فنون

الشيخ سيد الصفتي..

من الغناء الديني إلى الدنيوي

زكى نجيب محمود
.
 
.

علم من أعلام القوالة والطرب، وأستاذ من أساتذة الموال والموشح في عصر النهضة، شحيحة المصادر المصرية التي يمكن الاعتماد عليها في التوثيق لهذا المطرب العلم، فحتى لقب "الصفتي" لا يستطيع أحد حتى الآن أن يجزم بسببه، وهل جاء لميلاده في قرية صفت تراب في طنطا، أم لأنه ولد في صفت اللبن بالجيزة.


كامل الخلعى

عمل الصفتي مذهبجيا في بطانة الشيخ إبراهيم المغربي الطنطاوي، وقال كامل الخلعي في كتابه "الموسيقية الشرقية" إنه "الخلعي" كان يلحن للطرق الصوفية، وكان يلقن الموشحات للمشايخ، ويذكر منهم سيد الصفتي، مما يؤكد أن الصفتي ظل فترة طويلة مشتغلا بالإنشاد الديني، قبل أن ينتقل منه إلى الغناء الدنيوي، لاسيما مع دخول أوائل القرن العشرين، وانتشار شركات الإسطوانات.

وبالرغم من تمكن الصفتي من أداء كل القوالب الغنائية السائدة، إلا أنه اهتم اهتماما بالغا بقالب الموشح، حيث وصلنا من تسجيلاته عدد كبير نسبيا، لاسيما إذا قارناه بما وصل من موشحات الشيخين يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي.

ومن الموشحات الشهيرة التي أداها الصفتي ووصلتنا تسجيلاتها: بالذي أسكر من عرف اللمى، أهيم شوقا، يا غزالا زان عينيه الكحل، قد حركت أيدي النسيم، أنا لا أسمع المليم، يا ميمتي، عنق المليح الغالي، أهوى قمرا، لما بدا يتثني، هل على الأستار هتك، حير الأفكار، يا أخا البدر.. وغيرها.

وعن علاقة مطربنا بقالب الموشح، جاء في موقع مؤسسة التوثيق والبحث اللبنانية أن عمل الصفتي مذهبجيا في فرقة الشيخ إبراهيم المغربي "أتاح له فرصة تعلّم الأوزان المركّبة الّتي تختصّ بها الموشّحات، فتميّز بذلك عن سائر مطربي المدرسة الخديويّة.. فكان من القلائل بين كبار مطربي المدرسة المصريّة الذين حفظوا وسجّلوا عددا مهما من الموشّحات بمجرّد دخول صناعة الإسطوانة مصر. كما أنّه المطرب الوحيد الذي سجّل آنذاك صيغا غير مختصرة من موشّحات لُحِّن بعضها على أوزان مركّبة في حين كان غيره من المطربين، مثل يوسف المنيلاوي وأبو العلا محمّد وعبد الحي حلمي، يفضّلون اختزالها".


يوسف المنيلاوى

كان انتقال الصفتي من قراءة القرآن، وإنشاد التواشيح، إلى الغناء الدنيوي تدريجيا، ولا يُعلم على وجه اليقين تاريخ انقطاعه عن الغناء الديني، إلا أن بعض المصادر تؤكد أنه ظل يمارس اللونين معا حتى السنوات الأولى من القرن العشرين.

واتسم أداء سيد الصفتي بالرصانة والهدوء، لاسيما في أداء الأدوار، حيث يعتبر الصفتي أحرص رواد الطرب على أداء الألحان كما صاغها واضعوها، فيقتصد في التصرفات والارتجال، حتى اعتبره بعض المهتمين أنه "المطرب الأمين"، و"إمام الدور".

وعلى ذكر الأدوار، فقد أدى الشيخ سيد الصفتي عددا كبيرا من هذا القالب المهم، وسجل كثيرا منها لشركات الإسطوانات المعروفة في تلك الحقبة ومن تلك الأدوار: أشكو لمين ذل الهوى، وسجله لشركة بيضافون، والحسن أنا عشقته لشركة أوديون، وانظر لحسن الجميل لشركة جرامفون،  وألحاظ حبيبي يا ناس لشركة بوليفون.

كما سجل الصفتي الأدوار الشهيرة: كادني الهوى، وأعشق بروحي مليك الجمال، وأنت أصل البدر عندي، وبافتكارك إيه يفيدك، والبلبل جاني وقال لي، وفي البعد يا ما كنت أنوح، والكمال في الملاح صدف، ويا طالع السعد افرح لي، ويا قلبي مين قالك تعشق، والصباح لاح ونور.. وغيرها كثير.

أما قالب الموال، فكان له من اهتمام الصفتي نصيب وافر، فالرجل من أصحاب الأصوات القديرة، وإذا كان من سمته الحفاظ على البنية اللحنية للدور والموشح، ففي الموال متسع لاستعراض مهارات الارتجال، ومن حسن الحظ أن عددا كبيرا من مواويل الصفتي قد وصلنا مسجلا على اسطوانات، ومنها: بحب لكن حبيبي للعوازل، يا دايق النوم اوصف لي أماراته، يا حلو داري عيونك، قم في دجى الليل، يا بدر تم الجميل، الخال على الخد، الليل أهو طال وعرف الجرح ميعاده، يا مالك الروح والقلب الشجي، أنا الجسد وأنت روحي، وغيرها.



وربما كان الصفتي مقلا في أداء القصائد، أو هكذا نظن بسبب قلة ما وصلنا من تسجيلاته لقالب القصيدة مقارنة بالأدوار والموشحات والمواويل، إلا أن المؤكد أن الصفتي أدى القصائد ببراعة، وسجل بعضها لشركات الإسطوانات، ومن أهم هذه التسجيلات: أراك عصي الدمع، ألا في سبيل الله ما حل بي منك، غيري على السلوان قادر، تذلل لمن تهوى، أيها الإخوان يا أهل الفطن، يا مليح اللمى.

كان الصفتي مطربا غزير الإنتاج، دائم النشاط، مكثرا من التسجيلات، وتصف مؤسسة البحث الموسيقي اللبنانية نشاط الصفتي الفني قائلة: "كان أحد أغزر الفنّانين إنتاجا وأكثرهم شعبيّة.. وأغلب الظنّ أنّه أصدر ما يزيد على ثلاثمائة إسطوانة بين إسطواناته الأولى التي سجّلها لـ"زونوفون" سنة 1903 وإسطواناته الأخيرة التي طبعتها شركة بوليفون في أواخر العشرينيات.. وقد عمل خمس سنوات متتالية (من 1905 إلى 1910) بلا انقطاع دون أن يستريح ولو ليلة واحدة. وكان إلى جانب سلامة حجازي من الفنّانين الذين سافروا في رحلات فنيّة طويلة إلى سوريا ولبنان حيث 
ترك أثرا عظيما، حتّى إنّ جلّ ما بلغنا من معلومات عن هذا الفنّان قد ورد في المصادر السورية المكتوبة".

وبالرغم من أن بعض المصادر تتحدث عن غناء الصفتي للإذاعات الأهلية، إلا أن الباحث المحقق المستشرق فريدريك لاجرانج يؤكد أن الصفتي لم يغن لا للإذاعة الحكومية التي افتتحت قبل وفاته بخمس سنوات ولا للإذاعات الأهلية، ولا للبي بي سي العربية، مرجحا أن يكون قد اعتزل الغناء قبل افتتاح الإذاعة بسبب ما طرأ على صوته من وهن مع تقدم السن.


سيد الصفتى

جمع الصفتي ثروة طائلة من كد صوته، وعظيم فنه، لكنه بددها كلها على ملذاته، فقد كان مسرفا مدمنا للكحول، شغوفا بالنساء، وتزوج أكثر من مرة، وفي فيلم "بمبة كشر" للمخرج حسن الإمام، جسد الفنان سعيد صالح دور الشيخ سيد الصفتي باعتباره زوجا لـ"العالمة" المشهورة، ويغني معها عددا من الطقاطيق الخليعة، وهو أمر بعيد جدا عن الحقيقة، فتسجيلات الصفتي تظهر أنه أدار ظهره تماما لقالب الطقطوقة، وهي نقطة يلتقي فيها مع العملاق يوسف المنيلاوي.

ومن المؤسف أن الأعمال الفنية التي تناولت سيرة بعض رواد الطرب في عصر النهضة تمتلئ بالأخطاء التاريخية، والشائعات التي لا أصل لها، وبغض النظر عن الصورة التي أظهر بها حسن الإمام شخصية سيد الصفتي في فيلمه، فلا يمكن أن نغض الطرف عن أن مسألة زواج المطرب الكبير من بمبة كشر لم ترد في أي مصدر أو شهادة، ولم يعرف بها أحد إلا من خلال هذا الفيلم.



ولد الشيخ سيد الصفتي عام 1867، وحقق في دولة الطرب مكانة كبيرة جدا، وتهافتت عليه شركات الإسطوانات، حيث كان يحقق مبيعات واسعة في مصر وخارجها، لاسيما في بلاد الشام، لكنه رحل عام 1938، دون أن يشعر به أحد، بعد أن اعتزل الغناء، وآوته أخته في قريتهما، مشترطة عليه ترك شرب الخمر، وهجر المحافل العامة.

(10 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع