فنون

نوعية الموسيقى تعكس راديكالية المجتمعات أو ليبراليتها

فى كتابها "الأغنية الشعبية فى مصر" ترى د. ياسمين فراج أن علاقة الفن بالمجتمع علاقة تبادلية، فدائمًا ما تؤثر الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى المبدعين أو العاملين بالحقل الفني، وكذلك تؤثر الفنون فى مشاعر وأحاسيس أفراد المجتمع، خاصة الموسيقى والغناء. فراج تنقل عن هيجل قوله الذى يؤكد ما ذهبت إليه، حين قال إن الجميل الفنى أسمى من الجميل الطبيعي، لأن الروح هنا تلامس الحساسية. الكاتبة تذكر أن كتابها هذا يبحث فى التغيرات التى طرأت على المجتمع المصرى من خلال الأغنية الشعبية المصرية، وتصفه بأنه دراسة خاصة تنتمى إلى علم اجتماع الموسيقى. هنا تطرح الكاتبة سؤالاً وهو لماذا الأغنية الشعبية؟ وتجيب بأنها هى التى تنبع من أزقة وحارات وضواحى ونجوع وأقاليم مصر، عاكسة القيم الحاكمة لمنتجى وجمهور هذه النوعية من الأغنيات، وتفصح عن منظومة القيم المجتمعية فى الفترة الزمنية التى أُنتجت فيها. الكاتبة ترى كذلك أن مصر قد شهدت فى عصرها الحديث أحداثًا جسامًا أثرت على سياسات الدولة والمجتمع تأثيرًا كبيرًا، سواءً أكان بالسلب أم الإيجاب، وفى كل حدث منها تطور شكل ومضمون الأغنية الشعبية وبالتبعية تغيرت جماهيرها. هنا تورد الكاتبة ما ذهب إليه عالم الاجتماع توماس من أن الناس يتصرفون فى الظروف الطبيعية تحت تأثير العادة ويستمرون كذلك فى الحياة اليومية، وعندما تواجههم الأزمات تكون هناك حاجة إلى عملية واعية من جانب الفرد، كى يشكل سلوكًا وعادات جديدة، يرتبط بها الفرد بالجماعة، فتنتج عن ذلك الازدواجية الثقافية، التى تظهر فى الحاجة الواقعية لتجديد النفس. 
 
رموز قابلة للتبادل..
هنا أيضًا تنقل الكاتبة عن محسن بوعزيزى قوله إن الكلمات والموسيقى ما هى إلا رموز تُقدم فى شكل أغانٍ تؤثر فى إحساسنا اليومى بالعالم، وهى تتوسط فى نقل المعانى والأحداث بشكل رمزي، والرموز تنتقل بين الناس من خلال الاتفاق المتبادل بالكلمات والنغمات والأداء لكى تدل على التجارب التى يمر بها الناس والمجتمع، وتعكس وعى الناس بأنفسهم والعالم المحيط بهم وتعكس طريقة بناء الناس للحقائق أثناء الأداء الشفهى وجهًا لوجه. بوعزيزى يرى أن الأغنية الشعبية تضع الأحداث الاجتماعية والسياسية فى مضمون كلمات ونغمات، تتحول إلى رموز قابلة للتبادل فى شكل غير ملحوظ. هنا فراج ترى أن نوعية الموسيقى والغناء، فى أى دولة، تعكس مدى تحضرها أو تخلفها فكريًّا، تمسكها بقيم رجعية سلفية أو قيم تقدمية حديثة ومعاصرة، تعكس راديكالية المجتمعات أو ليبراليتها. 
 
خصائص الأغنية الشعبية..
فى "الأغنية الشعبية فى مصر" نعرف، من خلال الكاتبة، أن أروين أدمان يقول إن الفن ذكاء إنسانى يقوم بدوره فى مسرح الطبيعة ويحركها فى صدق وإخلاص إلى تحقيق أهداف إنسانية، والحضارة الكاملة قد تتلاقى وتتطابق مع الذكاء والعقل الكامل، والحياة فى مثل هذه الحالة قد تناظر الفن، وبقدر ما تكون الحضارة مختلطة النظام، بقدر ما يكون ذلك دليلاً على المدى الذى لا تزال الدوافع العشوائية والعادات التى تجافى العقل تتحكم فى أفعالنا وتدبر حياتنا. فى كتابها هذا تحاول فراج أن تصل إلى تعريف لمصطلح الأغنية الشعبية، وهى فى هذا تنقل عن الباحث البريطانى G. Famsci شرحه لطبيعة الأغنية الشعبية التى يرى أنها هى التى كُتبت إما بواسطة الشعب أو من أجله بشكل انتقائي، أو هى الأغانى التى يغنيها الشعب بشكل خلاق ويكفيها طبقًا لمعاييره الخاصة لكى تخدم طريقته فى التفكير وفى التعبير عن مشاعره. أما د. أحمد مرسى فيُعرفها بأنها تعبيرات شفاهية تنتقل عبر المكان والزمان، لها طبيعة فنية خاصة بالإضافة أن لها جمالياتها التى تثير المتعة فى نفوس من يستمعون إليها، فالجماعة تعتمد على التشخيص الشفاهى لكى تجسد من خلاله معرفتها ومتعتها. هنا أيضًا تذكر فراج أن الدارسين قد حددوا بعض الخصائص التى تميز الأغنية الشعبية من أهمها الشفاهية والأصالة والارتباط بالتراث الثقافي، والأداء الدرامى والإرسال الثقافى بين الجماعة المحلية غير معروفة المؤلف والاستمرارية. 
 
تمجيد العمل اليدوى..
الكاتبة ترى أن جميع التعريفات التى حاولت تعريف الأغنية الشعبية صحيحة لأن الأغنية الشعبية فى واقع الأمر ليست نمطًا واحدًا ثابتًا، إنما هى شكل فنى سبق وأن تغيّر وما زال فى تغيير مستمر طالما أن أفراد الشرائح المجتمعية يتغيرون بحكم الظروف الثقافية والاقتصادية والسياسية. فى كتابها هذا تُعرفنا الكاتبة على أنواع متباينة من الغناء الشعبى داخل المجتمع الواحد، ولكل منها سماته الخاصة، كما نعرف أن الأغنية الشعبية بالنسبة للفلاحين الذين يزرعون الأرض تختلف عنها فى المناطق الشعبية، وتختلف عنها أيضًا المناطق التى تعتمد على الصيد. فراج بعد أن ترصد وتحلل أنماط الأغنية الشعبية بعد 23 يوليو 1952 تقول إن أبرز الأغنيات الشعبية فى بداية القرن العشرين كان ما قدمه فنان الشعب سيد درويش ابن الحى الشعبى السكندرى كوم الدكة، ومن أشهر أغانيه الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية، القلل القناوي، لحن الشيالين، البحر بيضحك وأنا نازلة أدلع أملا القلل، طلعت يا محلا نورها وغيرها من الأغنيات التى كانت موضوعاتها تعبر عن حياة الطبقات العاملة والفلاحين بلحن بسيط وإيقاعات نابعة من البيئة المصرية، وهى فى واقع الأمر أغنيات شعبية شعبوية مجدت العمل اليدوى والشرائح المجتمعية الكادحة ورصدت واقعهم. كما تذكر أن هناك أنماطًا جديدة قد ظهرت بعد هزيمة 67 من الغناء الشعبى الحداثى جنبًا إلى جنب النماذج الغنائية الشعبية الحداثية الأخرى، مضيفة أن الأغنية الشعبية حاولت الخروج من حيز الفلكلور لحيز آخر أكثر رحابة فى محاولة من صناعها لمواكبة ما هو حديث للحفاظ على نفسها من الاندثار حتى ولو كان على حساب بعض المعايير المكونة للأغنية الشعبية الفلكلورية والشعبوية، فبقدر ما حملته الأغنية الشعبية بنوعيها من حداثة بقدر ما فقدت الكثير من شكلها ومضمونها التقليدى لتبدأ مراحل التدنى الجزئى للأغنية الشعبية بمفهومها التراثي، ومن زاوية أخرى كانت هذه الأغنيات الشعبية الحداثية محاولة لإيقاف تدمير ما تبقى من الذات الشعبية المصرية. 
 
حكيم ما بعد حداثي..
فى "الأغنية الشعبية" تحدثنا الباحثة ياسمين فراج عن المطرب الشعبى شفيق جلال، عن أحمد عدوية والخارجين من عباءته، عن كتكوت الأمير، كما تكتب عن الغناء الشعبى بعد انتصارات أكتوبر، وظهور فاطمة عيد وعبد الباسط حمودة وطارق الشيخ وحكيم الذى تعتبره الكاتبة حلقة وصل ما بين الحداثة وما بعدها لأنه أول مطرب شعبى يقوم بالرقص فى حفلاته، وظهوره بالملابس المعاصرة المتناسقة ومشاركته بالغناء مع مطربين عالميين غنوا بلغات مختلفة. كذلك تكتب فراج عن الأغنية الشعبية فى عصر ما بعض الحداثة وعن الفرق الغنائية الشعبية ما بعد الحداثية، وعن الأغنية الشبحية أو أغنية المهرجانات. هذا وتختتم فراج كتابها هذا بفصل تخصصه لنقد تحليلى لبعض الأغنيات الشعبية ومنها أغنيات أيوب وناعسة لخضرة محمد خضر، والدنيا لو كشرت لمحمد طه، وأما نعيمة لليلى نظمى والكورال، و"السح الدح إمبو" لأحمد عدوية، وافرض لحكيم والكورال وغيرها. 
وأخيرًا، وكما كُتب على غلاف الكتاب الأخير، يؤكد أرسطو أهمية الفن لسياسات الدول حين يقول إن الفن يمكن أن يُعد سياسة لو قُدرت أهميته تقديرًا سديدًا. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع