فن تشكيلي

محمود سعيد.. السحر وروح الأسطورة..

مرحلة التكوين

-
 
-
-
 
-

شهدت مدينة الإسكندرية خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين نهضة فنية وثقافية اتَّسقت مع مكانها ومكانتها كمدينة عريقة تطل على أوروبا، وكان لنشاط الجالية الإيطالية ومدارسها وعشقها للفن.. دور مهم فى اجتذاب عدد كبير من الفنَّانين الأجانب للإقامة بها، فانتشرت مراسمهم التى درس بها العديد من روَّاد الفن المصرى الحديث، وعلى رأسهم المُصوِّر "محمود سعيد".
مهارة مبكرة:

وربَّما كان من الضرورى أن نلتفت إلى ذلك الاختلاف الجوهرى بين ما كان يقدِّمه هؤلاء الفنَّانون الأجانب لتلاميذهم من الشباب السكندرى فى مراسمهم الحرَّة، مقارنة بتلك المفاهيم النَّمطيَّة التى كان يقدمها معلِّمو الرسم والتَّصوير- والفنون التشكيليَّة عموماـ والأجانب أيضا - لتلاميذهم فى مدرسة الفنون الجميلة فى سنواتها الأولى، حيث كان أصحاب الورش الفنيّة الحرَّة أكثر تَفَتُّحَا وانفتاحا على مدارس ونزعات التصوير المتطورة فى الغرب - آنذاك - وخاصة تلك التى كانت تعنى بالمحتوى النفسى (فلسفيَّاً كان أو تعبيريَّا أو رمزيَّا...) بينما تحتفظ للشكل بقدر غير قليل من الواقعية، وحتى تلك النزعات التى ابتكرت أساليبا غير مسبوقة فى معالجة الأشكال.. التى انتشرت فى أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، التى أطلق عليها "اتجاهات ما بعد التأثيرية". وقد انتقلت مفاهيم وأساليب هذه الاتجاهات عبر هؤلاء الفنانين - المعلِّمين - الأجانب.

وانعكست على الأعمال المبكِّرة للفنان "محمود سعيد"، التى ظهرت بوادرها فى الصورة التى صوَّر فيها صديقه "أحمد راسم" (1915)، وكان لا يزال بعد طالبا بمدرسة العباسية الثانوية، حيث كان يتعلم الرسم والتصوير حتى ذلك العام على يَدَ مُدَرِّسَتِه "إيميليا كازوناتو دافوروتو" والسيدة "مس بلاك بورن"، ويعكس العمل امتلاكا مبكرا - فى ذلك السن الصغيرة - لناصية الرسم والتصوير، وبوادر جرأة فى التَّحرُّر من نمطيَّة الأكاديمية الوصفيَّة وتكلُّفها، وقدرة على بناء الشكل بلمسات ديناميكية سميكة، ودرجات ألوان غنائية أضفى التباين عليها سطوعا وتألُّقا.

 وفى الفترة بين عامى 1916/1918 عرف طريقه إلى مرسم الفنان الإيطالى "أورتو زاينيرى"، الذى أسهم بدرجة أكبر فى صقل موهبته، وأضاف إلى نزعته التأثيرية الأولى الكثير من مفاهيم البناء، التى جعلت الأشكال تبدو أكثر صلابة ورسوخاً، وأصبحت لمساته أكثر اندماجا.. كما يتَّضح فى الصورة التى رسمها لعمِّهِ "محرَّم" (1918)، التى تميزت بالتباين القوى بين الظلال الداكنة ولمسات الإضاءة المفاجئة التى أضافت الكثير من الحيويَّة إلى الوجه الضاحك، الذى يعكس درجة أكثر تقدُّما فى اتجاه الرسم والتصوير الواقعى، إلاَّ أن حِرَفِيَّة المحاكاة (أو المطابقة) تقاطعت مع تدفُّق الشحنة الإبداعية، فأثْرَتْ اللوحة بأبعاد "سيكولوجية"، أسهم فى تألُّقها ذلك التناقض بين الجو المسرحى الذى تقابلت فيه ومضات الإضاءة المتلألأة مع الظلال الكثيفة، التى تلاشت بين طبقاتها بعض القسمات، أما الخلفيّة الداكنة فقد أضافت إلى محتوى اللوحة مزيدا من الحس الدرامى، فلم نعد ندرى - كَمُشَاهِدِين - هل نضحك مع هذا الوجه المرح، أم نترقَّب حدثا غامضا أو مفاجئا.. نظن أنه يخفيه بين طبقات الظلام الدامس.

ولكنه فى تلك المرحلة- أيضا - أحيانا ما كان يُجَدِّفُ ناحية التَحَرُّر من قيود الحرفة بدرجة أكبر، كباحث شاب لا يزال يحاول استكشاف ما ينطوى عليه كل اتجاه أو نزعة أو أسلوب.. من قيم فنية، ويتلمَّس طريقه بين دروبها المتشعبة، ويجرّب مختلف طرق المعالجات الفنية، وإن ظل محتفظا- فى كل الأحوال - بذلك القدر المعقول من الواقعية، فكان يتخلَّى فى بعض هذه التجارب عمَّا وصل إليه من مهارة وخبرة فى البناء - على غير المألوف - مثل ما نرى فى لوحة "فتاة بالمظلة الحمراء" التى صوّر فيها شقيقته، محاولا استلهام أساليب مُصَوِّرِى الانطباعية، أمثال "كلود مونيه" و"بول سينياك" وغيرهم...، ولكن دون إلمام كاف بمفاهيم هذه النزعة، فبدت اللوحة متواضعة القيمة الفنية إذا قورنت بما كان قد وصل إليه فى أعمال تلك المرحلة، ذات لمسات مفكَّكة وأسطح هشَّة..، فبينما تخلَّى عن مكتسباته من مفاهيم وتقنيات البناء والتجسيم.. نجده لم يضف قيما فنيّة بديلة (كالخط - على سبيل المثال - الذى ربما كان كفيلا بأن يعيد  الصلابة إلى هذه الأسطح الهشَّة) ولكنها - فى نهاية الأمر - لا تعدو كونها واحدة من محاولات مرحلة الدراسة أو التكوين، ربما أراد أن يختزن منها بعض الخبرة قبل أن يتجاوز مرحلة البحث عن الذات.

- الشاطئ الغربى:

وفى عام 1918 أغلق الفنان "زاينيرى" مرسمه وعاد إلى وطنه (إيطاليا)، فبدأت مرحلة جديدة فى حياة "محمود سعيد" ومسيرته الفنية، فعندما حصل على ليسانس الحقوق (1919) وافق والده على سفره إلى "باريس"، حيث التحق بالمرسم الحر بأكاديمية "جراند شومير" وظل يتدرب به لمدة عام، وبرغم أنه كان قد تعلم واكتسب خلال الأعوام السابقة قدرا ليس قليلا من المفاهيم والخبرات والمهارات المتطورة فى الرسم والتصوير.. إلا أنه كغيره من شباب الفنانين الذين سافروا إلى عواصم الدول الأوروبية- فى ذلك الزمان- بعد أن أتمُّوا مرحلة الدراسة الأكاديمية فى أوطانهم، وبعضهم كان قد تجاوزها بحثا عن التميز والتفرُّد.. إلا أنهم بمجرد أن تطأ أقدامهم الشاطئ الغربى نجدهم يفرغون عقولهم ووجدانهم من كل ما تعلموه أو وصلوا إليه، ويعودوا ليبدأوا تجاربهم ودراساتهم من أول المنهج حتى أن فنانا موهوبا ومتطورا مثل "راغب عياد" كان قد تجاوز مرحلة الدراسة الأكاديمية وتقدم فى البحث عن جذور تراثيَّة يُخَصِّبُ بها تجاربه المتحررة ليضيف إليها عمقا وأصالة وتميُّزا، نجده عندما سافر إلى "روما" يلفظ كل هذه المكتسبات ويعكف على معاودة الدراسة الأكاديمية النمطيَّة، "وكأن مفردات الأكاديمية تختلف باختلاف القطر - كاللغة تماما- فيكون لزاما على الفنان الذى يسافر إلى إحدى عواصم الدول الأوروبية أن يبدأ بتعلم المبادئ الأوليَّة للرسم والتصوير.. تماما كما يتعلم أبجديات اللغة الأجنبية الجديدة ومفرداتها" وهكذا، فإن "محمود سعيد" الذى لم يكن ضمن أعضاء بعثة دراسية- رسمية- عندما سافر إلى فرنسا، وبالتالى لم يكن ملزم باتباع مناهج الدراسة الأكاديمية للحصول على شهادة، وإنما كان يتمتع بحرية اختيار ما يتناسب مع ميوله وتطلعاته من اتجاهات وأساليب فنية، إلا أنه - فى أول الأمر - فعل مثل ما فعل غيره من أعضاء البعثات الدراسية، وعاد إلى نقطة البداية ليتعلم أبجديات ومفردات الأكاديمية الأوروبية.

وقد احتفظت لنا الأوراق وكراسات الاسكتشات بعدد غير قليل من الرسوم والدراسات.. بأقلام الرصاص والفحم، تميزت أغلبها بدرجات تفاوتت بين الجيد والممتاز من حيث الإتقان فى محاكاة الشكل الإنسانى، بعضها للموديل العارى، وأخرى لرجال مسنِّين بِلِحَىً بيضاء.. تذكرنا بالبدايات القوية للمشاهير من رسامى ومصورى الاتجاهات الكلاسيكية فى أزهى عصور الفن الذهبية فى أوروبا.

وربما تركت هذه الرسوم وتلك الدراسات انطباعا لدى من يشاهدها أنه كان يعد نفسه لأن يصبح رساما ومصورا كلاسيكيا بارعا، ولكن الذى يتتبع مسيرته الفنية سرعان ما يكتشف أنه لم يكن يقصد من هذه الخبرات وتلك البراعة المبكرة فى الرسم والتصوير الأكاديمى سوى أن تكون أساسا قويا يبنى عليه مشروعه الفنى المتطور، الذى تفتَّحت معالمه بالتَّدريج، حتى تبلورت رؤيته الخاصة وأسلوبه المميز قرب نهاية العشرينيات من القرن الماضى.

وفى نهاية العام الذى أمضاه فى الدراسة الأكاديمية فى "باريس" قرر أن يكتفى بما اكتسبه وأضافه إلى رصيد الخبرات المتراكمة لديه من قبل، ويطلق العنان لطاقاته الإبداعية وانفعالاته، ويتجوَّل بين النزعات الفنية الحديثة – آنذاك - فتنعكس تأملاته لمصوِّرى التعبيرية فى الصورة الشخصية التى صوَّر فيها وجهه مرتديا قبعة زرقاء (1920) متأثرا ببعض أعمال "فان جوخ" من حيث المجموعة اللونية وعجائنها ذات اللمسات العفوية السميكة، والإهمال النسبى للبعد الثالث لمصلحة البعد التعبيرى الواضح فى نظرة العينين المبالغ فى اتساعهما، فى مقابل الفك الصغير، وقد ساعدته خبراته الفنية التى تراكمت مبكرا، وبراعته فى الرسم.. على الاحتفاظ بالسمات الرئيسية لصورة الوجه، التى لم تنفلت تحت وطأة الشحنة الانفعالية والإبداعية المتدفقة والتنفيذ السريع، حيث كانت بعض اللمسات والتأكيدات الخطية الداكنة كافية لإعادة التماسك والوضوح لأجزاء الوجه وتفاصيله، كما تقابلت مع اللمسات البيضاء السميكة فى المناطق المضاءة من الوجه، محقِّقا بها تعادلا لونيَّاً، وأضفت على اللوحة التعبيرية قدرا كبيرا من الحيوية.

أما لوحة "سيِّدة أسبانيَّة" التي أنجزها عام 1919.. فتعكس تأمُّلاته لبعض أعمال "هنري ماتيس" في مراحله اللأولي، من حيث تكثيف الظلال علي قمم تضاريس الموديل في أقرب المواضع إلي عين "المُشاهد" بينما تخْفُت الإضاءات ليغلِّف الشَّجن جو اللوحة ذات الهارموني الذي يذكِّرنا بالمجموعة اللونية التي اشتهر بها "بيير بونار" في مراحله المختلفة، أما بناء الأشكال بلمسات مندمجة، بالإضافة للإضاءة الدَّاخلية.. فتذكِّرنا بأسلوب "رينوار" في الكثير من لوحاته، ويذكرنا وضع الموديل في اللوحة بتصميم اللوحة الشهيرة التي صوَّر فيها "بول سيزان" زوجته في حديقة المعهد الموسيقي بباريس (1980)، وإذا تأملنا اللوحتين يمكن أن نكتشف بعض السمات المشتركة، فبالإضافة إلي وضع الموديل في اللوحتين نلاحظ تشابه ملامح الوجهين وتسريحتي الشعر ووضع الذراعين والكفَّين، وبينما جلست زوجة "سيزان" في حديقة المعهد الموسيقي.. نجد أن درجات ألوان الزروع قد اندمجت في خلفيَّة لوحة "محمود سعيد"، واكتفي بوضع أصيص للورد أسفل اليسار، لتبدو اللَّوحة - في نهاية الأمر - وكأنها انعكاس تأمُّلاته لإبداعات عدد غير قليل من رُوَّاد التَّصْوير الأوروبي خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لكنها ظلَّت - رغم هذا - غير مكتملة النضج الفني، فلم يصل أيُّ من روافد التأمُّل والبحث والاستلهام مع التجربة حتي تكتمل أركانها، وكأنَّها ظلَّت تنتظر نبعاً فنيِّاً  أصيلاً، لم يتفجَّر إبداعاً متميِّزاً إلا بعد مرور سنوات من هذا التاريخ (أقصد رؤيته الفنيَّة الخاصة، وأسلوبه المبتكر).

- الرِّحلة الثَّانية:

وفى عام 1921 بدأ رحلة ثانية استغرقت قرابة العام- أيضا- تجوَّل خلالها فى معظم متاحف العالم، ودرس فى بعض المراسم المشهورة- آنذاك- كمرسم "جوليان" ب"باريس". وإذا كانت رحلته السابقة قد انتهت بتجاوزه للأكاديمية الأوروبية، متنقّلا بين تأمُّلات واستلهامات إبداعات روَّاد التصوير الأوروبى الحديث خلال حقبة ما بعد التأثيرية.. فقد عاد من رحلته الثانية وقد اختلطت آثار "دومييه" المغلّفة بالتَّعبيريَّة مع خبراته السابقة، إضافة إلى ما تبقَّى من آثار المدرسة التأثيرية وما بعدها.

 وقد انعكست آثار تأملاته لأعمال "هنوريه دومييه" على معالجة صورة "أحمد مظلوم باشا" (1921) التى تميَّزت بهارمونى تغلَّبت خلاله مشتقَّات اللون البنى بتدرُّجات ثَرِيَّة على كل محتوى اللوحة، إضافة للتلخيص اللافت للتفاصيل التى تلاشت الكثير منها بين طبقات الظلال الداكنة، واختزال كتلة الرجل التى تباينت فيها الأضواء والظلال، بينما لعبت التأكيدات الداكنة وخطوط الرسم المنغَّمة- التى انطوت على شحنة إبداعية تقابلت مع البناء المختزل السريع لشكل الرجل - دورا شديد البراعة والنضج فى إعادة التماسك للكتلة، وإبراز المعالم والسمات الرئيسيَّة.

  أما لوحة "السيِّدة ذات العباءة الزرقاء" التى أنجزها- أيضا- عام 1921.. فتعد بمثابة خطوة أكثر تقدُّما على سبيل المزج بين تأمُّلات واستلهامات رؤى وأساليب مُصَوِّرِى الاتِّجاهات الفنية المختلفة (كلاسيكية، تأثيرية، تعبيرية...) من حيث الأناة والتعقُّل فى بناء الصورة ذات النسب الواقعية، بلمسات تدور فى اتجاه عضلات الوجه والرقبة والصدر، بأسلوب يذكرنا بتلك الطريقة التى ابتكرها "فان جوخ" فى معالجة الأشكال (ولكن بعد أن انتزع منها ضراوة الشُّحنة النفسية والأداء العاصف.. الذى تميزت بها غالبية أعمال "فان جوخ") بينما تألَّق الوجه النَّضِر بألوانه الدافئة المشرَّبة بلمسات جريئة من الأزرق والبنفسجى، وتوهَّج وتباين بقوة حتى بدا وكأنه برز من الخلفية التى اندمج فى قتامتها لون الشَّعْرِ، حتى أصبح أشبه بأوجه ممثلات المسرح فى لوحات "دومييه"، أما الرداء الأزرق المختصر البسيط.. فقد أسهم فى لألأة وسط اللوحة، حيث الطوق ذو الزخارف الهندسية الشعبية التى أضافت إلى روافد استلهام الفنان فى تلك المرحلة شيئا جديدا.

- بين الحياة والموت:

وبعد أن عاد من رحلته الثانية (1922) بدأت مرحلة جديدة فى حياة "محمود سعيد"، حيث التحق بالعمل فى سلك القضاء، كما أنه تزوّج فى نفس العام، وأضيفت إلى القيود التى فرضتها عليه تقاليد الطبقة التى نشأ فيها قيودا جديدة (الطبقة والوظيفة والالتزام الأسرى) لكنه ظل - رغم هذا- يتطلَّع إلى الشواطئ البعيدة، وينطلق فى إجازاته الصيفية إلى متاحف العالم ليستكمل تأملاته وبحوثه التى بدأها عام 1919.

 وربما كان لهذه الصراعات النفسية أثرها فى إصابته بمرض نفسى، انعكس على أعمال المرحلة التالية التى ارتبطت بموضوعات عن الموت والمقابر، بدأها بلوحة "الرَّسول" (1924) التى انجزها فور شفائه، واختار لها عنوان يتلائم مع الحس الدينى والتاريخى الذى غلَّف صورته التى بدت اشبه بجزء من تمثال حجرى عتيق، وتميزت باقتصاد لونى اتَّسق مع جلال الإحساس بالموت ومشهد الجنازة فى الخلفيَّة، حيث اقتصرت على درجات اللون البنى المشرَّب بالأسود فى العباءة التاريخية والصديرى ذو الطَّوق والأزرار، أما الوجه الشاحب الذى يشبه وجوه الفيوم، بشعر الرأس والشارب واللحية التى ملأها بلون أسود فقير، بدائى، وغير مُنَغَّم، وعيناه الواسعتان الذاهلتان اللتان كحَّلهما المرض بهالات داكنة، وأطلَّت منهما بقايا صدمة وعزوف عن زُخْرُف الحياة ومباهجها، والرقبة النحيلة التى ارتكزت على عظمتى ترقوة نافرتين من قفص الصدر الذى خلا من أمارات القوة، واكتست بشرته التى فارقتها الدماء بصفرة المرض الذى لم يكن قد برأ منه كليَّاً.

 وقد انعكست آثار تأمُّلاته لأعمال فنَّانى القرون الوسطى على هذه المعالجة التى تميَّزت بالتلخيص والنعومة الزائدة للملمس المصقول لصورته ذات الرِّداء الذى يذكرنا بأردية رجال الدين فى جداريّات الكنائس الأوروبية، إضافة لمشهد الجنازة الذى أضاف إلى جو اللوحة بعدا جنائزيَّاً يعيد إلى أذهاننا الأجواء الدينية فى فى لوحات مصوِّرى عصر النَّهضة المبكِّر فى إيطاليا، وتسهم الخلفيَّة المعماريَّة فى تأكيد استلهام تلك الروافد الفنية، التى لم تكن غالبيَّة أعمال مصوِّريها تخل من خلفيات معمارية ذات طابع هندسى بدائى (حيث لم تكن مفاهيم وقواعد المنظور قد وصلت للدرجة الكافية من التطوُّر والنضج).

 أما لوحة "قبور باكوس" (1927) فتـعد بمثابة خطوة أكثر تقدُّما وتأكيدا عـلى اسـتلهام ذلك الرافد الفنى والتاريخى من حيث الشكل والموضوع، فلم تعد أشكال القبور مجرد جزء تكميلى لخلفية المشهد، وإنما قفزت إلى المقدِّمة لتلعب الدُّور الرئيسى فى الموضوع والتكوين الفنى، وقد تشابهت هندسيَّتها وفصلها لونيَّاً مع الخلفيات المعمارية فى لوحات "جيوتو"، أما صور الشخوص فقد تحولت إلى كتل صمِّاء لأشكال إنسانية أشبه بتماثيل مختصرة بدرجة لا نستطيع أن نميِّز معها أشكال الرجال من النساء فى اللوحة، واعتمد فى معالجة الثياب الداكنة على درجات من الأسود المُشرَّب بالأبيض فأجزائها المضاءة بأسلوب فطرى تعمَّد أن يخلو من مفاهيم التلوين المعاصرة التى درسها وبرع فى تطبيقها فى أعمال مرحلته التأثيرية وما بعدها.

(35 موضوع)

تعليقات القراء

1 تعليق
  • Perfect
    بواسطة : hassan fedawy | بتاريخ 17-11-2015
    Great writings and just .... so happy with this quality of work Prof Fedawy