كتاباً سرياً لرياسة الجيش مما يدل على ممارسة مظاهر السيادة المصرية على تلك الجزيرتين، ومن ثم فليس فى مُكنة وزارة الخارجية بخطاب من وزيرها من بعد أن تعدل عن مصرية هاتين الجزيرتين لأى سبب من الأسباب وأياً كانت الدوافع الرامية إليه، وقد أفصحت المحكمة عن عقيدتها الجازمة فى هذا الصدد حال تعرضها لمفهوم الالتزام الدولى فى أسباب هذا الحكم.
 
ويدعم ما سبق بشأن اعتبار أرض الجزيرتين ضمن الأراضى المصرية ما ورد على لسان المندوب المصرى أمام مجلس الأمن فى جلسته رقم 659 بتاريخ 15 فبراير 1954 أن سيادة مصر على الجزيرتين المذكورتين باعتبارهما ضمن
 
الإقليم المصرى، وأن مصر تفرض سيادتها على جزيرتى تيران وصنافير منذ عام 1906 حيث استخدمتهما فى الحرب العالمية الثانية كجزء من نظام مصر الدفاعى وأن التحصينات فى هاتين الجزيرتين قد استخدمت لحماية سفن الحلفاء من هجمات الغواصات المعادية، وأكد كذلك مندوب مصر أن الجزيرتين جزء من إقليم مصر وهو ما يعنى أن مصر مارست سيادتها المشروعة عليهما لمدة مائة وعشر سنوات لم يشاركها أحد فيها ,وبات جلياً حق مصر التاريخى على الجزيرتين وهو الذى ينشئ الحق ابتداءً، وفى هذا الشأن أكد مندوب لبنان أمام ذات المجلس – على نحو ما قدمه المطعون ضدهم فى حافظة مستنداتهم بجلسة 22/10/2016- وأكدته المستندات المقدمة من الحكومة بجلسة 7/11/2016" أن ما ذكره مندوب إسرائيل بشأن الجزر الواقعة فى مدخل خليج العقبة - جزيرتى تيران وصنافير - من ادعائه أنهما وقعتا تحت الاستحواذ المفاجئ لمصر وتلا تصريحاً صدر عن الحكومة المصرية فى رسالة وجهتها إلى سفارة الولايات المتحدة فى القاهرة مضمونها أن مصر لم تستحوذ على هذه الجزر فجأة بل كان ذلك الاستحواذ فى العام 1906 حيث لزم فى حينها ترسيم الحدود بين مصر والدولة العثمانية , وشرعت مصر على ضوء هذا الترسيم فى الاستحواذ على الجزيرتين لأسباب فنية وكان ذلك الاستحواذ موضوع مناقشات وتبادل فى الآراء وكذلك خطابات بين الامبراطورية العثمانية وحكومة الخديو فى مصر وبالتالى لم يكن مفاجأة حيث تم الاستحواذ فى الحقيقة على الجزيرتين منذ عام 1906 وهذه حقيقة مؤكدة بأنهما ومنذ ذلك الوقت خاضعتان للسلطة المصرية وأنهما يشكلان جزءاً لا يتجزأ من الأراضى المصرية .

 

وحيث إنه وبعد الاستعراض السابق بيانه، تبين بجلاء ووضوح لا لبس فيه أو غموض أنها مظاهر للسيادة المشروعة لا تتمتع بها سوى دولة ذات سيادة على الجزيرتين، وهكذا بقيت المراسيم والقوانين واللوائح المصرية شاخصة شاهدة ناطقة على ممارسة مظاهر كامل السيادة المصرية على الجزيرتين فى ظل الأحكام المنظمة للقانون الدولى وتبعاً لذلك بقيت القواعد التى تنتظمها فى السيادة المصرية على الجزيرتين سارية المفعول على جميع السفن الأجنبية باعتراف دولى التى تمر فى مضيق تيران للخضوع للرقابة واُنشأت محطة بحرية للقيام بهذا الغرض , بل كانت تلك اللوائح تقضى بإلزام السفن الأجنبية بإخطار السلطات المصرية قبل 72 ساعة على الأقل من المرور فى مضيق تيران والإبلاغ عن وجهتها وركابها وحمولتها باعتبار أن مياه مضيق تيران مياهاً إقليمية مصرية خالصة , وهذا الإخطار السابق يماثل تماماً ذات الإخطار السابق الذى اشترطته السلطات المصرية من قبل السفن الأجنبية التى تمر بقناة السويس وكلاهما حق من حقوق مصر تستمده مباشرة من حقها فى السيادة عليهما، باعتبارهما من الإقليم المصرى وإن كانت الأخيرة استمدت كذلك من معاهدة القسطنطينية سنة 1888 الخاصة بقناة السويس، إلا أن الثانية استمدت السيادة من واقع سيطرة مصر على المضيق والجزيرتين فعلياً كما أعلنت أن منطقة شرم الشيخ ومضيق تيران وصنافير محظور فيهما الطيران إلا بإذن من مصر .
 
وأضافت الحيثيات: وحيث إنه لا ينال من ثبوت سيادة مصر ما قد يُستند إليه من تعطل ممارسة السلطات المصرية على مضيق تيران الفترة منذ العدوان الثلاثى سنة 1956 حتى سنة 1967 التى لم تمارس فيها السلطات المصرية حق الإشراف والرقابة على الملاحة فى ذلك المضيق , ذلك أن هذا التعطيل يعد مؤقتاً بطبيعته لأنه كان أثراً من اَثار العدوان الثلاثى وهو أمر فرضته الظروف اللاحقة على العدوان حيث رابطت قوات الطوارئ الدولية فى منطقة شرم الشيخ المصرية وهو الأمر الذى استعادته السلطات المصرية منذ 23 مايو سنة 1967 بعد انسحاب قوات الطوارئ الدولية بناءً على طلب مصر , بل إن اتفاق لجنة الهدنة المصرية الإسرائيلية المشتركة سنة 1953 كان على منع السفن التابعة لكل من الطرفين من الدخول فى المياه الإقليمية للطرف الآخر إلا فى حالات الضرورة القاهرة, وأنه لا يجوز للسفن التابعة لإسرائيل الدخول فى المياه الإقليمية المصرية , ومؤدى ذلك ولازمه أنه ليس من حق السفن الإسرائيلية المرور فى مضيق تيران، وقد تضمن نص الفقرة الثانية من المادة الثالثة من اتفاقية الهدنة المصرية الإسرائيلية ذلك , ولا يمكن وضع ذلك الاتفاق إلا لدولة تملك سيادتها على إقليمها, وأى ذلك أن السكرتير العام للأمم المتحدة "يوثانت" قدم تقريراً إلى مجلس الأمن فى 26 مايو سنة 1967 تناول فيه فى صراحة ووضوح أن موقف مصر هو أن المضيق يشكل مياهاً إقليمية لها حق مراقبة الملاحة فيها وأن إسرائيل تعتبر إغلاق مضيق تيران فى وجه السفن التى تحمل العلم الإسرائيلى وفرض قيود على شحنات السفن التى تحمل أعلاماً اَخرى سبباً للحرب وإن هدف مصر العودة إلى الأحوال التى كانت سائدة قبل سنة 1956 وإلى المراعاة العامة من الطرفين لأحكام اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل وقد قرر مندوب مصر فى الجمعية العامة للأمم المتحدة اَنذاك فى 27 نوفمبر 1956 بسيادة مصر على المضيق بعد انتهاء مهمة قوة الطوارئ الدولية بقوله " ليكن واضحاً تماماً أن هذه القوات إنما هى ذاهبة إلى مصر لمعاونتها برضاها وليس هناك أحد يمكن أن يقول إن رجل الإطفاء بعد أن يخمد النيران يمكن أن يدعى حقوقاً أو حججاً للبقاء فى المنزل وعدم تركه " إشارة منه بتمسك مصر بمصرية كامل إقليمها.
 
كما أن السكرتير العام للأمم المتحدة اَنذاك "داج همر شولد" أوضح فى تقريره المؤرخ 4 فبراير 1957 اَنه يتعين رضاء مصر الكامل على دخول هذه القوات لإقليمها فى مضيق تيران مما لا يدع مجالاً لأى شك فى سيادة مصر على الجزيرتين حتى فى أحلك الظروف كما أورد فى تقريره المؤرخ 26 فبراير سنة 1957 أن وجود قوة الطوارئ لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لفرض حل لأية مشكلة سياسية أو قانونية لأن وظيفة القوة هى منع وقوع الأعمال العدوانية , ثم عندما دخلت قوات الطوارئ الدولية إلى شرم الشيخ فى 8 مارس 1957 أعلن السكرتير العام للأمم المتحدة فى ذات اليوم انسحاب القوات الإسرائيلية من هذا الموقع ومن جزيرتى تيران وصنافير وهو ما يؤكد - كما انتهى إلى ذلك مندوب مصر بالأمم المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى أول مارس 1957 عقب انسحاب إسرائيل - أن تصريحات الأخيرة لن يمس حقوق مصر على الجزيرتين , وقد أيد مندوب الهند عام 1957 موقف مصر منتهياً إلى أن مدخل خليج العقبة يقع فى المياه الإقليمية لمصر ودعا إلى عدم محاولة أى دولة أو مجموعة من الدول معارضة سيادة مصر على مضيق تيران عن طريق استعمال القوة , وأعلن الوفد السوفيتى فى الأمم المتحدة بنيويورك عام 1957 أن :"الاتحاد السوفييتى يرى أن خليج العقبة من المياه العربية الداخلية، وأن حل مشكلة الملاحة فى المياه الداخلية حق من حقوق السيادة للدولة صاحبة الشأن،أى من حق مصر", كما أكد مندوب مصر فى جلسة مجلس الأمن التى عُقدت فى 29/5/1967 أن اتفاقية الهدنة لا تبطل حقوق مصر فى تقييد الملاحة فى المضيق المذكور.
 
كما أن عدوان سنة 1956 لم يغير المركز القانونى لحق مصر فى السيادة الكاملة على مضيق تيران باعتباره ضمن الإقليم المصرى وإنه ليس مضيقاً مستخدماً للملاحة الدولية فى مفهوم حكم محكمة العدل الدولية فى قضية مضيق كورفو CORFU الصادر فى 9 أبريل 1949 وإنما هو مضيق وطنى مصرى يضم مياهاً وطنية مصرية داخلية وهو ما حظى بموافقة مندوبى عدة دول لسيادة مصر المشروعة على مضيق تيران منها الهند وبلغاريا وسوريا والعراق والأردن والمغرب والسعودية ذاتها .( يراجع فى ذلك: موافقات مندوبى تلك الدول محاضر جلسات مجلس الأمن المنعقدة فى 29 مايو 1967 ) , ومن المعلوم أن المضيق الدولى كما جرى عليه العرف الدولى وما قررته محكمة العدل الدولية فى حكمها المذكور يشترط فيه توافر ركنين أساسيين هما (1) أن يكون المضيق.
 
موصلاً بين بحرين عاليين - أى جزء من أعالى البحار – (2) أن يكون المضيق مما جرى العرف الدولى على استعماله عادة كطريق من طرق الملاحة البحرية , والحق انه لم يثبت قط أن مضيق تيران اتخذ لمثل هذا الوصف لعدم استعماله كطريق للملاحة البحرية ولعدم كونه موصلاً بين بحرين وإنما هو يصل المياه الإقليمية المصرية بالمياه الداخلية للدول العربية، ومن ثم فإن سيادة مصر المشروعة على تلك الجزيرتين كاملة غير منقوصة ولم تفرط فى شبر منهما على امتداد تاريخها وراح ضحيتهما وبسببهما دماء ذكية حفاظاً على إقليمها إذ قرر المندوب الأمريكى فى الاجتماع رقم 1377 أمام مجلس الأمن أن إغلاق مضايق تيران كانت السبب الجوهرى لحرب 1967 وأن العودة للسلام يتطلب ضماناً لحرية الملاحة فى مضيق تيران .
 
وفضلاً عما تقدم , فإن مصر كانت طوال هذه الفترة فى حالة حرب مع العدو الإسرائيلى لاسترداد حقها فى المضيق وبسط سيطرتها إلى أن تم التحرير فى حرب أكتوبر عام 1973 المجيدة، وهو ما أكده قرار مجلس الأمن بتشكيل قوة الطوارئ الدولية فى 25 أكتوبر 1973 وأن وقف إطلاق النار المتقطع بسبب انتهاكات إسرائيل المستمرة له لا يؤثر على بقاء حالة الحرب L'État de guerre رغم وقف إطلاق النار, لأن وقف القتال Suspension d'armes لا ينهى حالة الحرب, كما أن الهدنة L'armistice لا تنهى تلك الحالة لأن الحرب لا تنتهى إلا بالتوصل إلى اتفاق سلام أو معاهدة صلح traité de paix ومن ثم فلا حق لإسرائيل خلال تلك الفترة فى مرور سفنها فى مضيق تيران, ثم جاءت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واستخدمت المادة الخامسة فى فقرتها الثانية من تلك المعاهدة تعبير طرق الملاحة الدولية International waterways ولم تستخدم تعبير المرور العابر Transit passage وفقا لما أتت به اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ولا مرية أن النظرة الفاحصة فى تلك المعاهدة وملاحقها تكشف النقاب عن أن أطراف المعاهدة ينظرون إلى مياه مضيق تيران بحسبانها جزءاً لا يتجزأ من المياه الإقليمية المصرية.

 

ووفقاً للمادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فإن النظام المقرر للمرور فى المضايق لا يؤثر على الطبيعة القانونية للمياه التى تتشكل منها تلك المضايق , وهو ما يتوافق مع مبدأ المرور العابر كما سطرته المادة 38 فى فقرتيها الأولى والثانية من اتفاقية الأمم المتحدة المشار إليها, آخذاً فى الاعتبار ما أكدته مصر فى تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بتاريخ 11 يوليو 1983 بقولها: " أن جمهورية مصر العربية إذ تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمعبر عنها فيما بعد بالاتفاقية وإعمالاً لحكم المادة(310) منها تعلن أن ما ورد فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية المبرمة عام 1979 من نص خاص بالمرور فى مضيق تيران وخليج العقبة يسير فى إطار التنظيم العام للمضايق كما ورد بالجزء الثالث من الاتفاقية بما يتضمنه هذا التنظيم من عدم المساس بالنظام القانونى لمياه المضيق ومن واجبات تكفل السلامة وحسن نظام دولة المضيق.
 
وإذا كانت المادة الخامسة من معاهدة السلام قد تضمنت اعتبار الطرفين مضيق تيران من الممرات الدولية المفتوحة دون عائق أو إيقاف لحرية الملاحة أو العبور الجوى فإن ذلك لا يعنى اتفاقاً بين الطرفين على تغيير النظام القانونى للمرور أو للملاحة فى المضيق يخرجه عن نطاق تطبيق أحكام المضايق وفق الاتفاقية العامة لقانون البحار فى المادة 35/4 وبهذه المثابة فإن صفة الدولية التى أضافتها الفقرة الثانية من المادة الخامسة على تيران إنما بُغية إرساء مبدأ حرية الملاحة لا يغير من المركز القانونى للمياه التى يشملها هذا المضيق بحسبانها مياها إقليمية مصرية تمارس عليها مصر كامل سيادتها عليها، وأى ذلك ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة الأولى من تلك المعاهدة التى نصت على أن مصر سوف تستأنف ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء بعد إتمام الانسحاب الإسرائيلى إلى ما وراء الحدود الدولية، وغنى عن البيان إن سيادة مصر على سيناء تكون لأرضها وجوها ومياهها الإقليمية.
 
وبصفة عامة يمكن القول أن اتفاقية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مجملها وما تحتويه من تنظيم المرور بمضيق تيران بما يضمن كفالة السلامة وحسن نظام دولة المضيق تعنى التسليم لمصر بكامل سلطانها فى السيادة عليه كجزء من إقليمها ولا يمكن لدولة أن تسعى لتنظيم مرور ملاحى فى نطاق معاهدة لمضيق ليس خاضعاً خضوعاً كاملاً لها وليس من إقليمها الخالص . ومؤدى ما تقدم جميعه ولازمه أن كل تعرض أو تدخل لهاتين الجزيرتين سلماً أو حرباً لم يكن طرفاً فيه سوى دولة وحيدة هى مصر لا غيرها , الأمر الذى يستلزم مع تضافر وتكامل الأسباب الأخرى استدعاء أن السيادة عليهما ليست إلا لمصر ولمصر وحدها، وبناءً على الاتفاقية المشار إليها أدرجت الجزيرتان ضمن المنطقة (ج) والتى تخضع وفقاً لأحكام الاتفاقية ضمن السيادة المصرية، ولم تتدخل المملكة العربية السعودية فى هذه المباحثات – تصريحاً أو تلميحاً – بما يقطع بأن الجزيرتين أرض مصرية وليس لدولة أخرى ثمة حقوق عليهما، وكانت مصر ولا زالت هى الطرف المدافع عن هاتين الجزيرتين حرباً وسلماً لا باعتبارها وكيلة أو تديرها لصالح دولة أخرى .
 
ومن حيث إنه تأسيساً على ما تقدم، ومتى كانت أوراق الطعن قد خلت من ثمة وثيقة أو معاهدة تشير إلى أن دولة أخرى غير جمهورية مصر العربية، قد مارست سيادتها المشروعة على جزيرتى تيران وصنافير فى أى وقت من الأوقات بحسبانهما ضمن الإقليم المصرى المحظور التنازل عن أى جزء منه، كما لم يثبت على الإطلاق ممارسة المملكة العربية السعودية لأدنى مظهر من مظاهر السيادة على الجزيرتين سواء قبل إعلان المملكة عام 1932 أو بعدها، كما خلت الأوراق من ثمة نص فى معاهدة أو اتفاق مكتوب بين مصر والسعودية يفيد فى أى حقبة من حقب الزمان أن الأخيرة تنازلت أو سمحت لمصر بالوجود العسكرى عليهما، خاصة إبان استيلاء إسرائيل على ميناء أم الرشراش - إيلات حالياً - عام 1949، وقواعد القانون الدولى لا تعتد إلا بالاتفاقيات المكتوبة والموقعة من الطرفين فى مثل هذه الحالات الهامة.
 
وبهذه المثابة يكون الإجراء الإدارى الذى سمته الحكومة المصرية فى تقرير طعنها اتفاقاً مبدئياً بترسيم الحدود وما نتج عنه من تنازل عن الجزيرتين – أياً كانت المبررات الدافعة إليه – حال كونهما ضمن الإقليم المصرى مخالفاً للدستور والقانون لوروده على حظر دستورى مخاطباً به السلطات الثلاث، والشعب ذاته، ولانطوائه على خطأ تاريخى جسيم - غير مسبوق – يمس كيان تراب الوطن المملوك للشعب المصرى فى أجياله السابقة وجيله الحالى والأجيال القادمة وليس ملكاً لسلطة من سلطات الدولة، ولذا فإن الحفاظ عليه والدفاع عنه فريضة مُحكمة وسُنة واجبة، فهذا التراب أرتوى على مر الزمان بدماء الشهداء التى تُعين وتُرسم حدوده، باق وثابت بحدوده شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وسلطات الدولة متغيرة، خاصة أن التنازل عنه - على النحو المتقدم – سيفقد مصر حقوقها التقليدية على مياهها الإقليمية التى مارستها عبر قرون، فضلاً عما يشكله من تهديد دائم للأمن القومى المصرى، وإضرار بمصالحها الاقتصادية فى مياهها الداخلية الإقليمية.


































































































(28 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع