فنون

أرض الغزوات والانتصارات..

وصباح الخير يا سينا

ظل اسم سيناء محفورا فى أفئدتنا طوال سنوات حياتنا، نحن الذين كنا أطفالا فى عام 1956, وصرنا شبابا على أبواب الثانوية العامة عام 1967 وذهبنا إليها فى عام 1973 لتخليصها من قوات العدو الإسرائيلى، وفى هذه السنوات عرفنا أن الممثل يوسف شعبان أطلق اسم سيناء على مولودته الجديدة، وحيدته، وكنا سعداء ونحن أول من يذهب فى طائرة عسكرية إلى طابا فى بداية الثمانينيات بصحبة وفد من نقابة الصحفيين، وآنذاك, ولا أعرف هل كان حدسى صحيحا أم لا، رأيت الرمال أقرب إلى بريق الذهب، وفيما بعد أتاحت لنا نقابة الصحفيين أن نذهب سويا إلى معسكرات الشباب لقضاء أسبوع تصييف مع أسرانا فى العريش، وكانت اللحظات جميلة ونحن نتسوق فى المدينة، ونحاور الناس ثم قضينا أسبوع تصييف فى رفح المصرية فى صيف عام 1991 حين احتل صدام حسين ارض الكويت، ومن يومها لم ننقطع عن زيارة سيناء.. التى مات على حدودها مجموعة من خيرة الشباب حتى تظل دوما أرض الغزوات والانتصارات وأن طالت المواجهة ، فتغيرت المفاهيم تماماً . 

 
سوف تبقى سيناء بالنسبة للكثير من الناس أيضا مشهداً سينمائياً بالغ الأهمية، تتغير صورته من مرحلة لأخرى، لكن شبه الجزيرة هذه كانت فى التاريخ بمثابة الطليع الذى يتصدر الفرقة العسكرية يتلقى دوماً أولى ضربات الحرب فى أى زمن من الأزمنة، ولذا، فالغريب أن سيناء ستكون فى أغلب أفلامنا بمثابة أرض للحرب، والقتال، قبل أن تكون أرض الفيروز مثلما يطلقون عليها، حيث إن حضور هذه الأرض المقدسة فى حياة المصريين المعاصرين، وفى أفلامهم وأعمالهم الفنية والأدبية يبدو أكثر تواجدا فى زمن الحروب، أو الأخطر عبر الحدود, ففى التاريخ كانت هذه الصحراء بمثابة الطريق من النيل إلى الدول المجاورة، ويأتى منها الغزاة، ويعودون بعد سنوات، أو قرون منهزمين، مثلما حدث للهكسوس فى رواية "كفاح طيبة "، لنجيب محفوظ، التى لا أعرف لماذا لم يتم إنتاجها سينمائيا حتى الآن . 
سيناء السينما كانت الطريق الذى سلكه رام من أرض فلسطين، الذى وصل الى قصر الفرعون فى فيلم "المهاجر" ليوسف شاهين عام1994 وهى اقرب لقصة توراتية، وتم تغيير الأسماء فيها لأسباب خاصة بالرقابة، وقد جاء الإخوة يبحثون عن رام بعد سنوات، بعد أن صار مقربا من حاكم مصر، وعن طريق سيناء عاد الشاب بعد سنوات إلى فلسطين، ووجد أباه فى انتظاره .. 


 
إذن فسيناء عبر التاريخ، والأفلام كانت بوابة لدخول الجيوش والافراد، وقد صورها سيسيل دى ميل مرتين فى فيلميه "الوصايا العشر" عامى 1927 , و1956"، باعتبار أن فرعون مصر قد غرق فوق هذه الأرض، لكن المصريين لم يقتربوا سينمائياً قط من هذه المرحلة لاسباب رقابية، ترتبط بظهور الشخصيات المقدسة, على الشاشة، ومنهم الأنبياء، وايضا بسبب التكاليف، وفى هذا الطريق ايضاً مشت مريم العذراء برفقة يوسف النجار حاملة رضيعها عيسى متجهة الى مصر، لكن السينما المصرية الروائية لم تقدم فيلما عن هذه القصة، وفى السينما المصرية هناك فيلم يحمل عنوان "فتح مصر" من اخراج فؤاد الجزايرلى عام 1948، ولا احد يعرف اين يوجد هذا الفيلم الان، كما اننا لم نعثر على كتابات نقدية حوله، وان كان لدينا صورا لاعلاناته التجارية فى المجلات و لانعرف كيف ظهرت سيناء فى هذا الفيلم، لكن هى أرض صحراوية تعبرها قوات عمرو بن العاص فى اتجاه وادى النيل . 


 
وفى الافلام التاريخية المصرية، كانت سيناء طريقا للمواجهة العسكرية بين المصريين والغزاة، ولعل اوضح مثال لذلك هو فيلم "واإسلاماه" لاندرو مارتون عام1961، فعند أطرافها حدثت موقعة "عين جالوت"، وتقابلت الجيوش المتحاربة، حسب الفيلم، من قوات مصرية بقيادة المماليك، ومغول, وقوات أوروبية صليبية، آثرت ان تبقى على الحياد، مما يعنى ان الكثير من النماذج التاريخية نظرت الى سيناء على انها ارض حرب، تتقابل فيها الجيوش، وتتقاتل، وينتصر المصريون فى بعض هذه المعارك.


 
وبعيدا عن الفيلم التاريخى فإن سيناء وجدت هوى لدى صناع الأفلام الصحراوية، او البدوية ولا نستطيع ان نقول إن الكثير من هذه الافلام قد حدث داخل سيناء، ولكن من المؤكد أن فيلم "سمراء سيناء" اخراج نيازى مصطفى عام 1959 تدور أحداثه فى سيناء، وأهمية هذا النوع من الافلام، انها اشارت الى الناس ان شبه الجزيرة ليست صحراء قاحلة خاوية من البشر, بل يسكنها بشر لهم قلوب تحب، ولديهم عاداتهم وطموحاتهم، اى ان مثل هذا الفيلم قد دخل الى وسط سيناء. حيث البشر, والحياة الحقيقية، والفيلم يصور الحياة العصرية, وليس فى التاريخ, لسيناء, من خلال مهندس بترول يدعى عادل، تزوج من ابنة مدير الشركة, دون ان يعلم انها تخونه مع ابن خالها، يسافر مدحت للعمل فى فرع الشركة هناك، ويفرض طبيعته اللطيفة على البدو.. تقع سمرة ابنة شيخ القبيلة فى غرامه، وتحاول ان توفر له كل سبل الراحة . 

تكتشف سمرة علاقة الخيانة بين الزوجة وابن خالتها، وتتحين الفرصة لكشفها امام الزوج و لكن الإسرائيليين يقومون بغارة جوية تشتت المجموعة، يصاب عادل فتظن زوجته زوزو انه مات وتهرب مع ابن خالها مدحت، اما سمرة فانها تقوم بإنقاذه مما يولد الغيرة فى قلب سويلم خطيب سمرة فيطاردهما لقتلهما، وذلك بتحريض من مدحت وزوزو، وينشب صراع بين عادل وسويلم، ينتصر فيه عادل ويعترف سويلم بان زوزو وعشيقها قد حرضاها، يطاردهما فى الجبل وتسقط عليهما الحجارة ويموتان، يعود عادل الى حقل البترول من اجل انقاذه من ايدى الاسرائيليين، ثم يتزوج من سمرة . 



وقد اسبقنا حديثنا عن هذا الفيلم، لانه مصرى بشكل خالص، فقصص الحب تدور بين مصريين، الاول قادم من مدينة مليئة بالخيانة، والثانية تمثل البدوى المتفانى فى عشقه، اما قبل عامين من تاريخ انتاج الفيلم، فقد ظهرت سيناء كمعبر فى فيلم "ارض السلام" اخراج كمال الشيخ، الذى تدور احداثه فى دير ياسين الفلسطينية، اى ان قصة الحب التى تولدت هنا, كانت بين مناضل مصرى، وفتاة فلسطينية، لقد جاء احمد مع زميلين له عبر سيناء، وقد مارس عملياته الفدائية هناك ثم قامت عشيرة دير ياسين بإيوائه، وإخفائه عن جنود الاحتلال الإسرائيلى، لكن اغلب الاحداث كانت بعيدة عن سيناء . 

كانت سيناء هى الارض التى حدثت فوق رمالها الكثير من قصص الحب والحرب، اثناء المواجهة بين مصر واسرائيل، طوال عقود عديدة، فى زمن الحرب، وفى زمن السلام، لكننى اذكر أن من أوائل الافلام غير الحربية التى صورت سيناء، كان فيلم الطريق "المستقيم" لتوجو مزراحى 1943، فقد تم النظر الى سيناء على انها منفى نموذجى، او مأوى للهاربين ومرتكبى الجرائم الذين يبحثون عن مكان آمن للمعيشة، كانه أقرب الى سيبيريا لدى الروس، سواء فى أفلامهم او رواياتهم، ففى هذا الفيلم، يقوم مدير البنك الذى كان مستقيماً فى حياته، بقتل المراة التى خدعته، وسلبته امواله، وادعت انها تحبه، فترك داره من اجلها, ووجد نفسه قاتلاً، وقرر العودة الى مدينته بعد ان صار اولاده كباراً واذكر ان القطار الذى دخل الى سيناء قادماً من وادى النيل الى سيناء، قد تم تصويره فى مشهد مظلم، كئيب يعبر عن المرحلة القاسية التى سوف يعيشها الرجل فى سنواته التالية، وهذا يؤكد التشبيه الذى ذكرناه حول سيبيريا بالنسبة للروس . 


واذا عدنا مرة اخرى الى سيناء، باعتبارها دار حرب، خصوصاً فى القرن العشرين، فلا شك ان هذا المكان، دفع الثمن فى الواقع، خلال الحروب الاربعة التى دارت فوق هذه الارض، احيانا ينهزم المصريون، واحيانا ينتصرون، وقد بدت سيناء ارض حرب فى افلام حول حرب فلسطين عام 1948، وقد ظهرت سيناء بمثابة معبر الى ارض فلسطين، حيث المواجهة مع العدو الصهيونى فى افلام عديدة منها "الإيمان" لأحمد بدرخان 1952، و"الله معنا" للمخرج نفسه 1955, و"نهر الحب" لعز الدين ذو الفقار عام ,1960، و "رد قلبى" للمخرج نفسه عام1958، و"الأقدار الدامية" لخيرى بشارة عام 1982 . 
 
وهناك ايضا فى هذا الصدد عدد كبير من افلام الفدائيين المصريين، ورجال المقاومة الذين دافعوا عن فلسطين، وعبروا الى اسرائيل، وقاموا بالعمليات العسكرية، مثل فيلم "ارض الابطال" اخراج نيازى مصطفى عام 1953، وهو ايضا اقرب الى رومانسيات الصحراء، حيث بدا المجتمع الفلسطينى بدويا اقرب الى المجتمع السيناوى، وكأنه ليس هناك فرقا فى العادات، والسلوك, والملابس، وفى سيناء، فإن الظابط احمد قد سقط مع طائرته، ووقع فى الاسر فى فيلم "وداع فى الفجر", لحسن الامام 1956، وهناك قصة مشابهة هى "الحياة الحب" ليوسف شاهين . 
وقد تم انتاج عدد كبير من الافلام عن حرب فلسطين، ودارت افلام كثيرة منها فوق رمال سيناء مثل "صراع الجبابرة" لزهير بكير عام 1962، حيث تتجه ليليان الراقصة اليهودية الى فلسطين عبر سيناء، كى تعيش فى ارض الميعاد، وفوق ارض سيناء يضطر رجل للهرب الى اسرائيل عبر سيناء ايضا بعد ان يتخفى فى ملابس جندى مصرى، وهو قاتل، وهناك يتعرض لتعذيب شديد . 
اذا لقد ظلت حرب فلسطين 1948 مادة خصبة لعمل المزيد من الافلام التى بدت كانها بمثابة رسالة غفران ,او ندم، لما اصاب الجيوش العربية، فحاولت هذه الافلام ان تبرر سبب الهزيمة، وكادت ان تحول ارض سيناء الى منتصر فى افلام منها "طريق الابطال" اخراج محمود اسماعيل عام 1961 . 



وقد عادت سيناء للظهور كأرض حرب فى افلام تصف العدوان الثلاثى عام 1956 لكن انسحاب الجيوش، والجنود فوق سيناء عام 1967، جعل السينمائيين يتأملون ما حدث كثيرا فى الفترة التى استمرت بعد هذه الحرب وحتى عام 1973، لكن هناك مجموعة من الافلام الحربية دارت كلها فوق سيناء، وفى هذه الافلام، فانه تم النظر الى سيناء ايضا على انها سيبيريا، جاء شباب وجنود وظباط من وادى النيل للحرب فيها، وانقاذها، ولعل اشهر فيلم فى هذا الصدد هو "اغنية على الممر" لعلى عبد الخالق الماخوذ عن مسرحية للكاتب على سالم الذى صار اشهر مؤيد للتطبيع بين مصر واسرائيل فيما بعد . 
تدور احداث الفيلم كله فى ارض سيناء عام 1967، حيث يجد خمسة جنود انفسهم محاصرين فى احد الممرات الحيوية، بعد ان مات كل افراد الفصيلة اثناء المعارك، لقد انقطع اتصالهم بالعالم، وبقيادتهم بعد أن أصاب العطب الجهاز اللاسلكى، وصاروا محبوسين ضائعين فوق رمال سيناء، اكبرهم الجاويش محمد، وهو فلاح ترك ارضه ليلتحق بحرب 1956، وقام الابناء بزراعتها، وها هو جاء ليحارب مرة اخرى، فأمن سيناء حسب منظوره هو امن الوطن كله، اما الجندى الثانى فهو الفنان حمدى الذى يود أن يصبح مطربا مشهورا، فشل فى قصة حب، ووجد فى سلاحه السعادة، اما شوقى فانه مثالى فى احلامه، ومسعد النجار الذى يستعد للزواج، لقد ترك خطيبته وودع امه فى دمياط وذهب الى الحرب سعيدا، يتسم بخفة ظل ملحوظة . 
فى الفيلم تقوم القوات الاسرائلية بالهجوم على الممر، ويستشهد اربعة منهم فوق رمال سيناء, بينما يضرب جرس اللاسلكى ثم يصمت تماما . 



ابتداء من هذا الفيلم، وبالنظر الى مجموع الافلام التى تم انتاجها عن انتصار اكتوبر "العبور" سوف نلاحظ ان مصر بأكملها تبلورت فى سيناء، وان وجود كيان الدولة تمثل فى الحصول على النصر، واستعادة جزء من سيناء، وان العبور الذى قام به الى شرق قناة السويس، وبمجرد ان تطأ أقدام جنودنا مساحات صغيرة جدا من سيناء هو انتصار لمصر بأكملها، وقد عبر احسان عبد القدوس من خلال اقصوصته "الرصاصة لا تزال فى جيبى"، عن مكانة سيناء، عندما قام بدو الصحراء بإيواء الجندى محمد فى خيامهم، وساعدوه ان يعود الى الوادى، بعد ان ارتدى ملابسهم، وقد كانت اقصوصة بمثابة إعلاء لمكانة اهل سيناء الوطنية، فهم يساعدون فى إفلات محمد من الاسر، اما الفيلم الذى اخرجه حسام الدين مصطفى عام 1974، فلم يعط لابناء سيناء الاهمية نفسها التى رأيناها فى النص الادبى، واهتم بمعركة اكتوبر فى المقام الاول، وفى بقية الافلام التى تم انتاجها عن هذه الحرب . 
والغريب أن السينما المصرية فى كل الافلام حول نصر اكتوبر، قد نظرت فقط الى ارض سيناء، دون النظر الى سكان هذه الارض، باعتبار انهم مصريون يعيشون فى ظل الاحتلال الاسرائيلى، وكان الهدف المعلن من حرب اكتوبر، هو تحرير سيناء، دون ان نرى سيناوياً واحداً فى افلام مثل "ابناء الصمت", و "بدور"، "الوفاء العظيم"، "الرصاصة لا تزال فى جيبى".. وغيرها . 
 
ولعل ابرز فيلم فى هذه الفترة، رأينا فيه اهالى سيناء هو "وضاع حبى هناك"، اخراج على عبد الخالق عام 1982، وقصة الفيلم تؤكد مسألة النظر الى سيناء على انها اقرب الى سيبيريا، فالفيلم مقتبس من الفيلم الايطالى "زهرة عباد الشمس" لفيتور دى سيكا عام 1968، الذى تدور احداثه حول زوجة ايطالية تذهب الى روسيا بحثا عن زوجها الذى كان يحارب فى الجبهة السوفيتية ولم يعد من الحرب، ولم تأت عنه أخبار . 
رأت السينما المصرية ان المرأة المصرية التى فقدت زوجها فى حرب 1967، اقرب الى الزوجة الايطالية، فتقرر السفر الى سيناء بحثا عن زوجها عقب نهاية الحرب، فالزوج حسين لم يعد مع العائدين من الحرب، وتنتاب الزوجة الأحاسيس انه لم يمت، ولا يزال على قيد الحياة، لا تكف نادية عن السؤال عنه لدى الجهات المسئولة، خاصة القوات المسلحة . تمر السنوات، وبعد حرب اكتوبر وعقب مباحثات الكيلو 101، تسافر الزوجة الى سيناء مع وفد من الصحفيين الاجانب بحثا عن زوجها، وهنا نعود لنرى ابناء سيناء الذين لم تحدثنا السينما عنهم كثيرا، وتجاهلتهم، خاصة فى افلام الحرب، وفى الكثير من القبائل البدوية، تعرض نادية صورة على كل من تقابلهم وبعد بحث طويل ترشدها إحدى البدويات الى مكانه، حيث انها قامت بحمايته من قوات الاحتلال الإسرائيلى . 
تفاجئ نادية بان "حسين" قد تزوج من امراة اخرى، سيناوية، مثلما تزوج الجندى الايطالى من امرأة روسية عثرت عليه فوق الجليد، اما السيناوية فقد وجدت الزوج مصابا برصاصة فى صدره، وفاقدا للذاكرة بعد احدى الغارات، فنقلته الى منزلها، وعاش معها بعد ان تزوجها، وعند مغادرتها المنزل تقابل نادية "حسين" فتجده فاقدا الذاكرة تمام، لا يتعرف عليها، وينشغل بمداعبة ابنه الصغير، فتعود مكسورة الجناح . 
وفى الفيلم الإيطالى، فإن القوات العسكرية الفاشية دخلت روسيا، وهزمها الجليد، و لا اعتقد ان جنديا مصريا قد توغل الى مسافة كبيرة فى حرب اكتوبر، مثلما صور لنا الفيلم . 
فى هذه الفترة، تم إنتاج فيلم جديد يحمل اسم شبه جزيرة الجزيرة العائدة تحت اسم "اسود سيناء" عام 1984، للمخرج الايرانى فريد فتح الله، وهو فيلم مفقود، لا نعرف اين يوجد الآن، تدور أحداثه اثناء حرب الاستنزاف، فالرقيب فهد والد النقيب منصور قائد احدى فصائل الصاعقة، يكلف فهد اثناء حرب الاستنزاف بالعبور الى سيناء لجمع المعلومات عن القيادة العسكرية الاسرائيلية، ويتعرف على الفتاة السيناوية مريم، يعود فهد بعد القيام بمهمته تدمير مقر القيادة الإسرائيلية وينجح فى مهمته إلا انه يقع فى الأسر، وتساعده مريم فى إخفائه عن قوات الاحتلال، حتى تنشب حرب اكتوبر، ويتحقق النصر، ويعود منصور الى اسرته . 
بعد مبادرة السلام، تغيرت صورة سيناء فى الحياة، وفى السينما، وتحولت الى مزار سياحى كبير للمصريين والأجانب، إلا ان بعض الافلام تعاملت معها على انها ارض البطولات، والتجسس، وفى اغلب الافلام السابقة على معاهدة السلام، لم يكن هناك تمييز بين جنوب شبه الجزيرة، وشماله، وقد حظى الشمال، خاصة منطقة العريش باهتمام ملحوظ فى قصص الافلام، باعتبار ان اسرائيل جاءت بجيوشها من هذه المنطقة، ولم نبدأ فى مشاهدة جنوب سيناء إلا من خلال أفلام بعد عودة سيناء كما سنرى .
 
لكن لا يمكن إغفال موضوع، ومكانة فيلم "إعدام ميت" لعلى عبد الخالق عام 1985، وهو مأخوذ من احدى قصص الاستخبارات الحقيقية، والقصة تؤكد المنظور الهامشى لسيناء بشكل عام، فهى أرض عمليات، تدار من تل ابيب والقاهرة، وتدور احداث الفيلم قبل حرب اكتوبر فى اطراف سيناء من خلال احدى الاسر البدوية، وفى الفيلم معنى كبير، وفاضل، حول المشاعر الوطنية لبدو سيناء، حين يقوم الأب بطعن ابنه الخائن حال تسلمه إياه، وقوله له، وهو يطعنه متألما: "بيدى.. لا بيد غيرى" لقد اراد الأب ان يغسل عار الخيانة التى ارتكبها ابنه من خلال غسل هذا العار بالسكين، رغم ان منصور هو ابنه الوحيد.
 
تنتقل الأحداث كما اشرنا، بين القاهرة، وتل ابيب، لكن الجزء الاكبر من الأحداث يدور فوق ارض سيناء، وهناك إشارة فى الفيلم تدور أحداثه فى غزة، باعتبار أن هذا الجزء من الأرض، بالإضافة إلى سيناء كلها أرض احتلها الإسرائيليون، وقد تم تبادل الجاسوس منصور برجل الاستخبارات المصرى عز الدين عند حدود قناة السويس، باعتبار ان عز الدين شبيه بمنصور وقد تم غرسه وزرعه فى سيناء، وسط أهله, من اجل التوصل لمعرفة أسرار حول مفاعل ديمونة، ولجأت فتاة الاستخبارات إلى حيلة إحلال عز الدين محل منصور للتشابه الملحوظ بين الشابين، ووجد عز الدين نفسه يعيش فى مجتمع بدوى، متشدد فى سلوكه، وعاداته، كما يجد نفسه واقعا فى غرام شقيقة عز الدين، التى لا تلبث ان تكتشف حقيقته من خلال عدم وجود علامة فى أصبع قدمه، وعندما يكتشف الأب وجود علاقة ما بين الابن المزعوم، وشقيقته، فإن قلبه ينكسر بشكل ملحوظ، ويردد: "ياه.. ما بين الأخ وأخته، ثم يكتشف الحقيقة، ويكظم الغيظ فى قلبه، حتى يتم تبادل الجواسيس، ولا يصبر الاب على ان يقوم بواجبه، فهو يطعن ابنه عند اول عناق يتم بينهما، وليس بعد ذلك وفى هذا صورة ايجابية لموقف ابناء سيناء فى السينما، بالإضافة الى مساعدتهم للجندى محمد فى الأقصوصة التى كتبها إحسان عبد القدوس . 
 
سيناء هنا هى ارض عمليات إبان حرب الاستنزاف، وهى أيضا أرض تماس فيها عمليات التجسس، فحرب الذكاء بين الموساد ووكالة الاستخبارات المصرية، تنتقل من المكاتب إلى ارض سيناء، فعز الدين ينجح فى زيارة مفاعل ديمونة، ويقوم بإرسال رسالة الى إدارته ويرتاب فيه ظابط الموساد، ويقوم بالقبض عليه، ثم تستمر الأحداث . 
أما بعد معاهدة السلام، ونزول المصريين إلى سيناء خاصة الجنوب، فإن الأفلام المصرية صارت اقرب الى التحذير فى المقام الاول، وذلك قبل ان يتم انتاج الكم الهائل من الافلام السياحية الروائية التى تدور أحداثها فى شرم الشيخ، وجنوب سيناء، وهى تحتاج إلى دراسة منفصلة لأهمية هذه المرحلة. 
 
بدت سيناء منطقة مليئة بالمحظورات، والتحذيرات خاصة للمصريين الذين يذهبون إلى هناك، من خلال أفلام عديدة، وكثيرة, لكننا سوف نتوقف فقط عند فيلمين لهما أهميتهما، ورغم العدد الكبير من الافلام، فان سمة التحذير تبدو هنا واضحة، فى الفيلمين وهما "الحب فى طابا" إخراج أحمد فؤاد عام 1992 و"فتاة من اسرائيل" لإيهاب راضى 1999، أما عناوين الافلام الاخرى فهناك "الطريق الى نويبع" . 
"الحب فى طابا" فيلم يحذرك من عمل أى علاقة من أى نوع مع البنات الأجنبيات اللاتى من السهل ان يتم الالتقاء بهن، فى اى رحلة سياحية تقوم بها الى سيناء، خاصة بالنسبة للشباب, مثل الدكتور فخرى الطبيب فى احدى المستشفيات والمتزوج عن حب، وينتظر مولوده الاول، وأيضا مصطفى الموظف بالمستشفى نفسها "زير النساء" المحنك، الذى يرفض الاستقامة، اما الثالث خالد، فعلى النقيض تماما، فهو رومانسى خجول، فى حياته قصة عاطفية ستؤدى إلى الزواج، هؤلاء الشباب الثلاثة يسافرون فى رحلة سياحية تستمر عشرة ايام الى سيناء، أى اننا فى فيلم ينظر الى الثلاثة يسافرون فى رحلة سياحية تستمر عشرة ايام الى سيناء، اى اننا فى فيلم ينظر الى سيناء كمنتجع سياحى، ولا نرى فيه ابناء شبه الجزيرة، فنحن ننتقل بين الاتوبيس السياحى والفندق، واماكن السياحة، حيث ستقوم علاقة كاملة مع ثلاث بنات فاتنات، أجنبيات طوال الرحلة، ثم يغادرن الشباب، وهن يرددن: نحن مصابات بالايدز، ويوحى الفيلم ان سيناء هى منطقة خطر، وأن الوقوع فى تجربة مع بنات قد تؤدى الى كوارث، كما ان الفيلم يؤكد ان البنات اتين من الحدود الإسرائيلية المصرية، وان لديهن "مهمة" هى اصابة شباب مصر بالايدز، وقد عاش الشباب فى ظروف بالغة الصعوبة، بعد العودة الى القاهرة، والإحساس بأنهن مصدر عدوى لمن حولهم, وأن الإيدز سوف ينتشر بقوة فى المجتمع بصرف النظر عن الموت القادم حتما. 
الفيلم يحذر من التطبيع، وقد اتضح ذلك مرة أخرى فى ظروف متشابهة فى فيلم "فتاة من اسرائيل" فنحن ايضا امام مجموعة من الشباب، يذهبون الى طابا، فى جنوب سيناء، فى رحلة سياحية، وهناك ايضا اشخاص اخرون، مثل الزوجين اللذين فقدا ابنهما الاكبر فوق ارض سيناء فى عدوان يونيو، بالإضافة الى رجال اعمال، يتاجرون بشكل مباشر مع اسرائيل.
نفس الاتوبيس السياحى موجود، وايضا فندق طابا الذى تم استرداده من سيناء، وشراء حق الانتفاع به، وقد كانت زيارتى مع وفد نقابة الصحفيين عام 1986 الى هذا المكان، ورأيت الادارة الاسرائيلية متمثلة فى العديد من الاشخاص، مثل مديرة العلاقات العامة التى كانت تتقن ثمان لغات، من بينها العامية المصرية، أى أنه فى مثل هذا الفندق فأنت تجد نفسك بشكل مباشر، فى مواجهة الإسرائيليين وعليك أن تتعامل معهم، مهما تكن رافضا لهم، وقد بدا ذلك بوضوح لدى الشباب ابطال الفيلم واغلبهم صغير السن قليل التجربة، ومنهم المهندس طارق الذى ينقذ فتاة إسرائيلية من الغرق، وتقع فى هواه.. ويسعى أبوها إلى أن يأخذه معه إلى إسرائيل، تمهيدا لتسفيره الى الولايات المتحدة، كما ان هناك شابا سرعان ما يصبح صديقا للشباب الإسرائيلى، ويذهب معهم، ويقضى سهرات ماجنة، بينما اغلب الشباب الذى لم يعش زمن الحرب، يرفض التواصل مع الإسرائيليين . 
تدور الأحداث هنا فى اطراف سيناء، التى صارت بمثابة منطقة سياحية جذابة، للإسرائيليين أولا، ثم المصريين والأجانب، لكن الأفلام الأولى التى دارت أحداثها فى هذه المنطقة امتلأت بالتحذيرات، سواء من الإيدز او التطبيع، وفى هذه الأفلام، كما أشرنا، اختفى سكان سيناء من البدو، ولم نرهم يقومون بأى دور.
وقد ذكرنى هذا بحوار دار بينى وبين احد سكان العريش فى مخيم الشباب فى النصف الثانى من التسعينيات، حين أشار بدون تلعثم أن أيام الاحتلال الإسرائيلى كانت اأضل بكثير من عودة المصريين الى سيناء، واخذ يعدد لى التسهيلات الإدارية لقوات الاحتلال والتعقيدات الإدارية المقابلة للمصريين عقب معاهدة السلام . 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع