فن تشكيلي

محمود سعيد.. السحر وروح الأسطورة..

3- أقماعٌ جبس.. وقوالبٌ بشرية

-
 
-

قرب نهاية العشرينيات بدأ "محمود سعيد" محورا ضم أعمالا ذات موضوعات تعانقت فيها خبراته ورؤاه الفنيَّة مع تأملاته الفلسفية العميقة، حيث لعبت الدلالات الرمزية دورا متناميا فى غالبية أعمال ذلك المحور الفنى، محقِّقا درجة متقدمة من التكامل بين وحدة الشكل والمضمون.

الدراويش
ومن أعمال ذلك المحور لوحة "الدراويش" التى نفذها خلال عام 1929، وكان قد سبقها عدد من العجالات التحضيرية لنفس الموضوع قبل عام من ذلك التاريخ بعد أن حضر إحدى حفلات الطريقة المولوية فى تكيتهم بالقلعة، وأثاروا دهشته بطريقة رقصهم الغريب الذى ينطوى على دلالات وتفسيرات الَّفوها لتزيدهم ومريديهم حماسا واندماجا وهم يترنحون ويدورون حول أنفسهم بلا راحة أو هوادة، بطرابيشهم الطويلة وملابسهم الغريبة التى تميز طريقتهم عما سواها من الطرق الصوفية الأخرى.


الدراويش-(المولوية) - ألوان - زيتية -1929 

ولعل هذه الأردية العجيبة، وتلك الحركات العصبية.. كانت كفيلة بأن تشحذه بصريَّاً ووجدانيَّاً، لينفعل بها، ويتفاعل معها.. بطريقة الانطباعيين فى الفن، ولكن أغلب الظن أنه بعد أن أفرغ شحنته الانطباعيَّة فى عجالات مختصرة بلمسات لونية عفوية كثيفة.. ركن إلى نوع آخر من التأمُّل الذي انطوى على الدهشة والتساؤل: (ماذا يفعلون؟ ولماذا؟..) ولعل هذه الدهشة وتلك التساؤلات.. كان لها دور مهم فى اختيار أسلوب معالجة الأشكال، التى اختلفت بصورة واضحة عن أساليب معالجة الأشكال فى مراحله ومحاور إبداعاته الفنية الأخرى، فنراه قد تخلى عن النِّسب المثالية لمصلحة تأكيد الدلالات الرمزية التى غلِّف بها موضوع اللوحة برؤية فنية ناضجة، جعلت هذه المعانى تتسرَّب إلى وعى ووجدان "المتفرِّج" دون أن يضعها فى قالب أدبي أو إيضاحي مباشر، من بين قيم تشكيلية لعمل مكتمل الأركان الفنية، وُزِّعت فيه الأشكال بحسابات محكمة، حيث احتل أحد الدراويش- الراقصين- مركز التكوين، ومالت في اتجاهه أو أشارت ناحيته بقية الأجسام وحركات الأذرع، حتى أن ذلك المولوي الذي مال بجسده فى الاتجاه المعاكس بالقرب من الضلع الأيسر للوحة.. فإن حركة ذراعيه أعادته للمسار اللانهائي الذي تدور فيه ثلَّة المولوية حول الدرويش الأوسط (بطل المشهد ومحور التكوين)، بينما تقاطعت الكثير من الأذرع فى الثلث الخلفى، لتضيف إلى القيم الفنية ترابطا عضويَّاً بين عناصر التكوين، أما الأعمدة الرأسية المتكررة فى الخلفية، بالإضافة للنوافذ المربعة.. فتتوازى معنويا مع طقوس الدراويش التى تعتمد على التكرار المتواصل للعبارات الصوفية، وقد أضاف ترديد الأشكال الأولية المتنوعة التى شملها التكوين (مخروطية، دائرية، رأسية، ومربعة...) إيقاعا متنوعا، اتسق مع جوهر اللوحة التى تشبَّع جوَّها بحس موسيقى صاخب، يجعلنا نشعر وكأننا نسمع أصوات الدفوف التي غالبا ما تصاحب الأداء الحركي للطريقة المولويَّة.
 
وقد تواكبت هذه الدلالات واتسقت مع ما كان سائدا من تيارات ثقافية في ذلك المناخ الذي كان يموج بالصراع والمتغيرات، ويلح لإيقاظ المجتمع من غيبوبة الاستسلام للغيب والخرافة، ولعل ما تجلَّى له من السلبية التى تحكم سلوكيات هؤلاء الدراويش استفزَّت عقله المُنَظَّم كقاض (لا يقنع إلا بالمنطق والدافع والدليل.. وما يترتب عليها من حقائق) فصوَّرهم وكأنهم مجموعة من الدُّمْى الخشبيَّة التى تشبه "عرائس الماريونيت"، بنسب مُحرَّفة وظلال كثيفة طمست ملامح وجوههم، وأذرع مدلَّاة أو مثنية، وأكف مطروقة مختصرة... [وكأنهم معلَّقون بخيوط الوهم- أو الغيب- يحرِّكهم القدر كيفما يتَّفق.. دون وعى منهم أو إرادة..] وقد بدت ثيابهم المخروطيَّة الغريبة أشبه بأقماع من الجبس تحيط بهياكلهم الخشبيَّة، أما طرابيشهم الطويلة التى تمثِّل قمم أشكالهم المخروطية فقد أكملت المعنى الفلسفى الساخر، حيث بدت على رؤوسهم المختصرة أشبه بالحليات التى توضع فوق رأس "الأراجوز" الشعبى، وكذلك الظلال الداكنة التى انتشرت فى أغلب أرجاء اللوحة وما تخلَّلها من إضاءات مفاجئة.. فقد غلفت اللوحة بحس ميتافيزيقى أسهم فى تأكيده ذلك الهارمونى الذى اقتصر على مشتقَّات اللون البنى المُشَبَّع بالأسود فى كثير من الأنحاء، ليسهم فى لألأة ومضات الضوء، ونزداد يقينا بجموديَّة هذه الدُّمى التى وُزِّعت بفلسفة خاصة على خشبة أحد مسارح اللامعقول.
 
وقد تقابل الدور الرمزى لتحريف الأشكال الإنسانية مع الدور- أو الضرورة- الفنية، حيث يساعد التَّحْوير عين "المُشاهِد" على استيعاب الأشكال فى أوضاعها المتحركة، لكى لا تبدو بحركاتها العصبية مثل صور إيضاحية لحظية (كصور الصحف والمجلات) سرعان ما تنصرف عنها الأعين المتوترة بسبب أوضاعها غير المستقرة، ولكنها عندما تحوَّرت بحنكة فنية، وتكثَّفت الظلال والأضواء، واختُصِرت الكثير من التفاصيل الجزئية.. تحولت إلى نماذج او أشكال فنية تتوازى مع الواقع أو تشير إليه دون أن تحاكيه.
 

الذكر - الوان زيتية -1936

الذِّكْر (قوالب بشرية من المطاط الكثيف)
أما لوحة "الذِّكْر" (1936) فأحسبها خطوة أكثر تقدُّما على ذلك المحور الصوفى، حيث تحرّر من هندسيَّة التكوين وحساباته الصارمة، إلا أنها لم تخل- رغم هذا- من حسابات دقيقة فى توزيع الأشكال، حيث استطاع بحنكة ودراية أن يجعل من ذلك الشتات المبعثر وحدة مترابطة، ويعيد التوازن إلى التكوين، حيث صنع من الفراغ بين طابورى المُترنِّحين فى سرادق الذِّكْر مساحة شبه هرمية، مالت الأوضاع نحوها، وأشارت الأذرع المدلَّاة فى اتجاهها، مما أسهم فى تحقُّق الاتِّزان رغم اندفاع الحركات، فكل وضع أو حركة لجسم أو جذع أو ذراع.. تؤدى دورها فى التصميم الكلى بحساب دقيق، إلى جانب دلالاتها وإيحاءاتها. أما أسلوب معالجة أشكال المريدين فقد اتَّسق لأقصى درجة مع محتوى اللوحة برؤية فنية وفلسفية عميقة، فبرغم الليونة الزائدة للحركة وما حوَّط الأجساد من جِبَبٍ وقفاطين وأردية ملونة.. إلا أن الظلال الكثيفة والإضاءات الحادة أعادت لهذه الأجسام قدرا من القوة والتماسك، فبدت الثياب اللامعة وكأنها رقائق من البلاستيك المقوَّى، تحيط بهياكل اسطوانية مرنة، بدت وكأنها قُدَّت من قوالب المطَّاط الكثيف (المضغوط)، وقد خلت من غالبية التفاصيل الجزئية؛ حتى أصبحت دَفعة واحدة تكفى لأن تجعل هذه القوالب البشرية تظل تتأرجح وتترنَّح وتهتز... مسلوبة الإرادة، بأعين مُسْبلة ورؤوس محنيَّة وأذرع مدلَّاة.. وكأنهم سكارى يسري فى أبدانهم خِدْر التَّصوُّف الذي أفقدهم القدرة على التوازن والاستقرار.
 
 
أما الإضاءات المتماوجة فقد بدت وكأنها انعكاسات لأنوار مصابيح السرادق التى سقطت حادة من كل اتجاه على الكتل والأردية اللامعة، فانعكست بنفس الدرجة من الحدَّة فى كل اتجاه أيضا، متَّسقة مع اندفاع الحركات، ومتوازية مع الأبعاد الفلسفية لمحتوى اللوحة المسكونة بقوى غامضة لا يستوعبها إلا وجدان وأبدان المتصوِّفة.. وكأن هذه السياط والأشرطة الضوئية بشدَّتها ونفاذها.. تشبه صيحات الذِّكْر التى تنطلق حادة مدويَّة من عمق السرادق (مدد.. حى.. الله.. حى.. مدد......).


المقرئ فى السرادق - ألوان زيتية على توال -1960

العزاء
وقرب نهاية مشوار الإبداع والحياة أنجز الفنان لوحة "المقرئ فى السرادق" (1960) قبيل رحيله بعامين، وكأنها نبوءة الموعد مع السماء، بما تنطوى عليه من دلالات جنائزية، حيث تصوِّر المقرئين فى سرادق العزاء، وتعد امتدادا لذلك المحور الفنى الذى بدأه فى الثلاثينيات، وكان مكرَّساً للمشاهد الدينية، كما أنه عاد من خلالها لأسلوبه البنائى الرصين الذى تميزت به أعمال مراحله الوسطى، فبدت الأشكال وكأنها تماثيل قُدَّت من نوع أكثر صلابة من تلك الأحجار التى تشكلَّت منها غالبية أعمال المرحلة السابقة، واللافت أن هذا الملمس الحجري المصقول لم يقتصر على الأشكال الإنسانية فقط، وإنما امتد ليشمل الأريكة والخلفية (كل عناصر التكوين) فلا فرق بين ملامسها إلا من حيث الألوان والزخارف.
 
وتصور اللوحة ثلاثة من المشايخ أحدهما تربع على الأريكة يؤدى دوره فى التلاوة، وقد مال رأسه ووضع كفه الأيمن على أذنه كعادة المقرئين حين يندمجون فى التلاوة، وتدلت المسبحة من كفه اليسرى. أما شيخى اليمين واليسار فقد تكوَّما على نفسيهما ينتظران بتململ وكسل حتى ينتهى الشيخ الذى تصدَّر المشهد حتى يأخذ كل منهما دوره، وقد طمست الظلال غالبية معالم الشيخ الجالس فى أقصى اليمين ليبدو ككتلة نحتيَّة مبهمة المعالم والتفاصيل، أما شيخ اليسار فقد تحوَّرت نسب جسمه حتى أصبح أقرب لدمية كرتونية، مضيفا لموضوع اللوحة مسحة من التهكم- أو التَّندُّر- تفضح طريقة هذه النماذج البشرية التى لا ترقى- أو ترتقى- لجلال الحدث الذى حضروا من أجله (الموت) أو قدسية ما يقرأون.
 

المقرئ فى السرادق - ألوان زيتية على توال -1960

أما الأريكة التى جلس عليها شيخ المنتصف فقد أضافت الفراغات الداكنة بين برانقها المقوّسة ذات الإيقاع الراقص حِسَّاً ديناميكيًّاً تعادل مع سكونية ورسوخ كتل المشايخ، كما اتسقت مع بعض رسوم "الخيامِيَّة" التى وُزِّعت عليها الزخارف الإسلامية بحنكة فنية جعلتها تحتل مكانا وتلعب دورا رئيسيين فى التكوين ذو الحسابات الدقيقة والتوزيع المحكم للأشكال. وبينما غلبت على أبطال اللوحة برودة الألوان المحايدة.. فقد أضافت ألوان الزخارف الساخنة قدرا من الدفء والحيوية، بينما رددها بوعى فى العمائم والمسبحة والقماط (الحزام) الأحمر الذى طوق خصر الشيخ الرئيسى، بالإضافة لشريط من السجاد على أرض السرادق أسفل الأريكة، ربطه مع ظلال الأريكة بفردتى الحذاء اللذين تقابلا مع الإيقاعات الدائرية فى الجزء العلوى من اللوحة.
 
ولكن اللافت- أيضا- أن اللوحة الصغيرة التى عادة ما يعتبرها عجالة تحضيرية (اسكتش) تميزت- كالعادة- عن اللوحة الكبيرة بالحيوية وتنوُّع الملامس، حيث تذكرنا بأسلوب "سيزان" فى بناء الأشكال، وتكوينات "ماتيس" وألوانه المستمدة من روح الشرق الذى كان يعشقه ويستلهم تراثه فى العديد من  لوحاته الشهيرة، ونستطيع أن نصنف اللوحة الصغيرة- بقناعة واطمئنان- كعمل فنى مكتمل، ينتمى لاتجاهات ما بعد التأثيرية، حيث ينطوى على شحنة إبداعية أكثر تدفُّقاً، وأبعاد تعبيرية عميقة الأثر، (بحيث إذا طلبنا من "المُتفرِج"- وخاصة إذا كان شرقيا عاطفيا دافئ المشاعر- أن يخبرنا كيف يمكن أن يفاضل بين اللوحتين؟ فأغلب الظن أنه سيختار أن يذهب إلى المتحف مرات عديدة ليتأمل مليَّاً بإعجاب وتقدير اللوحة الكبيرة، أما اللوحة الصغيرة فسوف يقتنيها لنفسه).

اقرأ ايضاً

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع