فن تشكيلي

محمود سعيد.. السحر وروح الأسطورة..

2-الهويَّة.. والبحث عن الجذور

ظلَّت رؤية "محمود سعيد" الفنيَّة تتبلور، وأسلوبه المميَّز يتشكَّل ويزداد استقرارا خلال النصف الثانى من عقد العشرينات، أما مخزون تأمُّلاته لفنون القرون الوسطى والنهضة والباروك.. بالإضافة لأعمال مصوِّرى التعبيرية والرمزية.. فقد انصهرت جميعها لتمتزج برؤيته الخاصة واهتمامه بالبيئة والتراث، متوافقا مع النزعة الثقافية التى نشأت فى أعقاب ثورة 1919، فراح يبحث عن جذور الثقافة المصرية، وأصبح كثير التردُّد على معابد الأقصر وأبو سمبل، ليختزن منها قِيَمَاً فنيَّة يغلف بها أعماله الرمزية ذات الموضوعات التى ارتبطت بالبيئة الشعبيَّة والريفيَّة خلال هذه المرحلة، لكنه لم يكن شغوفا بالتعاطى مع الرسوم والجداريات بقدر ما تأثر برسوخ التماثيل الفرعونية وشموخها وبساطتها، فانعكست آثارها على أعماله بوعى وعمق، دون الاستغراق فى محاكاة أنماطها، حيث بدت انعكاساتها على أعماله غير مباشرة (مقارنة بغيره من بعض روَّاد التصوير المصرى الحديث الذين انتقلت أنماط وأوضاع الأشكال.. فى الفنون المصرية القديمة بصورة أكثر وضوحا، ومباشرة.. فى أعمالهم).
 


الجزيرة السعيدة
وتُعد مجموعة الأعمال التى أنجزها خلال عام 1927 بمثابة الباكورة الحقيقية لِتَكَشُّفِ رؤيته الفنية وأسلوبه الرمزى البنائى المميَّز، الذى ارتبطت موضوعاته بالبيئة الشعبية والريفية.. مثل ما نرى فى لوحة "الجزيرة السعيدة".. حيث النخلة الرمزية القصيرة ذات السَّعف الطويل المُهَوَّش كرأس امرأة رعويَّة، وارف الظلال، وقد تدلَّت عناقيد ثمارها كالأثداء موفورة الخير والعطاء حيث يسير بهما ذلك الحيوان الأليف (الحمار- صديق الفلاح ومُلازِمه فى البيت والحقل والشارع..) على حافة الجزيرة المستديرة فى رحلة أبديَّة هادئة. أما البناء الذى يشبه الأضرحة فى الخلفية.. فقد أضفى على اللوحة مسحة صوفيَّة توافقت مع الدلالات التى تشير إلى ارتباط المصرى بالأرض الطيبة التى يحتويها النهر الخالد ويمدها بالخير والنماء (الذى تدلَّت عناقيده من أثداء النخلة الحبلى بالثمر).
 
بينما تذكرنا صورة الأم وطفلها على ظهر الحمار بقصة مريم البتول والسيد المسيح طفلا فى رحلة اللجوء إلى مصر، دلالة على طيبة هذه الأرض المباركة وأمنها، وقد رسمها بنسب اقتربت من الواقعية، إلا أنه عمد إلى اختصار الكثير من تفاصيلها الجزئية حتى صارت أقرب لكتلة نحتيّة مختصرة، تتسق مع التكوين الرمزى للمشهد الذى بدا أشبه بماكيت لجزيرة انحسرت مساحتها المستديرة، فلم تتَّسع إلا لضريح (كانت- ولا تزال- القرويات تذهبن إليه لترفعن الضراعات والنذور من مكان يعتقدن أنه طاهر بما يحوى من رفات الصالحين) ونخلة وارفة الظل غزيرة الثمر، وحمار كرتونى أبيض شديد الألفة، صغير الحجم إذا ما قورن بأبعاد الأم المقدسة وما تضم إلى صدرها من عطية للرب، وترعة رقراقة صافية عذبة.. تحتوى الجزيرة السعيدة، وتمنح سكانها حياة، وخِصْبا، وخيرا وفيرا...
 


دون كيشوت.. والناطور القروى
أما لوحة "راكب الحمار" التى أنجزها فى نفس العام (1927) فتعد امتدادا لنفس المحور، بموضوعاته المستمدة من البيئة الريفية وما يميِّزها، بأسلوب المعالجة الرمزى للأشكال، الذى يذركرنا ببعض أعمال "جوجان" التى تنتمى للمرحلة التى استمد موضوعاتها وأشكالها من جزيرة تاهيتى وسكانها،  بل إننى أميل لاعتبارها مشهدا ثانيا- أو تاليا- لعرض لا يزال مستمرا عن البسطاء من أبناء الأرض الطيبة، فبينما احتلت اليابسة (الجزيرة المستديرة) مركز اللوحة السابقة، ولعبت المرأة فيها دور البطولة.. فإن البحيرة المستديرة- أيضا- تبادلت الدور فاحتلت قلب المشهد، بينما احتواها الشاطئ، تماما مثلما احتضن النهر الخالد رقعة الجزيرة السعيدة، ويسير عليها فى مسار دائرى لا نهائى- ايضا- نفس الحمار الكرتونى الأبيض الصغير، الذى بدا وكأنه دمية من الجبس، بوجهه الجانبى ذو العين التى بدت أقرب لنقش فرعونى غائر، بينما جلس الرجل الذى استدعاه ليلعب دور البطولة- فى مقابل دور المرأة وطفلها فى المشهد الأول، وقد بدا عملاقا إذا ما قورن بكتلة الحمار وأشكال الخلفية، فإذا ما تخيلناه واقفا فإن طول قامته يمكن أن يتجاوز ثلاثة أضعاف ارتفاع الحيوان الأليف، وقد اختصر الكثير من تفاصيله (التى انطمست بين طبقات الظلال والألوان الداكنة) ليبدو وكأن أشعة الشمس الحارقة  أنضجته- كما تستوى أباريق الطين فى افران الفخار- أما رأسه الصغير التى اختفت غالبية قسماتها، ورقبته النحيلة التى بدت كقطعة من خشب الأشجار العتيقة، وكتفاه المنحوتان بإزميل نجَّار قديم، وكتلة الجسد التى خلت تماما من الإيقاعات التشريحيَّة وثنيات الثياب، والذراعان الاسطوانيَّان والقدمان الحافيان المفلطحان...، ولا يزال يتفنَّن فى الاختزال والتلخيص والتحوير المحسوب.. حتى أصبحت كتلة الرجل قريبة الشبه بالناطور (خيال الحقل) ومن يدرى.. فربما خرج "دونكيشوت" من صفحات التاريخ الإنسانى ليجلس بجوار هذا الناطور الذى تنكَّر فى زى فارس قروى عملاق فقير على ظهر إتانه الضعيف (حماره الكرتونى)، ويسأله عن بطولاته الوهميَّة التى لا مكان لها إلا فى رءوس الطَّير المُتَرَقِّب، أو كتب الأساطير الساخرة.
 
وقد تشكَّل من علاقة الرجل والحمار تكوينا هرميَّاً ارتبط عضويَّاً بالشاطئ والبحيرة اللذين أسهم قوس التقائهما فى ربط الكتلة الهرمية بالأضلاع الثلاثة للوحة بحنكة وخبرة، أما رأسه التى اخترقت القوس العلوى لالتقاء البحيرة بالشاطئ البعيد فقد ربط كل هذا الجزء من اللوحة ببقية أجزائها، أما أشرعة القوارب البيضاء فقد لعبت دورا إيقاعيَّا فى تقابلها مع شكلى اذنى الحمار وترديدها لهما، بينما تقابلت أجزاء جسد الحمار مع السحب البيضاء المجسَّمة التى أسهم ثقلها فى بقائها داخل اللوحة، فلم تأخذ عين "المُتَفَرِّج" وتخرج عن مدارها، أما تنوُّع أحجامها فقد جعل الإيقاع مقبولا- حيث لا تكرار ولا رتابة، وإن خصم من رصيد القيم الفنية ان لونها الأبيض كان يجب أن ينطفئ بدرجة معقولة، حتى لا تتجاوز دورها كترديد إيقاعى.. من غير المعقول أن يعلو على اللحن الأصلى، أما بنايات الخلفية فقد أكدت البعد المنظورى فى العمق، وأضافت المئذنة لبطل اللوحة وبيئته هوية دينية، كما أن اللون الدافئ للبنايات تقابل مع لون الشاطئ فى المقدمة ليزداد تكوين اللوحة رسوخا وترابطا، بينما لعبت الأقواس والأشكال المائلة نحو الداخل دورا شديد الأهمية فى مساعدة عين "المُتَفَرِّج" على الاستقرار حول بطل المشهد فى مركز اللوحة.
 


ذات الرداء الأزرق 
أما السمراء الممشوقة "ذات الرداء الأزرق" (1927).. فتعكس مدى تفاعله مع رسوخ التماثيل الفرعونية دون محاكاة أو تقليد لأنماطها وأوضاعها، بينما تجلَّت رؤيته الخاصة فى ذلك التوزيع الصارم لعناصر التَّكوين، الذى احتلت فيه المرأة بوضعها المواجه منتصف اللوحة، التى تشابهت عناصر الخلفية فى شطريها (الأيمن والأيسر)، لكنه تغلب بوعى وخبرة على سلبيَّة التماثل فى مثل هذا النوع من التصاميم الفنية، فالإضاءة الجانبية مع اللفتة الخفيفة لوضع الرأس بالإضافة لحركة الكفين.. أسهمت فى خلخلة التماثل، وتغلبت على رتابة التكرار، بل أن ذلك التوزيع المحسوب- هندسيا- لمحتوى التكوين أسهم فى زيادة الإحساس برسوخ كتلة المرأة الشعبية (بنت البلد) التى بدت فى علاقتها بالخلفية أشبه بتمثال ميدان ملون شاهق الارتفاع، شيَّده الفنان على شاطئ النهر الخالد ليُمَيِّز "المحروسة" عمَّا سواها من عواصم ومدن الغرب الصاخبة، ويميِّز إنجازه الراسخ الممتدة جذوره فى عمق التاريخ المصرى وحضاراته الفنية العريقة.. عن أساليب الفنون الغربية ذات الجذور اليونانية والرومانية.. التى تسابقت فى استعراض القوة العضلية لتماثيل الرجال وحركاتها العنيفة، فى مقابل الليونة المفرطة لأجسام النساء وأوضاعها اللحظية.
 
وأظنَّه أراد- بهذا الإنجاز الفنى النبيل- أن يخلِّد المرأة المصرية الكادحة، التى ربما تكون أفلتت من زحام الحارة.. لتحتزن فى رئتيها قسطا من الهواء النقى على كورنيش النهر العريق، فجلست على عتبته بعد أن خلعت ملاءتها، ليتكشَّف لنا وجهها المصرى الأصيل، ومنديل الراس الذى يميِّز هويَّتها الطبقيَّة (الشعبية)، وثوبها البسيط الذى استمد لونه من السماء الصافية وماء النهر العذب، وبشرتها التى اقترب لونها من الفخار المحروق. أما أسلوب معالجتها فقد اعتمد على التلخيص والاهتمام الواضح بالبعد الثالث، ونعومة الملمس الذى لم يفرِّق بين البشرة وملمس قماش الرداء.. مما أضاف مزيدا من الإحساس بصلابة نوع الحجر الذى أخرج منه "المُصَوِّر" نموذجه الراسخ رسوخ التماثيل التى كان النحات المصرى القديم يحرص على تلوينها بدرجات ألوان لم تختلف عنها فصائل اللون التى استخدمها "محمود سعيد" فى صورة المرأة الصرحيَّة، التى أضاف التحوير المحسوب بعناية لنسب جسمها أبعادا رمزية، حيث الرأس الصغير- نسبيَّاً- مقارنة بعرض الكتفين وطول الجذع المختصر المصقول، بالإضافة لطول الذراعين الاسطوانيين.. مما يوحى بقوة هذه المرأة الكادحة، ويسمو باللوحة على متغيرات الواقع التقليدى ويضمن لها الخلود.

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع