فنون

ماستر سين..

20- الأرض

تحت وطأة الظلم والترهيب، تخور الهِمَم الهشة وتنطفئ قناديل الإصرار.. وسط أحراش الخوف واللهث خلف كسب القوت، تتوارى العزائم وتتسلل الشجاعة المكبلة..  لم يبقِ بين الهشيم سوى نظراته المستاءة فى حضرة صمته المدوى، الذى يشبه زمجرة الجواد الأصيل وسط تربص الذئاب اللئام فى كنف الظلام والقهر.. لم يبقِ تحت وهج الشمس اللافحة سوى دمائه الطاهرة، التى روت شقوق أرضه الشاكية..  لم يبق وسط الحشود المتخاذلة سوى كفوفه الخَشِنة، التى استوثقت بالجذوع العطشى.. فكم أخلصت له مثلما أخلص لها.. !
هكذا اِنفض الجميع من حوله كـ "غُبار" لا يَتحكَم فى مساره أمام حركة الرياح الهوجاء، فتتحطم أحلام الخلاص والمؤازرة على صخرة المصالح الفردية..  باتت الساحات يكسوها الخواء هرباً من البطش الأعمى والأسواط المُسلطَة - بلا رحمة - لهتك الكرامة واختطاف العزيمة وتكميم الأفواه، لكنه رغم اللطمات المتتالية ونوبات الخذلان التى داهمته فى أحرج اللحظات، ظل صامداً كـ "المِتراس".. يأبى التَزحزُح عن أرضه المتوسِلة..  يأبى التخلى عن قطيعة روحه، التى أراد الغوغاء نهشها !!



نعم.. أدركته الهزيمة فى النهاية وعفر وجهه غبار المذلة، فكثير ما تنحنى الشجاعة أمام غدر اللحظات الأخيرة، حين تنسدل غلالات الاستمراء على مسرح الخنوع والفُرقة ، إلا أن رمزية إرادته ظلت تغرس بذور المقاومة فى الجميع، رغماً عن سوداوية النتائج.. ..!!
إنه مشهد النهاية فى فيلم "الأرض" للمخرج المتميز "يوسف شاهين" و"ماستر سين" يستحق التبارى فى الاعجاب بجمالياته، لما له من قدرة لافتة على الرسوخ فى ذاكرة المتلقى المصرى والعربى، فلا أحد يمكنه نسيان مشهد "سَحْل" الفنان "محمود المليجى" أو "محمد أبو سويلم" بعد أن قُيِدَ بالحبال، بينما واصل محاولاته الدامية فى التشبث بأرضه، التى سلبته إياها القرارات الجائرة والأهواء الجاحدة.
 
الفيلم مأخوذ عن رواية للأديب "عبد الرحمن الشرقاوى"، كتب السيناريو والحوار لها السيناريست "حسن فؤاد"، بينما أسند "يوسف شاهين" لكل من "داوود عبد السيد" و "أشرف فهمى" مهمة مساعد مخرج، أما الموسيقى التصويرية فكانت من نصيب العملاق "على إسماعيل"، حيث اعتبرها الكثير من النقاد "ماستر سين" للسينما المصرية طوال تاريخها.
 

وقد جرى العرض الأول للفيلم فى عام1970، حيث جاء فى أعقاب هزيمة 67 كأحد رسائل الصمود والتبشير بالنصر وتأكيد إرادة المصريين وتمسكهم بكل شبر من أرضهم، كما استطاع الفيلم تقديم صورة حية للريف المصرى فى ثلاثينيات القرن الماضى، مُستعرِضاً بدقة هموم البيئة الريفية، وما أفرزه الحكم الملكى من تفاوت طبقى حاد وتدهور شديد بأوضاع الفلاح المصرى فى ظل استبداد الإقطاعيين، وغياب سيادة القانون، ومن ثَم تشرزم الحقوق المشروعة وطَمس مكتسبات البسطاء وسط  شهوات الامتلاك النَهِم.. . يعد الفيلم أيضاً أحد أهم كلاسيكيات السينما المصرية، وأفضل ما انتجته عبر تاريخها الطويل عن الفلاح المصرى، نظراً لكونه فيلماً جماهيرياً يلمس هموم شريحة عريضة من المجتمع، ويسجل كواليس الصراع الحضارى فى إطار رؤية سياسية واجتماعية تموج بها الإسقاطات الحسية والضمنية.

شارك الفيلم فى العديد من المهرجانات العالمية والأسابيع السينمائية، واحتل المركز الثانى ضمن قائمة أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية خلال استفتاء النقاد لعام 1996، كما تم ترشيحه لجائزة السعفة الذهبية فى مهرجان "كان" السينمائى الدولى، وحاز على تقدير العديد من النقاد العرب والغربيين، فقال عنه الناقد الفرنسى (جان لوى بورمى): "فيلم الأرض ليس حدثاً بالنسبة للسينما العربية وحدها، ولكن بالنسبة للسينما العالمية أيضاً"، كما عقبت الناقدة الفرنسية (مارسيل مارتان) قائلة: "تنبع شاعرية فيلم الأرض من رسالته الثورية، مما يفتح الطريق أمام السينما المصرية للوصول إلى العالمية عن استحقاق"، كذلك انتقى الناقد والمؤرخ السينمائى الفرنسى "جورج سادول" مشهد النهاية ضمن أهم سبع مشاهد لا تنسى فى تاريخ السينما المصرية وسجله فى كتابه " تاريخ السينما فى العالم " ليدخل بذلك موسوعة السينما العالمية.
 


يضم الفيلم كوكبة من النجوم والوجوه الجديدة، حيث حظيت الشخصيات الثانوية بنفس درجة أهمية الشخصيات الرئيسية، وذلك بفضل الأداء الواعى والإخراج الذكى.. البطولة تقاسمها كل من الفنان "محمود المليجى" فى دور "محمد أبو سويلم" الفلاح الثورى، الذى ينتمى إلى أرضه بمنتهى التفانى والصدق، والفنان "يحى شاهين" فى دور "الشيخ حسونة" صديق الصبا ورفيق النضال أثناء الحركة الشعبية فى ثورة 1919، كما قدم الفنان "عزت العلاليلى" شخصية "عبد الهادى" الذى  ظل يكافح مع "محمد ابو سويلم" حتى اللحظة الأخيرة، بينما كان الظهور الأول للفنان "على شريف" فى دور "دياب"، الذى حقق من خلاله نجاحاً لافتاً، جعله أهم أدواره على الإطلاق.
 
دارت الأحداث فى إحدى القرى المصرية، التى واجه أهلها حزمة من القرارات الظالمة، من بينها تخفيض نوبة الرى لصالح أحد الإقطاعيين، مما عرض أراضيهم للجفاف.. يحاولون التصدى لهذا التعسف، إلا أنهم يخفقون فى الصمود أمام تحالف الإقطاع، ليجد "محمد ابو سويلم" نفسه وحيداً ضمن أقلية، بعد أن تخلى عنه أهم الأصدقاء فى اللحظات الحاسمة، الأمر الذى أكد قيمة التكاتف وخطورة شق الصف والتلاعب بنقاط الضعف، وما تمارسه المصالح الفردية من إغراء، يأتى دائماً على حساب المطالب الجماعية، وهى بالطبع رسالة غاية فى الأهمية.
 


والواقع ستظل عبقرية المخرج العالمى "يوسف شاهين" تُلوِح للأجيال المُتعاقِبة على الساحة السينمائية بـ "ذكاءه" الحاد فيما يخص انتقاءه تقنيات مبهرة فى الإخراج الفنى المُطعَم بفلسفة عميقة ورؤية بعيدة المدى.. والمفاجأة الحقيقية فى مشهد النهاية، أنه لا يُطابق نهاية القصة الأصلية المأخوذ عنها الفيلم، والتى انطوت على المزيد من المباشرة، حيث ينجح أحد الإقطاعيين فى فرض إرادته على القرية، لتمر السكة الزراعية من بين أراضى الفلاحين، وتبور أرض "محمد ابو سويلم"، بل وتعمل ابنته تحت ضغط الحاجة مع العاملين فى إنشاء "السكة الزراعية" التى التهمت أرض والدها.
 
وكعادة "يوسف شاهين" فى الجنوح إلى النهايات المفتوحة وكسر التابوهات التقليدية ، قرر أن تكون نهاية فيلم "الأرض" باعثة على التحدى والصمود، لا أن تَنحصِر فى مجرد الرضوخ والاستسلام، وخَلَق امتداد مختلف داخل وعى المتلقى، يَتشكَل وفقاً لدرجة انفعاله بالأحداث وتعاطيه مع الرسالة المُقدَمة، لذا صمم مشهداً ختامياً بديلاً، يتم فيه "سحل" هذا الفلاح المناضل بهذه الطريقة المُهينة، ليواصل مراسم التحدى والمكابرة رغم أنوف الباطشين.
 
كذلك أحكم "يوسف شاهين" قبضته على انفعالات المُشاهدين وحاصرها بمزيد من الشحذ والاستنفار، بواسطة رسم صورة متناقضة, اقتربت فى تنافرها من مفهوم "الصدمة"، حين مَرَر للمتلقى قبيل النهاية الميلودرامية، صورة إيجابية مبهجة تعكس تضامن الفلاحين مع "محمد أبو سويلم" واحتشادهم لجمع محصول القطن من أرضه، قبل أن تبدأ جنود "الهجانة" فى دهسها بالخيول ودق الأوتاد بها، ليغمر الجميع حالة من الحماسة على إيقاع الموسيقى المبهجة والتكاتف الجميل، ويسرى شدو الفلاحات الفرحات :
نورت يا قطن النيل..  يا حلاوة عليك يا جميل
اجمعوا يا بنات النيل يالله.. ده ملوهش مثيل ، قطن ما شالله

يقطع هذه البهجة البِكر، التى تحايل بها أهل القرية على بطش الفساد والظلم "اجتياح الخيول" و "هياج الأسواط"، ليسود الهلع بين أبنائها، ويفر الجميع هَرباً..  هنا تتدخل الموسيقى مُجدداً، وتترجم هذه النقلة الشعورية الصادمة، بمصاحبة آلتى "الناى" و"الترومبيت" ليعكسا نبرة مزدوجة ومتبادلة، تشرح ما اعتمل بالصدور، فإذا بها تجمع ما بين انكسار "الناى" الباكى وصخب "الترومبيت" الثائر، فيما يشبه الأداء الملحمى، تعبيراً عن عدم الانصياع ومواصلة الكفاح، حتى يتحقق الخلاص .
 


نصل بذلك إلى الذروة الدرامية للمشهد، حين جرّت الخيول "محمد ابو سويلم" من قدميه بعد أن امتزجت دماؤه المُراقة بزهرات القطن المقهورة..  لم يكن يملك حمايتها من دهس الأخساء، لكنه يملك إقامة مأتمه بين تيجانها الناصعة، لذا قرر أن يصطحبها معه فى رحلته الأخيرة، التى ربما لن يتبعها عودة..  وفى ذروة المهانة تَسطُع رسالته السامية أمام الجميع، فهو لم يقبل المهادنة ولم يُغرِه الفتات كأصدقائه المتخاذلين، بل واصل مراسم عِزته وثباته, متشبساً بزهراته البيضاء, راسماً بأظافره الدامية خطوط الامتلاك، مُتحدياً بها القهر والموت والانتزاع، ليرتعش جسده النازف مع حركة الخيل المُنساق على وقع كلمات أغنية الفيلم.. 
الأرض لو عطشانة ،،  نرويها بدمانا
عليه وعلينا أمانة ،،  تصبح بالخير مليانة
يا أرض الجدود ،،  يا أساس الوجود
هانوفى العهود ،،  بروحنا نجود
وعمرك ما تباتى عطشانة
وإذا بكلمة النهاية ترتسم على الشاشات بلون الدماء فى حضور "الناى" الشاكى ربه، الطامع فى الإجابة، وتسود حالة من الحماسة المُختنقة، تواسيها قطرات الندى المتكاثف، التى بدت وكأنها تسيل على أحد جوانب شاشة العرض، فى اتجاة واحد، فيما يشبه الدمع الهارب، الذى احتضن أملاً وليداَ، يناجى الإشراق ويتحدى الغروب.
 

(22 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع