فن تشكيلي

الجزَّار..

دون كيشوت الحارة المصرية

 كان الفنَّان "عبد الهادى الجزَّار" (1925/ 1966) الذى ينتمى للرعيل الثانى من روَّاد التصوير المصرى الحديث يتميّز بأقصى درجات الانتماء للواقع الشعبى الذى نشأ فيه، وكان صاحب رؤية وموقف، متفاعلاً مع التيارات الفكرية والنزعات الثقافية التى كانت سائدة بالقرب من منتصف القرن العشرين، مساهماً مع مثقَّفى جيله فى بعث الرُّوح الوطنية التى مهَّدت لاندلاع ثورة 1952 بإبداعاته الفنية التى ارتكزت على محاولة إيقاظ الوعى فى نفوس البسطاء الذين كانوا يعيشون فى قاع المجتمع الشعبى تحت خطوط الفقر والجهل والتخلف والاستبداد والقهر...، إلا أن ولاؤه للرُّوح الشعبية لم يكن يمنعه من الثورة على سلبيَّة الجوعى والتعساء، والسخرية من استسلامهم لليأس والضَّياع والمصير المجهول، حتى أن هذه الشُحنة النفسيَّة (الساخطة) فجّرت طاقاته الفنيّة "الضارية" التى دغدغت الواقع- المتصدع أصلا- لكى تعيد بناء المرئيات برؤية متأججة بالغضب، وقد استمد مفرداته الفنية الغريبة- آنذاك- مما ترسب فى "قعر الدنيا" من الكائنات المنسية على هامش التاريخ والجغرافيا، ولا تزال متسلقة ببطء شديد- كاليرقات- على جدار الزمن المفاجئ الذى لا مكان فيه لأنصاف الأحياء.
•    ودن من طين وودن من عجين
  ولمَّا كانت البيئة هكذا، والبشر مثل هؤلاء، لذا.. فقد كان ضروريا أن يختلف المنطق باختلاف الرسالة، وكان ضروريا- أيضا- أن يبحث الفنَّان عن حلول مختلفة فى التَّشكيل، ولهذا فإنه لم يعد يكتفى بالوقوف طويلا عند حدود التعبير بالرمز أو الإسقاط، وإنما قرر أن يتجاوز النظريات السائدة (فى الجمال والفلسفة) واختصر حدود المضامين، واصلا- فى بعض الأحيان- لدرجة الترجمة الحَرْفِيَّة (أو التَّجسيد المباشر) للحِكَم والمآثر والأمثال الشعبية الساخرة، أو السَّاخطة، التى أصبحت- بعناصر التَّشكيل- أقوالا حيَّة، أو أمثالا مُصَوَّرة، عندما وصل إلى ذروة اليأس من أن يفيق هؤلاء التُّعساء من غيبوبة العجز والخُنوع الذى أوصلهم إلى حافة الموت، ولم تنفعهم تعاويذهم (المُثَبَّتة على حواف الأرائك التى تشبه التَّوابيت) فى دفع الأذى، أو جلب الخير، أو الحظ، والوحيد الذى تمرَّد على سكونيَّة انتظار الموت- أو الفرج من عند الله- تقرفص كالكسيح على طاولة صغيرة من الخشب بأربعة بكرات، يزحف بها فى حَيِّزٍ ضيِّقٍ (لا يتجاوز الأمتار القليلة) هو كل عالمه، مُسْتنداً على كفَّيه اللَّذين تفلطحا وتشقَّقا كالأرض البور التى انقطعت عنها موارد الحياة منذ زمنٍ بعيد، وقد فردهما على ركبتيه فى انتظار من يضع فيهما كسرة خبزٍ أو قطعة من نقود، وقد تكوَّم على نفسه، لا يسمع- بأذنه الحيَّة- صياح الدِّيك والدعوة إلى النهوض والعمل، مما جعل "الفنَّان" يقرِّر أن يلصق له "فردة" ثانية على صدغه، ليعلن أنه والذين تمدَّدوا من خلفه من نوع الكسالى والأغبياء الذين ينطبق عليهم المثل الشعبى الساخر: "ودن من طين وودن من عجين".



  أما "الدِّيك" الذى أصابه اليأس- أيضا- من جدوى الصِّياح.. فقد طوى جناحيه، ووقف حائراً، متفقِّداً.. يحاول أن يعرف ما إذا كانوا من جنس البشر- الأحياء- أم أنهم مجرد تماثيل من الطِّين- أو العجين.
  وأسهم الشكل المخروطى المنتهى بالهلال (الذى يشبه قمم المآذن) فى التَّأكيد على أن هؤلاء الكسالى من نوعية "المقاطيع" الذين يتكومون- كالنفايات- على أرصفة المساجد والأضرحة، فى انتظار ما سوف يتصدَّق عليهم به المارة أو المصلين أو الزوَّار.
  وهكذا، فإن "الفنَّان" لم يلجأ إلى التورية أو الإيحاء، وإنَّما قصد مباشرةً إلى المعنى الصريح، وكأنه- فى نهاية المحاولة- أغلق نافذة الأمل، وختم على قفلها بالطين، حتى يوفر على الآخرين عناء التجربة مع الذين لا جدوى من المحاولة معهم.
  وقد توافقت الرؤية الفنِّية، وأسلوب معالجة الأشكال مع المحتوى النفسى والفكرى للتكوين الذى اعتمد على المبالغة فى ضخامة أطراف "الشحَّاذين"، واختصار الكثير من التفاصيل الجزئية، والاهتمام بالبعد الثالث (التجسيم) الذى ساعد على تأكيد الإحساس بسكونية هذه الأجسام المتيبِّسة، التى لا تقوى على الحركة. وأسهمت غيوميَّة اللمسات اللونية المتداخلة فى إضافة المزيد من العمق إلى جو اللوحة المغلَّف بحس "ميتافيزيقى" مبهم، يجعلنا نشعر أن هذه الكتل- البشريَّة- توشك أن تتشقَّق وتنهار.
•    دونكيشوت الحارة المصريَّة
  أمَّا لوحة "أبو أحمد الجبَّار".. التى يحتل مقدِّمتها صبى وفتاة يلعبان- فيما يبدو- ب"البيضة والحجر".. نستطيع أن نعتبرها- أيضا- من نوعيَّة "الأمثال المصوَّرة" التى تنطوى على نقد تهكُّمى لظاهرة تعدُّد الزوجات (التى لا تزال منتشرة فى أكثر الأحياء الشعبية فقراً) وما يترتب عليها من مشكلات نفسيَّة واجتماعية، انعكست على هيئات الزوجات- التعسات- والأجساد النحيلة العارية للأبناء، لكنَّهم- رغم هذا- يعيشون وَهْم السعادة، منخرطين فى عزف الموسيقى، وسرد الحكايات، واللَّعب- بالبيضة والحجر- حول الرَّجل الشعبى (ابن البلد) العملاق، فارع الطول، الذى يشبه أبطال الحواديت الأسطوريين، لكنه فى نفس الوقت نحيل، هش، يرقد فى خمول.. بين أبنائه العراة وزوجاته الثلاث، اللائى جلست "أقدمهن"- فيما يبدو- وحيدة معزولة (فى العمق)، بينما تربعت "الثانية" وقد وضعت يدها على خدِّها تتأمل واقعها التعس، غير قادرة على الشكوى أو التمرُّد، أما العجفاء الممصوصة التى كادت أن ينقطع نفسها وهى تنفخ فى المزمار البلدى لتسلِّى زوجها.. فقد أطلَّت من عينيها- المبالغ فى اتِّساعهما- علامات الحسرة والذهول. أما العملاق النَّحيل (بطل الحواديت.. الذى يتوازى فى عنتريَّته الوهميَّة مع بطولات "دونكيشوت" الزائفة، والذى اختار مثله أن يعيش فى الوهم هربا من الواقع) فلم يستطع أن يلبِّى احتياجات "الحريم" من القوت الضرورى، أو حتى يستر عورات أبنائه العراة الجائعين الذين أصبحوا جلودا على عظام، ولا يعرفون من أساليب العمل أو أسباب الرزق غير "الفهلوة" والشطارة فى اللعب بالبيضة والحجر لا اكثر.
  وقد توافقت الرؤية الفنيَة مع الأبعاد التعبيريَّة (الساخرة) معتمداَ علي المبالغة في نحافة شكلي الصَّبي والفتاة، واختصار الكثير من المعالم والتفاصيل التشريحيَّة لجسميهما العاريين، اللَّذين أصبحا أشبه بالعرائس الورقيَّة المفصولة- عمداً (بالتباين اللوني الشديد) عن الأرضيَّة، لزيادة الإحساس بخفَّة وزنيهما من شدَّة الهزال. أما اختزال كتلة الرجل، والمبالغة فى طول ونحافة جسمه.. فقد أسهمت فى زيادة الإحساس بهشاشته، ويشير رأسه الصغير إلى غبائه المستحكم، بينما تشير المبالغة فى ضخامة كفَّيه- مقارنة برأسه الصَّغير- إلى سطوته وقسوته على أفراد أسرته المستسلمون لسيطرته واستبداده (وفق ما تقتضى التقاليد البالية)، أما الجلباب الأسود القصير الذى يرتديه رب العائلة (أو عزرائيل البيت- الذى أطبق على أرواحهم ومصائرهم) فقد انطوى حس تشاؤمى ينذر بكارثة أوشكت أن تعصف بهم، وتحوِّل أجساد الأبناء العارية إلى أشلاء، وتماثيل الزوجات الراسخة إلى شظايا متطايرة.
  أما الصورة الملقاة أسفل يسار المقدمة.. بما تحتوى من رسم لسيف رخو (يتوازى- أيضا- مع سيف "دونكيشوت" الخشبى) فقد أضاف إلى الأبعاد التعبيريَّة- الساخرة- مزيدا من المفارقة، حيث يشير إلى أن هذا العملاق النحيل- فى الواقع- ما هو إلا بطلا كرتونيَّاً من أبطال القصص الهزليَّة، نستطيع أن نسمِّيه: "دونكيشوت الحارة المصرية".



•    النصب التذكارى للوهم
  وعندما يفقد الإنسان القدرة على التعايش مع الواقع.. فإنه يستسلم- لا إراديَّاً- للتداعيات المتصادمة فى اللا وعى، وعندما يستغرق كليَّاً فى الحلم.. فإنه ينزلق بلا وعى- أيضا- إلى هوَّة الوهم العميقة، باحثا فى أغوار الضياع المظلمة عن المجهول، الذى سوف يقوده حتما إلى الجنون.
  ولا يزالان (الرجل والمرأة) فى استسلامهما المطلق لكل هذه الغيبيَّات فى لوحة "العائلة" حتى وصلا إلى نهاية الطريق الذى لا رجعة منه، فوضع الرجل على رأسه خِرْقَةٌ بالية ظنَّها قبعة العظماء، التى حجبت عن عينيه رؤية الواقع، فعلَّق على صدره النياشين والأوسمة، واستعرض بحركة ذراعه (التى تذكرنا بأوضاع الملوك والقادة- التاريخيين- الذين نراهم على جدران المتاحف.. بهيئاتهم الواثقة والمغرورة، وقد وضعوا أكفهم فى فتحات بصور السترات الرسمية) ثم تراجع (الرجل)- دون أن يدرى- عن هذه العظمة الوهميَّة، فوضع "كردان" النساء حول عنقه، وعلَّق القرط المستدير كالحلقة فى إحدى أذنيه دون الأخرى، ليصبح- فى نهاية الأمر- كالمخنَّث، نصفه قائدٌ عظيمٌ مكتمل الرجولة، والنصف الآخر لأنثى مستسلمة فى خنوع.
  أما "المرأة" التى شاركته الحلم والوهم والجنون.. فقد أرادت- فيما يبدو- أن تعوِّض الجانب الضعيف من الرفيق (المخنَّث) فاتخذت بنصفها الأعلى وضعا مليئا بالزهو والغرور، بوجهها الممتلئ ذو النظرة الحادة، وصدرها العريض، وكتفها الضخم الذى يدل على قوة عضليّة هائلة، أما نصفها الأسفل فقد انطوى على ما يوحى بالأنوثة المرفَّهة، حيث زيَّنت معصمها بسوارٍ عريضٍ يشبه أساور الأميرات الفرعونيات، وأمسكت بريشة طاووس بديعة الألوان.
  ولا يزالان (الرجل والمرأة)- أيضا- ينطلقان إلى الوهم من وضع السكون.. حتى تفلطحا وتمدَّدا (كالخلايا الأميبية) حتى أصبحا كيانا واحدا ملتحما غريبا، مسَّتْه لعنة السلبيَّة وانتظار المجهول، فتحوَّل على الفور إلى تمثال هائل من الحجر الأصم، رسم عليه حيوان ذبيح يصرخ من شدَّة الألم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مشيرا بوضوح إلى النهاية الحتميَّة لمثل هؤلاء التُّعساء الذين اختاروا أن يقفوا على الخيط الدقيق الفاصل بين الحياة والموت. أما طفلهم المسكين الذى انتظر طويلا أمام "النصب التذكارى للوهم" فقد برك على ركبتيه منهكا، وظل يدق بكفَّيه حتى تورَّما وتكسَّرا، ولكن دون جدوى.. فلا حياة لمن ينادى.
  وهكذا، فقد تكامل الشَّكل مع المضمون لأقصى درجة، ولعبت المعالجة التحويريّة للأشكال الإنسانيَّة- المندمجة- دور البطولة، ورغم أن الكتلة الرئيسيَّة اتخذت مظهراً لا معقولاً.. إلا أنها وضعت فى إطار عام شبه واقعى، بحيث لا يصبح من المنطقى تصنيف اللوحة كعمل "سيريالى"، وإنما الأقرب إلى المنطق اعتبارها تكوينا لعناصر وأشكال مستمدة من الواقع، أضاف إليها "الفنان" رؤيته الفنية الخاصة، ووجهة نظره الفلسفية العميقة، التى غلفت اللوحة بحس "ميتافيزيقى" غامض، إلا أن العناصر الواقعية التى وُزِّعت فى أرجاء الغرفة- بحنكة فنية عالية- أكملت المعنى، وكشفت الدلالات، وبدَّدت قدرا من هذا الغموض:
-   فالتعويذة (التى اتخذت شكل الحِجَاب)- الملقاة بالقرب من الزاوية اليمنى للمقدِّمة- تؤكد استسلامهم للغيب والخرافة.
-   أما الشَّماعة السوداء التى نصبت فى الناحية الأخرى من المقدمة.. فإنها تمثِّل شماعة الحظ التعس، التى يُعَلِّقُ عليها الكسالى خيبتهم وفشلهم.
-   بينما انتشرت فى الخلفية أنواع أخرى من التعاويذ التى احتوت على نقوش لأشكال مستمدة من ميثولوجيا التراث الشعبى.
  لتصبح اللوحة فى مجملها مزجا فريدا بين الواقع والخيال.
•    طاسة الخصَّة



  أما لوحة "طاسة الخضَّة".. فقد اختلطت فيها المتناقضات، فتقابل الواقع مع الغيب، والحركة العنيفة مع العجز والسكون، والدين مع السحر والخرافة.. على ذمَّة الدَّجَّال الأعرج، الذى وقف متسمِّرا (بساقه الخشبية- التى تشبه أرجل الأرائك الخشبية العتيقة) يبيع الوهم للتعساء، وقد رفع ذراعه اليمنى وفرد كفَّه الضخم الذى يتوسَّطه خاتم "سليمان الحكيم"، وأدخل رأسه فى علبة الأسرار (التى تشبه الحجر الأسود الذى هبط على سيِّدنا "إبراهيم" وولده من السماء)، بما نُقِش عليه من بعض "آية الكرسى"، بينما يخترقه من الجانبين مفتاح يشبه قذيفة الطربيد (برأسه الكروية وذيله المقوَّس)، أما صندوق الدنيا- الفانية- فقد تراجع إلى عمق الماضى (أو خلفية المشهد) بما يعلوه من دمية لحوريَّة من القماش (تميمة الحظ).. لتكتمل أركان الطقس، ويبدأ الكاهن الأعظم فى كشف الغيب، وقراءة المستقبل، وعلاج المرضى بالوهم، حاملا على ذراعه اليسرى صبيَّاً مسَّهُ الصرع.



  وقد اتَّسق أسلوب معالجة شكلى الرجل والصبى مع العناصر المتنافرة للموضوع الغريب، حيث أسهمت المبالغة فى ضخامة كفَّى "الدَّجَّال" فى الإيحاء بصلابة نصفه الأعلى، وقوَّته.. فى مقابل عجزه عن الحركة بنصفه الأسفل (المبتور الساق). أما الصبى المريض الذى تفتَّحت عيناه فى واقع أصابه بالصرع.. فقد التقت حول ساقيه زوج من الحيَّات الداكنة كالخلاخيل (أو القيود) واتَّسقت المعالجة الهندسيَّة الجافة لجسمه المتشنِّج مع حالته النفسية والعصبية.
  وهكذا، فإننا نجد أنفسنا- فى نهاية الأمر- أمام مشهد "ميتافيزيقى" غريب، يقودنا إلى تأمل الإنسان المصرى بوجه عام، ذلك الذى تكالبت عليه الرَّزايا من كل الأنواع: حروب واستعمار واستبداد وإقطاع وفساد وإرهاب وخوف... محاصرا بالجهل والتخلُّف الذى ألقى به عاجزاً مُستسلماً للوهم والخرافة، مما جعل الأمل في المستقبل يبدو مُكبَّلاً بالقيود، متشنِّجاً على أكف الواقع الخشنة التى تشبه المطارق الحجريَّة.
  وقد اختار الفنَّان عنوانا للوحة شديد الالتصاق بالواقع الشعبى، بالغ الدلالة على الخوف (أو الخضَّة) يتوافق مع التكوين المستمد من قاع الدنيا والآخرة معا.
 
 

 

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع