فنون

"ن" والقلم..

وما السينما إلا حلم وخيال وفكرة

ضمن مشروع "ما" الذي يصدر عن الهيئة العامة للكتاب، ويسعى لاستكتاب كبار المتخصصين في مجالاتهم من أجل إصدار مجموعة من الكتابات المبسطة التي تلقي كل منها ضوءًا على فرع من فروع العلم والمعرفة والفنون والإبداع، على حد قول د. هيثم الحاج علي، يستهل د. وليد سيف كتابه " ما السينما " قائلًا إنه الآن وبعد أن أصبحت كاميرات الفيديو في أيدي الجميع وضمن إمكانيات الموبايل الذي يحملونه، أصبح من الصعب أن يتصور الإنسان كيف كان اختراع السينما أمرًا مذهلاً ومدهشًا ومفاجئًا للعالم.وكيف كانت أخبارها وعروضها تصنع حالة من السحر والجاذبية.

هنا يتحدث سيف عن السينما وما يتعلق بها من لغة وأساليب وعناصر، وقد بدأت السينما فعليًّا، على حد قول سيف، من خلال اختراع آلتيْ التصوير والعرض السينمائي.وقد بدأ اختراع السينما بحلم وخيال وفكرة، ربما نراها من خلال الرسوم المتتابعة في الجداريات الفرعونية التي تبدو وكأنها لقطات متصلة في فيلم سينمائي، وربما في محاولات مبكرة للعالِم العربي الحسن بن الهيثم ونظرياته التي نشأ عنها اختراع كاميرا الفوتوغرافيا التي تلتقط الصور الثابتة والتي أحدثت انقلابًا في العالم لم يَفُقْهُ سوى كاميرا السينما التي التقطت الصور المتحركة.
 
أول محاولة جادة..
أما في العام 1850، وفق معلومات سيف، فقد اخترع العالِم الألماني فريدريك سكوت فكرة ظهور الصورة على الزجاج، وتطورت القمرة أو الكاميرا الفوتوغرافية في منتصف القرن التاسع عشر على يد علماء كثيرين منهم الفرنسي أندريا أدولف.غير أن أول محاولة جادة كانت من خلال المخترع إديسون الذي كان قد سبق له اختراع آلة الفونوجراف، الذي حرر من خلاله الصوت من سجنه، وفكر في تحرير الصورة من خلال جهاز سمّاه الكينوجراف، وهو أول كاميرا عرفتها السينما بين عامي 1890و1891، وهي صورة بدائية للسينما من دون بروجيكتور. أما العرض الرسمي الأول فجاء على يديْ الأخوين لوميير في 12 ديسمبر 1895 في الصالون الهندي في الجراند كافيه بباريس، على أنغام البيانولا وأمام جمهور محدود، واستمر لمدة عشرين دقيقة، كانت كفيلة بإحداث ثورة في تكنولوجيا الصورة، وليصبح هذا التاريخ هو التاريخ الرسمي لبداية السينما في العالم.وبهذا، يقول الكاتب، أعلنت السينما عن ظهورها للوجود بشكلها الأقرب إلى الاكتمال، حيث بدت كاختراع أعجوبة أدهش العالم، غير أن هذا الاختراع راح شيئًا فشيئًا يفقد بريقه وجاذبيته، وأصبح ما يُقدم من صور بلا معنى أو روح أو هدف يصيب الجمهور بالملل ويدفعه إلى الانصراف، ولهذالسبب لجأ بعضهم مبكرًا إلى ألعاب السحرة وحيل الحواة لتصويرها وعرضها على الشاشة علّها تعيد المُشاهد إلى صالات العرض السينمائي، وبسرعة اكتشف السينمائيون أن الألعاب السحرية لا تُبهر على الشاشة كما تبهر في الواقع.
 
جذب المشاهد..
هنا أيضًا يقول سيف إن البعض قد أدرك أن فنون الدراما والقص بإمكانها أن تدعم السينما كثيرًا في بحثها عن موضوعات تناسبها، قد بدأت، يقول الكاتب، مشوار تحولها إلى فن منذ تلك اللحظات العبقرية التي قرر فيها عدد من السينمائيين في أماكن مختلفة من العالم، دون أي اتفاق، التفكير في كيفية تقديم مادة قادرة على جذب المُشاهد والتأثير في روحه وعقله ووجدانه.ومصادفة يكتشف السينمائيون أن هذا الفن الجديد يعتمد على أدوات أخرى غير الكاميرا، مثل المونتاج ووسائل الطبع والعرض، وعناصر فنية مختلفة كالديكور والماكياج ما زالت تتطور وتتوسع ويضاف لها المزيد من الإمكانيات والابتكارات.وحين يتحدث الكاتب عن ميلاد فن السينما يقول إنه بعد سنوات مهْد السينما التي استمرت لحوالي عقدين من الزمان، شهدت خلالها محاولات متخبطة ولقطات مبهرة وشذرات من الإبداع، في أعمال يصعب وصف غالبيتها بالفيلم بمعناه الفني، جاء الفيلم الأمريكي " مولد أمه " لجريفث والذي عرض في بداية 1915 ليشكل مولدًا جديدًا للسينما أو كفن له استقلاليته وشخصيته المتميزة، وأدواته التي توظف في خدمته بأسلوب معبر ومؤثر ولا تزال قوة هذا الفيلم واضحة حتى اليوم.أما في العام 1927، يقول الكاتب، وفي أمريكا نطقت السينما وأصبحت أصوات العالم الحقيقي جزءًا من الفيلم كمناظره. في " ما السينما " نعرف أن المخرج الياباني أوزو هو أول من وضع معالم السينما اليابانية والذي ستكتشفه أوروبا والعالم بعد 25 عامًا، وقد أصبحت السينما في مطلع الثلاثينيات قوة هائلة تنمو بشكل مدهش وغير متوقع، وفي باريس عُرض 484 فيلمًا في العام 1930.وبدءًا من ثلاثينيات القرن الماضي راحت لغة السينما تواصل تقدمها وتألقها ومدارسها عبر عدد من كبار المخرجين مثل: روبين ماموليان، لويس ميلستون، وكينج فيدور.
 
الفيلم الروائي..
وقد توالت المدارس والاتجاهات السينمائية في الأربعينيات، وكان من أهمها الواقعية الجديدة التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية بظهور أفلام روسيلليني ودي سيكا وفيلليني وغيرهم.أما في الخمسينيات والسبعينيات فكانت السينما الأمريكية تسعى إلى جذب المُشاهد بأفلام الحركة التي تعرض بطولات وانتصارات الجيش الأمريكي، لفرض صورة البطل الأمريكي الذي لا يُقهر.ومتحدثًا عن الأفلام المستقلة يقول سيف إن جذورها تعود إلى السنوات الأولى من تاريخ السينما حيث كانت صناعة الأفلام لا تخضع لأي معايير، أو مواصفات قياسية ولا يخضع صناعها لأي شروط وتوجهات.كذلك يقول سيف إن أهم ما نعيشه اليوم هو حالة التوأمة الواقعة بين تقنيات السينما والفيديو، وتبقى السينما هي المحرك الأساسي لثقافة الصورة المتحركة التي يعيشها العالم اليوم ويتابع تطوراتها يومًا بعد يوم.
 
وهنا يُرجع الكاتب بداية ظهور الفيلم الروائي الطويل إلى عام 1923 مع العرض الأول لفيلم " في بلاد توت غنخ أمون " من إخراج وتأليف وإنتاج فيكتور روسيتو الإيطالي، ومن تصوير المصري محمد بيومي ومدة عرضه 80 دقيقة ويعبر موضوعه عن اختلاط المفاهيم بين الروائي والتسجيلي، ومفهوم الدعاية السياحية من جانب، ومفهوم الجذب البصري للمُشاهد بمناطق الآثار والصحارى والواحات من جانب آخر.
هنا أيضًا يتحدث سيف عن اكتساح الأغاني لأفلام السينما وقد كان دخول الصوت إلى السينما هو السبب الأساسي في ازدهار المشهد الغنائي.أما حين يتحدث عن عناصر السينما فيقول إنها لا يمكن تقييمها بشكل منفصل أو بمعزل عن فهم عام لرؤية الفيلم وأغراضه الدرامية.وهناك عناصر النص السينمائي ومنها المعالجة الدرامية والسيناريو المبدئي والسيناريو والحوار، وهناك عناصر العرض السينمائي ومنها التصوير والديكور والملابس والمكياج والمونتاج والأداء الحركي والصوتي. وهكذا وفي ما يزيد عن سبعين صفحة من القطع الصغير أجلسنا وليد سيف أمام شاشة السينما ليروي لنا، في فيلم كتابيّ صغير، تاريخها وعناصرها وما يتعلق بصناعتها وموضوعاتها وحكاياتها التي لا تنتهي. 

 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع