فنون

وصفه "تشرشل" بقدرته على إيقاف أسد يزأر لتصويره

يوسف كارش.. مصور الروح ومُخلد المشاهير

 
فى بداية عام 2015م، أعلن الاتحاد الفلكى الدولى ومعهد كارنيجى للعلوم عن خمسة حُفَرٍ على كوكب المريخ تمَّ رصدها خلال رحلة المكوك الفضائى "ماسنجر" حول الكوكب الأحمر، وتمت تسمية هذه الحفر بأسماء خمسة من فنَّانى العالم، كان اسم المصور الأرمنى السورى (الكندى الجنسية ) يوسف كارش من بينها تقديراً لإسهاماته البارزة فى التصوير الفوتوغرافى عالمياُ.
 ووفقاً لمدير متحف المتروبوليتان للفنون فإن كارش " واحد من أعظم المصورين فى القرن العشرين، وهو من خلق أسلوباً جديداً فى التصوير الفوتوغرافى يعتمد بالدرجة الأولى على الإضاءة المسرحية".

مدينة ماردين
ولد يوسف كارش عام 1908م فى مدينة ماردين السورية التى ضُمَّتْ إلى تركيا بموجب معاهدة لوزان عام 1923 بين تركيا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، والتى قدمت للحضارة العربية والإسلامية أعلاماً ورجالاً بارزين مثل: ماسويه المارديني.. الطبيب الأشهر فى العصر الفاطمى وصاحب موسوعة "الأدوية المفردة"، وفخر الدين المارديني.. الطبيب الشهير فى العصر الأيوبيِّ، وعبدالسلام المارديني.. مفتى المدينة ومؤرِّخها فى القرن السادس عشر.
وقد تواكبت نشأة يوسف كارش مع حملات الإبادة ضد الأرمن، ومذابح السيفو التى نزحت أسرته على إثرها إلى حلب عام 1922م وهو فى الرابعة عشر من عمره، حيث كتب يوسف: " رأيت أقاربَ لى ذبحوا؛ أختى ماتت من الجوع، وكنا نطرَد من قرية إلى قرية حتى وصلنا حلب".

الطريق إلى كندا
فى عام 1924م، قرَّر والده إرساله إلى كندا فى ضيافة خاله المصوِّر الفوتوغرافى جورج نقاش لدراسة الطبِّ، إلا أنَّ ضيقَ الحال أجبرَه على التخلِّى عن حلمه، فعمل مساعداً لخاله فى استوديو التصوير فى مدينة "شيربروك"بمقاطعة "كيبيك" الكندية.
لمس نقاش موهبةً خاصة لدى ابن أخته وميلاً جدياً نحو الفنون، فأرسله عام 1928 م إلى بوسطن فى الولايات المتحدة الأمريكية، ليتتلمذ على يد المصوِّر الأرمنى الأصل "جون قارو" ..  أشهرِ مصوِّرى أمريكا فى حينه، حيث كان الاستوديو الخاص به يعجُّ بالشخصيَّات المرموقة من السياسيين ورجال الأعمال والفنانين، وهناك تعلم يوسف كرش من أستاذه " قارو" كيفيَّةَ التعامل مع الشخصيَّات والتحاوُرِ معها وكسب ثقتها.

مرسم خاص
فى عام 1931م، عاد كارش إلى كندا بعد أربع سنوات فى بوسطن، ليفتتح الاستديو الخاص به فى شارع "سباركس" فى أوتاوا بالقرب من البرلمان حيث حازت أعماله على إعجاب رئيس الوزراء الكندى فى حينه، ورتبت له جلسات تصوير مع كبار الشخصيات التى تزور البرلمان.
وفى عام 1937م، انضم إليه أخوه ملاك كارش الذى انتقل من حلبَ، واحترفَ التصويرَ الضوئى أيضاً، وحاز وسامَ الشرفِ الكندى، كما كان أحدَ مؤسسى مهرجان "زهرة التوليب" الكندية ورئيسه الفخرى وقت وفاته.


ونستون تشرشل

هو .. و"تشرشل"
فى 30 ديسمبر1941م،  قام كارش بتصوير رئيس الوزراء البريطانى ” ونستون تشرشل «تزامناً مع إلقاء الأخير كلمة فى مجلس العموم الكندي، هذه الصورة التى نشرت على غلاف مجلة " لايف " جلبت شهرةً عالمية لكارش لتصبح الصورة الفوتوغرافية الأكثر استنساخاً فى العالم.
 وحول هذه الصورة، قال كارش فى كتابه "وجوه من زمننا": " لم يكن تشرشل فى مزاجٍ جيدٍ للتصوير، وقد سمح لى بدقيقتين وهو يمرُّ من غرفة مجلس العموم إلى غرفة الاجتماع، وقد رافقنى الخوفُ أثناء تصوير الرجل الذى ألهمَ العديدَ من الناس كتابة الكتب، وحيَّرتْ سيرتُه كلَّ كتاب السِّيرة، وشغلت شهرتُه العالمَ، دخل تشرشل إلى الغرفة مقطّباً وكأنَّ كاميرتى هى العدوُّ الألماني، وقد شكلت تعابير وجهه تحدِّياً للمصوِّر فى داخلي، إلا أنَّ السيجار بين أسنانه بدا غير مناسب لهذه المناسبة العظيمة والرسمية، بسرعة أزحْتُ السيجار، وفى هذه اللحظة زاد تشرشل من عبوسه ودفع برأسه إلى الأمام بعدائية، ووضع يدَه على خصره تعبيراً عن الغضب، فكانت صورةً لتشرشل وبريطانيا العظمى فى سنوات الحرب العالمية الثانية".
لاحقاً، علَّق تشرشل على الصورة قائلاً:" إنَّ كارش يستطيع إيقاف أسدٍ يزأر لتصويره"، هذه الصورة لم تكن الوحيدة لرئيس الوزراء البريطاني، فبعد الحرب كان لكارشٍ الحظُّ فى التقاط صورة أخرى لرئيس الوزراء، أعلن بنك إنجلترا عام 2013 م عن اعتمادها صورةً للعملة الإنكليزية من فئة الخمس جنيهات.

سر التصوير
كارش الحاصل على درجة الماجستير فى علوم الإضاءة والذى تزيِّن أعماله متاحف العالم يصفُ فكرة التصوير الضوئى قائلاً: «لابد من سرٍّ داخلَ كلِّ رجلٍ أو امرأة، ومهمتى كمصوِّرٍ تتركز على إظهاره، هذا السر يظهر فى أجزاءَ من الثانية، فى حركةٍ لا إرادية، أو فى لمعة العين، حين يرفع القناع الذى يرتديه البشر لإخفاء ذواتهم، هنا على المصوِّرِ اغتنام الفرصة فى أجزاء من الدقيقة". ويضيف قائلاً: «أعمل على تصوير الأشخاص ذوى القلب الكبير والعقل الكبير سواء كانوا مغمورين أو مشهورين".


 ألبرت آينشتاين

توثيق اللحظة..  بالصورة
لم يكتفِ كارش بتوثيق اللحظات التاريخية بالصورة وحدَها بل نشر 15 كتاباً عن عمله فى التصوير، تضمُّ، إضافةً إلى أعماله، وصفاً موجزاً لجلسات التصوير والأحاديث التى يخوضها مع مشاهير القرن الماضى قبل تصويرهم من أمثال: ونستون تشرشل،، ألبرت آينشتاين، دوايت أيزنهاور، كلارك جيبل، أنديرا غاندي،، إرنست همنجواي، أودريهيبورن، البابا يوحنا بولس الثاني، هيلين كيلر، جريس كيلي، جاكلين كينيدي، جون كينيدي، نهرو، لورانس أوليفييه، بابلو بيكاسو، الأمير رينييه أمير موناكو، جورج برنارد شو، وآخرون".
فى عام 1990، انتقل كارش للاستقرار نهائياً فى بوسطن والتفرُّغ للكتابة، وفى عام 2002 خضع لسلسة من العمليات الجراحية ليفارق الحياة فى 23 من شهر يوليو من العام نفسه ويدفن فى أوتاوا.


محمد على كلاي

جائزة كارش
وقد أنشأت مدينة أوتاوا جائزة كارش للفنون فى عام 2005م، وفى عام 2008 - واحتفاءً بذكرى الكنَدِى الوحيدِ المصنَّفِ بين المئة الأكثرِ تأثيراً فى تاريخ الفنون-  أطلقت مؤسسة البريد الكندية ثلاثةَ طوابع من أعمال كارش الأول يحوى صورةً لــ “ونستون تشرشل”، والثانى لـــ “كارش نفسه”، والثالث للسينمائية الشهيرة “أودريهيبورن”.  كما أصدرت 23 طابعاً تذكارياً تحمل بعض الصور للشخصيات الأكثر شهرةً وإثارةً للاهتمام فى العالم التى صوَّرها، ومنهم: (والت ديزني، محمد على كلاي، الأم تيريزا، همفريبوجارت، أنديرا غاندي، صوفيا لورين، دوايت أيزنهاور، إرنست همنغواي، نيكيتا خروشوف، مارتن لوثر كينج، البابا يوحنا الثالث والعشرين، بابلو بيكاسو، والملكة إليزابيث الثانية).
يذكر أن الصحفى الشهير "جورج بيري" قد كتب يوماً عن يوسف كارش فى صحيفة "صنداى تايمز" البريطانية: "عندما يفكر المشاهير بالخلود فإنهم يتوجَّهون إلى أوتاوا عند يوسف كارش المصور".


الأم تيريزا


أودري هيبورن


ديجول


صوفيا لورين 


كينيدي


همفري بوجارت


هيمنجواى 

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع