فن تشكيلي

عبد الهادي الجزار ..

نبوءة الخلاص

على الرغم من رحيله المبكر، كان عبد الهادي الجزار عنصراً بارزاً في  حركة جماعة الفن المعاصر بقيادة أستاذهم حسين يوسف أمين التي كانت تمارس دورها في خلق مناخ تشكيلي مصري جديد، في ظل الرقابة المؤسسية السلطوية وفي ظل هيمنة الاستعمار الإنجليزي في تلك السنوات التي سبقت قيام ثورة 1952 "ولقد تولد مفهوم الثقافة الوطنية نقيضاً لهذا السياق العدائي الذي وصل بين التبعية والاتباع مع مركب واحد، فكان مفهوم الثقافة الوطنية مفهوماً للمواجهة، وسلاحاً من أسلحة الدفاع عن هوية الأمة، ووسيلة من وسائل تأكيد امتدادها التاريخي. وكان من الطبيعي أن يقترن المفهوم بالنضال ضد الاستعمار من ناحية ،وتأكيد مرحلة التحرر الوطني والاستقلال من ناحية ثانية، واستشراف أفق جديد من عدم الانحياز من ناحية أخيرة، وذلك في سياق مضاد انطوى على عمليات عقلية، كان الهدف الأول منها نفي الحضور المغترب للـ "أنا " في مواجهة " الآخر " الذي قهرها استعمارياً على مستويات متعددة . 

فتجربة الاستفادة بالتراث الشعبي المصري وصياغة تلك اللغة التناصية الغنية عند جماعة الفن المعاصر يقدم لنا نموذجاً  فذاً لعملية الإستلهام الفنى للثقافة الشعبية : "وهو ذلك النشاط الإنسانى النوعى الذى يسعى فيه الفنان من خارج دائرة الجماعة الشعبية إلى الاستعانة بثقافة هذه الجماعة أو أحد أجناسها أوأنواعها أوعناصرها لبناء نص فنى خاص قولى أوموسيقى أوحركى أوتشكيلى أودرامى"  وقد كان استلهام جماعة الفن المعاصر للتراث الشعبي تعبيراً مجسداً لموقفهم الفكري الباحث عن الأصالة والقيمة الجمالية بعيداً عن الزيف أو الادعاء أوالترصيع الشكلي الذي يحول الشكل الفني الموروث مسخاً شائهاً استهلاكياً إلى أبعد حد، أومتذلفاً لقيم سلعية أوسياحية عابرة.

"لم يعد منطق الفن المعاصر يتماشى مع منطق هذه الفنون الأكاديمية التى نزل بعضها إلى مجرد تسجيل المنظور، وبعضها الآخر يستخدمه طلاب الرفاهية كمتعة وأكثر من هذا فقد استعمل الفن كوسيلة لستر آلام الإنسان في بعض ظروفه وتغطيتها بالمظاهر الزائفة". (1)
 
وحين نتناول بالتحليل نموذجاً لإبداعات تلك الجماعة ونتخذ موقف التلقي النشط للعمل التشكيلي المتشرب من روح الثقافة المصرية المحمل بكثيف العلامات: نجد اللوحة وقد تبدت لنا  كتلة بصرية  لها أنظمة خاصة مفتوحة على التأويل.
في لوحته الماضي والحاضر والمستقبل، التي أنتجها في عام 1951، من الألوان الزيتية على سطح من مادة السيلوتكس، وأبعادها 95x 62 سم  يصور عبد الهادي الجزار رحمه الله  محيطاً كثيفاً من الدلالات والقراءات  ينطق به كل عنصر من عناصر اللوحة بسطوع ، هويضعنا على الحافة الجليلة الفارق ، أن نكون أولا نكون ، أن نختار ، ألا نقف في عالم الما بين ، ألا نظل قابعين في برزخ المراوحات البغيض ، أن نستمسك بالوجود ولحظة الوعي والوميض ، أن نثور وننهض ونحلق نحوالنور ، يسقط لعنته على تلك المخلوقات المنسحقة وأولئك البشر المساكين  ،  فهم معلقون بين السماء والأرض ، مساقون نحوالمجهول بخوف من وهم وغيام ، مشدوهون يحملون أولادهم وأشياءهم ، معلقة أبصارهم بجدران السجن المحيط ، سكنت الريح وخيم الظلام وانغلقت العقول، يربض فوق الصدور هواء ثقيل سممته عطانة الفساد، يحجب النور دخان كثيف، عمت الشكوى وساد الوجل وانهمرت الدموع، موكب يسعى نحو القبور .. كل من بالقلعة واقع تحت وطأة الخوف، من يخرج فهو محمول إلى التراب، امرأة تلتصق بالجدران وتخفي وجهها  قابعة في رعب، بلغت القلوب مبلغ الزيغ، نعق طائر الليل بنذر اليأس، شقق العطش قلوب الشجر فانذوى وذبل واستكان للوجوم، وغيض الماء ، وبات كلُ في سؤال ، استغاثات ونداءات وتشبث وهزيم.
 
 يربض ذلك الفتى المعصوب الرأس في وجوم ، يرسمه عبد الهادي الجزار وقد تملكت رأسه الظنون وطافت بها المخاوف وكبلها فزع قديم، اعتنقته ثلاث أحجبة وكبلته وخنقت  صوته الصداح ،تربطها سلسلة غليظة كرسها الجزار للناظرين ، يطل من داخل بناية كالقلاع القديمة ، هي سجن ، هي تيه من كتل صماء كئيبة ، صورها الجزار في بناء حلزوني وإيقاع رتيب مقبض ، يدق هادراً في  خطوات المساقين نحوالمجهول ، في أولئك الخارجين من الناحية الخلفية المظلمة ، في امتداد طابور المقهورين ، واكتمال ضربات الولوج في الظلمات المهيمنة على الكتلة الكبرى للقلعة والفتى المنتظر ، هوساكن غير قادر على الحركة ونصفه الأسفل لا يظهر لنا، على الرغم من ضخامة بنيته وصحتها ،يحملق مشدوهاً  إلى مفتاح الفرج .. الخروج ..  ولا يمد له قبضتيه العفيتين وأصابعه الغليظة المترددة ،تشده صفوف البشر المغيبين المنسحقين تحت وطأة الغيوم ،تلاحقه اللعنات والخرافات والقيود،  يضع له الجزار ذلك المفتاح في طبق قريب ، يهزه وينكأ جرحه ويوقظه ويدفعه دفعاً نحوامتلاك ناصية الخلاص ، يفتح به المغاليق ويفك أغلال الفتى المسجون ،يقدم له الجزار ما يفض  به أسر الماضي البغيض ،ما تنفرج به مزاليج الجهل والخوف والعماء ، ما تنجلي به غيامات العقل وتنكشف به أثقال رازحة تقبض الروح وتمرض الجسد .

يظهر فيما وراء الرابض أناس غير محددي الملامح مساقون نحو شيء ما كالمريدين يلتمسون البركة من الولي ويتعلقون بالشفاء ، يدخلون أفواجاً يبتلعهم الظلام، فيأتي غيرهم والإيقاعات المشئومة تترى وتصاعد في جنبات الغيب الرهيب ،امرأة وطفل ينتظران، أناس آخرون يحاولون  ويلهثون يتسلقون السور بمشقة ويتهافتون نحوالمصير المحتوم ، نحو الانضمام لذلك القطيع الملعون، يتدافعون من الهاوية مستجيرين بالبنية الصماء ،وجه الفتى  فى اللوحة ينضح  بالتأمل والنظر إلى البعيد المجهول ،  يقدم الجزار استشرافاً لمستقبل يلوح في الأفق، خلف تلك القلعة البائسة، يرسم فتاه وقد ولى ظهره للماضي ويمم نحو الحرية نحو الخلاص نحو النور، المفتاح قريب ، الخروج وشيك ، الإرادة تنبض في الكيان الناهض، الشروق يلوح في الآفاق، فقط يمد الفتى العملاق يده ويمتلك مفتاح الغد المنير، حين أشاح بوجهه عن البناء القديم وكل ما يحويه من بشر وكائنات وظلمات وآلام ، ثم سمى الفنان لوحته بالماضي والحاضر والمستقبل أي أننا نتلقى ثلاثية ما .. عنصران أحدهما حاضر ماثل أمامنا فى صورة الفتى المفتول العضلات ، المغيب الرأس،  والآخر يقع خلفه  يحمل علامة الماضي المفارق في جسم السجن والحصار الأليم.

 أما ثالث الأيقونات التي أوجدها الجزار لفظاً وأخفاها تشكيلاً وكثفها في رمز المفتاح وهو جوهر مضمر يهم البطل أن يمد إليه يد النهوض والتحقق والتوثب في تكثيف بليغ لمعنى المستقبل، وقد تحرر من الجهل والخوف والإرث المعتم. قبض الجزار على لحظة في الزمن، موقف قدري مصيري، ومضة من الوعي الحاد والوقوف على نصل الاختيار، إن الجزار يترك لنا الخيار في تلك اللحظة المكثفة، إما العودة والاستسلام أوالمضي قدماً نحو كسر القيود والوثوب  نحو الأفق المفتوح ترك لنا القرار مع ذلك الفتى المسحور، في ذي المفتاح العلامة.. تتفتح به سبيل النور.

(2 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع