فن تشكيلي

أدهم وانلى (4)..

جواد يجلس القرفصاء

عندما زار سيرك ميدرانو مدينة الإسكندرية شهد أدهم أساليب تدريب الحيوانات التى تعتمد فى جملتها على قاعدة التهديد والترغيب والعقاب والثواب، وخلال التدريبات الصباحية اكتشف أن السياط التى تفرقع فى الهواء ليلا.. تهوى على أجسام الحيوانات نهارا، فترتفع أصوات الألم الخرساء، ولا تكف السياط عن الجلد ألا عندما يطيع الحيوان أوامر مدربيه، وعـندئذ تظهر قطع السكر ولمسات الحنان.
 


 فطوّحت المدربة البارعة الرشيقة يدها اليمنى بالسوط، ورفعت الذراع الأيسر- أيضا- مشيرة للمهر الأبيض الجميل فيأتمر بإشارتها ويجلس القرفصاء- فى لوحة"سيرك ميدرانو"(1955)- ليصنعا معاْ تكوينا هرميا بديعا, استند على مفهوم التضاد القوى بين حجم الجواد الضخم.. فى مقابل ضآلة جسم مدربته النشطة النحيلة, وبينما ارتدت زيا رياضيا مقسم عرضيا بالأحمر والأبيض.. ارتدى الجواد لجاما وحزام وسط من الجلد، ليتوحد معها فى نمط الزى. وقد احتوت أرض السيرك الدائرية التكوين الهرمى, وأضافت مزيدا من الترابط بين الشكلين الرئيـسيـين- المتباعـدين، أما طبقة اللون المنغمة الثرية.. فقد أسهمت فى تألق الأشكال, وقوس السور الدائرى نقل بعضا من ألوان أشكال المقدمة الى الخلفية ليزداد الترابط اللونى, أما سطح الخلفية البعيد- فى العمق- فقد أغلق اللوحة، لتظل الأشكال الرئيسية محورا للعمل.
 أسلوب المعالجة تعبيرى دافئ، لم يعتمد على اللمسة الواضحة، لأنه لم يكن بحاجة إلى إضافة المزيد من الإحساس بالدينامية, مكـتفـيا بأوضاع المدرِّبة والجواد المتحركة.
 
الثور والميتادور
وكانت علاقته النفسية بمصارعة الثيران تتأجج عندما يتأمل ذلك الصراع الوحشى، الذى ربما دفع الميتادور حياته ثمنا له، بينما لا يجنى سوى تصفيق الجمهور، الذى تلاشى من أمام عين الفنان متحولا إلى مكعبات وأشكال هندسية (برؤية شمولية)..عندما انصهرت وجدانه فى متابعة الحدث المثير، ولعل حركة الثور المقتحمة كانت أهم ما أثار انتباهه (فى لوحة "مصارعة الثيران" التى أبدعها فى عام 1957) ضمن سلسلة كبيرة تصور هذا الموضوع، أنجزها خلال عقد الخمسينات.  

لون الثور الداكن الذى احتل بؤرة التكوين وسط إضاءات السيرك الصفراء القوية، التى تجعل عين المتفرج تذهب مباشرة إليه. تـلخـيص شبه هندسى لـكـتلـته المختزلة نسبيا، لكنها بدت- رغم هذا- قوية للغاية، بينما لم يخل بناء كتلته من تشريح اتسق مع الأشكال الهندسية فى العمق، أضافت إليه مزيدا من القوة، حتى بدا وكأن كـتلـته تشـكلـت من حجر الجرانيت الأسود. ظهور المتفرجين فى المقدمة اتسقت- أيضا- مع التقسيم الهندسى للخلفية, وبينما سيطرت الألوان الباردة على طابور المتفرجين والثور.. فإن لحنا صاخبا من الألوان الساخنة تفجر فى الخلفية، لتزيد المشهد سخونة وإثارة.

 

   مزج فريد بين التجريدية والتكعيبية- النسبية- ( فى كتلة الثور)، والتلخيص المسطح لظهور ورءوس المتفرجين, فالنصف العلوى من اللوحة يعيد إلى أذهاننا تجريدية "موندريان" الهندسية، أما كتلة الثور فتذكرنا ببداية المذهب التكعيبى (قبل أن يستغرق فى تفتيت الاشكال)، أما أشكال المتفرجين- فى المقدمة- فتشبه أعمال الكثير من المصورين الأروبيين فى العصر الحديث. وقد تخلى فى هذه اللوحة- أيضا- عن التلقائية والفطرة التى اشتهر بها، حيث خلت الأشكال من اللمسة وحركة الفرشاة، وأهمل عامدا- دور الخط الذى طالما صال وجال فى أعماله التعبيرية السابقة.

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع