مشاهد مصرية

سياسات قديمة متجددة

إذاعة مصر الحرة..


قبل عامين توقف بث إحدى القنوات الفضائية التى كانت موجهة لتناول الشأن المصرى تحديداً بعدما أيقنت الجهات القائمة على إدارتها أنه لا فائدة من الاستمرار فى إنفاق عشرات الملايين من الدولارات شهرياً سعياً لتحقيق هدف مستحيل، والحقيقة أن قيام الدول بتوجيه إذاعات أو قنوات بعينها ضد دول أخرى هى ظاهرة قديمة قدم البث الإذاعى ذاته، وقد عرف عالمنا العربى ظاهرة الإذاعات الموجهة منذ عقود، ولم تكن مصر بعيدة عن هذه الظاهرة حيث تعرضت لبث إذاعى موجه فى الخمسينيات والستينيات من بلدان مختلفة جمع بينها رابط مشترك هو محاولة إسقاط نظام عبد الناصر والتصدى للمد الثورى الذى قادته مصر آنذاك.

 ومن أشهر الإذاعات التى تم توجيهها ضد مصر، إذاعة مصر الحرة التى مولتها العديد من القوى الاستعمارية بهدف محاصرة المد الثورى الذى قادته مصر، وبدأت الإذاعة التى كانت ـ وللمفارقة الشديدة- تبث على نفس ترددات راديو فرنسا الحرة الذى أنشأته إدارة ديجول لشحذ همم الفرنسيين ضد الاحتلال النازى لبلادهم إبان الحرب العالمية الثانية فى التشكيك فى وطنية النظام المصرى ومحاولة تأليب المصريين على قيادتهم، وكانت أبرز الإشاعات التى بثتها هذه الإذاعة والتى ثبت كذبها فيما بعد هى مصرع عبد الناصر فى القصف الذى تعرض له مبنى مجلس قيادة الثورة فى الساعات الأولى للعدوان الثلاثى على مصر، وقد هللت الإذاعة المذكورة لهذا الخبر واستضافت بعض من يتحدثون اللهجة المصرية للترحيب بهذا الخبر وسعادة المصريين بهذا العدوان.

.

والحقيقة أن الشطط الذى اتسم به موقف القائمين على إدارة هذه القناة كان السبب الرئيسى فى انصراف المصريين عن الاستماع لهذه الإذاعة بعدما تبنت هذا الموقف المؤيد للعدوان الثلاثى، فالشعوب عادة ما تلفظ تلك النوعية من الأفكار التى تهدف إلى الحث على  التسليم للمحتل بدلاً من مقاومته.
وللتذكير فإن أسرة أبو الفتح المصرية المكونة من الأشقاء محمود وأحمد وحسين، كانت هى التى تشرف على إذاعة مصر الحرة وتتولى إعداد برامجها، وكان البث يصل فى البداية إلى مصر وأجزاء من السودان، قبل أن يسافر الأستاذ محمود أبو الفتح  إلى أوروبا للحصول على معدات تقوية البث ليصل إلى الأردن والجزيرة العربية وليبيا وتونس. 

والأستاذ محمود أبو الفتح(1885-1958) هو مؤسس صحيفة المصرى الوفدية وأول نقيب للصحفيين فى مصر، وكان مؤيداً للثورة فى بدايتها قبل أن يختلف معها بسبب تأييده لعودة الأحزاب فوراً ومعارضته لاستمرار مجلس قيادة الثورة فى الحكم، وقد تمت مصادرة الصحيفة ومطابعها، واضطر الأخوة أبو الفتوح للهروب خارج مصر، وأصدرت محكمة الثورة حكماً غيابياً على الأستاذ محمود أبو الفتح بالسجن عشر سنوات.

ويحكى الأستاذ خالد محيى الدين فى مذكراته التى نشرها بعنوان "والآن أتكلم" عن موقف جمعه بالأستاذ محمود أبو الفتح فى جنيف، حيث كان الأستاذ خالد مبعداً بشكل مؤقت إثر خلافه مع أعضاء مجلس قيادة الثورة، فيقول وبعد توقيع اتفاقية جمال- ناتنج بالأحرف الأولى، سألنى أبو الفتح: أنت موافق على الاتفاقية؟ فقلت لا، وبدأت مناقشة ضد الاتفاقية لم أتوقع أنها مجرد بداية لمحاولة نصب شرك لى كى أتعاون معه. انتهت المناقشة بشكل عادى وغاب محمود أبو الفتح ليعاود لمقابلتى بعد شهر.


ويستطرد الأستاذ خالد قائلاً، وفى هذه المقابلة تحدث أبو الفتح بحماس عن ضرورة فعل شيء لإنقاذ مصر من براثن حكم عبد الناصر، وتحدث عن دورى وحاول إثارتى وكيف أننى مبعد، وكيف أن على واجب إزاء الوطن، وأخيراً وصل إلى غايته.. ستكون هناك محطة إذاعة موجهة إلى مصر ومطلوب منى أن أتحدث فيها بشكل مستمر، وأن أكون شريكاً فى العملية كلها.
ويحكى الأستاذ خالد عن حجم الإغراء المادى الذى تبع هذا العرض، حيث أخبره الأستاذ محمود أنهم مستعدون لتعويضه عن معاشه وبدل السفر الذى يتقاضاه بدفع مبلغ يوازى عشر سنوات مقدماً، ويمضى الأستاذ خالد قائلاً ولم ينس محمود أبو الفتح أن يقدم شروطه بعد أن قدم الإغراء فقال وكأنه يتحدث بشكل عشوائى وبلا تخطيط مسبق: وطبعاً بلاش حكاية الاشتراكية واليسار والكلام ده.

وبعد فشل العدوان الثلاثى، تحرج موقف الإخوة أبو الفتوح، لاسيما وأن الحكومة المصرية قد اتخذت قراراً بسحب الجنسية منهم، وبدأت الأطراف التى كانت تعادى مصر الناصرية فى استخدامهم لتحقيق أهدافها؛ فنجد مجلس الوزراء العراقى فى عهد نورى السعيد يتخذ قراراً بمنح الجنسية العراقية لمحمود أبو الفتح نكاية فى عبد الناصر، وبدأت الحكومات التى وجدت خطراً فى توجهات مصر وقتها فى تمويل الإذاعة لبث أخبار كاذبة عن محاولات ضباط فى الجيش اغتيال عبد الناصر.
ولكن مضى مصر فى مشروعها الوطنى كان أبلغ رد على هذه المحاولات، وتشاء الأقدار بعد ثورة يوليو 1958 فى العراق، أن تتخذ الحكومة العراقية فى أول اجتماع لها قراراً بسحب الجنسية من محمود أبو الفتح.

ولم يمهل القدر طويلاً الأستاذ محمود أبو الفتح ، حيث وافته المنية فى أوروبا عام 1958، ولم تقبل السلطات المصرية أن يدفن فى أرض الوطن، فأمر الرئيس بورقيبة -الذى كان على خلاف مع عبد الناصر- بدفنه فى تونس، بل وسار فى جنازته ومعه أعضاء الحكومة التونسية. 
وفى هذه الأيام، ومصر تحتفل بنصر أكتوبر المجيد الذى انتصرت فيه إرادة الشعب المصرى حرى بنا أن نتذكر دروس الماضى وأن نستخلص منها العبر، فالاستعانة بالأجنبى -مهما أعلن عن صدق نواياه- لإسقاط نظام وطنى هو رهان على الجواد الخاسر دائماً مهما تم تكريسه لهذا الهدف من موارد مادية وإعلامية.
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

1 تعليق
  • صفحات مجهولة من تاريخ مصر
    بواسطة : عميد وائل مهنا | بتاريخ 16-10-2016
    اتمنى منكم تسليط الضوء على مزيد من هذه الصفحات المجهولة من تاريخ وطننا الذى بذلنا من اجله الدماء . مصر مستهدفة وهذا امر معروف المهم ان يشعر الشعب والناس بهذه الحقيقة والتاريخ يعيد نفسه