فنون

منير كنعان.. هكذا تولد اللوحة

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر فى خط مستقيم بادئا من حافة الإطار هنا إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية فى أى موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر فى مختلف الاتجاهات، عائدا آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، كذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتباه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة فى توجيه صاحب تلك الحياة. 
فما هى تلك اللحظات الأمهات فى حياة الرسام الكبير منير كنعان (1919-1999م)؟
بادئ ذى بدء نضع هذه الحقيقة أمام القارئ قبل استعراض اللحظات الحاسمات فى حياة كنعان حيث كان الزمن بالنسبة لكنعان يقاس باللوحات التى أنجزها لا بأوراق النتيجة التى يقلبها، جاءت هذه الحقيقة على لسان رفيقة دربه الكاتبة الكبيرة / سناء البيسى، فكنعان علم نفسه بنفسه، بدأ أول تعاملهُ مع الرسم وهو فى سن السادسة عشرة من عمره، عندما عمل لدى رجل يملك وكالة صغيرة تخصصت فى عمل لوحات الدعاية والإعلانات أو ديكورات واجهات المحلات، وفى ذلك العصر فى نهاية الثلاثينيات كانت مثل هذه الأعمال الفنية شبه محتكرة من الحرفيين الأجانب. وقد عرف فى هذه الفترة كيف يتعامل مع الخامات المختلفة وواجه أساليب فنية عديدة مثل الرسم على الزجاج، وفى عام 1940 م التحق بشركة إنجليزية ليرسم وينفذ لوحات للدعاية ضد الألمان، ثم انتقل عام 1942 م لشركة أمريكية ليرسم خرائط جغرافية وهنا بدأ يتدرب على الرسم. وفى عام 1945م ألتحق بمؤسسة أخبار اليوم الصحفية كرسام ومسئول عن إخراج مجلات عديدة ثم تم اختياره مشرفا فنيا للمؤسسة. 
ومنذ عام 1942م قرر كنعان أن يلحق نفسه فى جامعاته الخاصة فتدرب على رسم البورتريهات وفى تعليقه على فن البورتريه عند كنعان يقدم الأستاذ/ أحمد فؤاد سليم شهادته بأن كنعان قد أنتج مجموعات فى فنون الوجه الإنسانى تكشف عن مهارة فائقة اجتاز بها مناطق المصاعب فى التجسيم، والنسب من الأذن إلى الشفتين، ومن تجويف الأنف إلى الشفة العليا، إلى العلاقات التشريحية الرشيقة بين الوجنات. 
 


ومحاجر العينين. وكانت وجوهه الجالبة للدهشة بما فى ذلك معالجته للجسد العارى مليئة بتلك السلاسة والبلاغة التى نراها فى أعمال الرسامين العظام. 
ثم بدأ يرسم مشاهد من الحياة العامة فى الشارع، ولم يرض أبدا عن النتائج التى كان يتوصل إليها.. فكان يمضى ساعات طويلة وهو يرسم،، خاصة سائقى عربات الكارو الذين يشاهدهم كل يوم أحد فى مقهى يتجمعون فيه فى منطقة من حى شبرا، وهى من أكثر المناطق شعبيه فى القاهرة. 
وفى عام 1944م اشترى منه متحف الفن الحديث فى القاهرة إحدى لوحاته "المقهى الشعبى" وهى بالألوان المائية، وفى عام 1945م نفذ عشرات اللوحات التجريدية بالألوان المائية، وعرضها وقتها على صديق أمريكى كان يعمل معه فشجعه على المضى فى هذا الاتجاه وأطلعه بدوره على تجارب التعبير التجريدى الأمريكى لهذا العصر. 
ويقول كنعان إنه مع هذه اللوحات أحس لأول مرة بمتعة الرسم، ولكنه كان فى نفس الوقت يرتعب من الاتجاه التجريدى فى بعض ما نفذه وخاصة بالنسبة لوسط فنى يشن عداءه على كل ما هو غير تصويرى وعلى مدى تسع سنوات ظل يحاول إبعاد هذه النزعة نحو التجريدية متمسكا بالرسم التصويرى. 
وأصبح لهُ مرسم فى درب اللبانة بجوار قلعة صلاح الدين وهو حى مملوكى أصبح شعبيا وأستقر فيه كثير من الفنانين. ومنذ ذلك الوقت أصبحت حياته موزعة بين عملين.. فى الصباح يرسم وينفذ ماكيتات لمجلات مؤسسة أخبار اليوم، وبعد الظهر وفى المساء يكرس كل وقته للرسم. 

وفى عام 1946م وحتى 1956م كان يقوم برسم مشاهد من الشارع وبورتريهات، وسواء فى رسمهُ للمؤسسة الصحفية أو لوحاته فقد ترك جانبا الخط الأكاديمى ليحاول آلاف التجارب على الألوان والتكوين وخطوط الرسم. 
وقدم فى هذه الفترة أعمالا تحس فيها تأثير"سيزان" والمدرسة التكعيبية والتعبيرية أيضا، وهذه السنوات العشر انتهت برحلتين.. الأولى إلى بولندا والثانية إلى النوبة. وكثير من الفنانين سافروا إلى النوبة قبل بناء السد العالى فى اسوان بتشجيع من الدولة، مقدمة لهم منحا مالية ليسجلوا فى لوحاتهم ما سيغرق تحت مياه بحيرة ناصر. 
وسجل كنعان مجموعة إسكتشات عن النوبة وأعاد رسمها فى مرسمه فى درب اللبانة وهى التى ستقوده سريعا إلى التجريد مُعلنة بداية مرحلة غنية بالتجارب على العناصر التشكيلية التى تتكون منها اللوحة . بالابتعاد عن الرسم التصويرى اتجه كنعان لاختيار ما سيميزه على الآخرين فى الوسط الفنى بالقاهرة وعلى عكس ما حدث فى عام 1946م حيث انتقل فجأة من التصويرى إلى التجريدى، فإن المرحلة ما بين 1956م و1959م هى المرحلة التى ابتعد فيها الرسم التصويرى تدريجيا عن اللوحة. 
وفى خطوة أولى كان يحدد خلفية وفوقها يتضح الموضوع مثل لوحاتهُ "المرأة التى تنسج السجاد"، "واللمبة المقلوبة" ولا تزال الخطوة تقليدية حيث التصوير هو الهدف الرئيسى من عملية الرسم، وللخروج من هذا المنطق بدأ كنعان التعرض للموضوع المجسد ثم حاول تفتيته بمحاولة إبراز فقط قيمة العناصر الأساسية المكونة للشخصية أو الشيء عن طريق اللعب بلمسات الألوان أكثر من اللعب بالملامح أو الخطوط. 
 ولوحة "المرأة والسجاد" -العنوان فى الفن التشكيلى للوحه ثانوى جدا، وفى أحيان لا يكون هناك عنوان على الإطلاق- مثلا هى التى أوجدت التبرير لغزو التجريد.. إن نسج ألوان السجادة لا يترجم انعكاسات الألوان فقط ولكن أيضا تكوين النسيج حيث الرسومات الهندسية تبدو متغيرة الشكل من خلال الطيات أو الحركة وهذا بفضل المرأة السائرة. 

 

لكن كنعان أدرك حينئذ أنه حتى مع تفتيته للموضوع وسواء استخدمهُ كمبرر للاتجاه نحو التجريدية فإن الموضوع لا يزال يشير دائما إلى منطق التصوير، وأراد كنعان التخلص من هذا المنطق بالذات، وتوصل إلى مثل هذه النتيجة فى لوحة عنوانها "التكوين" وهنا كانت نقطة البداية إسكتشا نوبيا، والموضوع فى حد ذاته كمادة للتصوير لا يزال باقيا، العنصر المبرر للوحة، لكن بدلا عن أن يكون مجرد تعبير للوصول للتجريدية أصبح ملغيا إلى حد كبير وكأن المادة طغت عليه ولم تترك سوى أثر من التكوين القديم. 
وفى عام 1959م اختفى الموضوع تماما وبدت المادة هى المسيطرة واللوحات المستوحاة من النوبة لم تعد تتميز إلا باستخدام نفس مجموعة الألوان أو بمعنى آخر نفس المهارة فى التلوين، لقد أكتشف كنعان أسلوبا فنيا سيرجع إليه دوما بإثرائه بعناصر هامة متغيرة فى كل مرحله من مراحل عملهُ مع الحفاظ على الفكرة الأساسية، وهذا الأسلوب يمكن التعبير عنه بكلمة واحدة وهى " اللوح الممسوح "Palimpeste ويعتمد أساسا على مسح الرسم الأصلى أو الكتابة الأصلية والرسم فوقهُ من جديد. 
ويقوم الفنان برسم اللوحة ثم يمسحها جزئيا مع إضافة لمسات لا تترك سوى أثر يظهر من تحتها . . وهكذا تولد اللوحة. فى البداية كان لدى كنعان الوسيلة لإزالة الموضوع والسمو بالتعبير، وأذكر هنا كلمة أولاند بارسز Roland Barthes عن تومبلى Twombly تصف بالظبط مايريد كنعان أن يصل إليه. تقول الكلمات: ينبغى على الفن إظهار الأشياء ليس التى يصورها. 
والمرحلة التى تمتد من 1959م حتى 1964م لها بداية تتميز بوضوح من خلال لوحه أسمها "الحائط" والتى تحدد الانفصال عن المرحلة النوبية.. لوحته ستتحول إلى رقعة ذات بعدين ربما تسجل كل مكونات اللوحة، فلوحته تشهد استقلاليتهُ عن كل موضوع وعن كل شيء خارج عنه، إنها تنغلق على نفسها متضمنة فى نفس الوقت بدايتها ونهايتها، وسائلها وغايتها ومكونة بذلك لوحته فنية. 
وإذا كان كنعان قد أنطلق من موضوع تصويرى وهو النوبة فإنه تخلص من الموضوع وعثر على غايته المطالبة بالاعتراف بالسطح المرسوم كما هو عليه بدون اللجوء إلى ما توحى إليه الصورة. وهو كما سبق وعرضنا لم يفرض هذا الأسلوب مرة واحدة، وإنما توصل إلى اكتشافه بإسقاط من لوحته ما يريد أن يتخطاه أى التصوير والرسم التشخيصى. 

وفى اللوحة الأولى لبداية هذه المرحلة فإن الرجوع للوحة "الحائط" لا يعنى بالنسبة لكنعان الوقوع فى منطق التصوير إذ ليس له أى معنى رمزى أو غيره يتعلق بالزمن أو الوقت أو بؤس المكان. إن العلاقة المتواجدة بين اللوحة وبين أى حائط متداع للقاهرة هو من وحى الحس والانفعال المتولد من الخامة نفسها على أنها نسيج ولون، إنهُ يبرهن على أن الشعور يمكن أن يولد من الخامة بنفس الحيوية التى يولدها الرسم التصويرى. 
وفى مرحلتهُ الفنية التى وصفها هو بأنها "مرحلته البيضاء" فإن الخامة تزداد سمكا مشكله بذلك "النص الأول" الذى يعبر عنه، ولكن لتمسكه بأسلوب المسح وإعادة الرسم فهو يمسح بخامة أكثر خفة وأكثر شفافية فيتراءى من تحتها التعبير الأول بتغطية المساحة جزئيا أو باستغلال الشفافية فيها . كان يقول أنه يرسم الأبيض على الأبيض. . لكنه أبدا لم يكن الأبيض الباهت الأصم وإنما المتكلم الحى الثرى بالتجاعيد والظلال والسهول والهضاب والبحيرات، المتزاحم بالأذرع والسيقان والحوافر والمخالب والأنياب، والريش والأسود والجمال، إضافة إلى الاعتدالين الربيعى والخريفى وحركات المد والجزر وتعاقب الشمس والقمر والمحاق والسحاب ومجرات الكواكب وهذيان الحموم ومجاميع النجوم. 
إن الشكل لا يولد من النقطة أو الخط أو المفردات الهندسية وإنما يولد من أسلوب المسح وإعادة الرسم، إن كنعان لا يقدم الشكل على ماهو عليه، وإنما يظهر رغما عنه منبثقا من لعبة الفنان بالخامة واللون. 
وعلى مدى ثلاث سنوات تقريبا من 1964م وحتى 1967م يقلل كنعان من نشاطهُ الفنى.. وعندما يستعيد فرشاته فإنما ليحدد بوضوح انفصاله عن المجموعات السابقة، ومع هذه المجموعة الجديدة التى أطلقت عليها الباحثة الفرنسية / كريستين روسيون اسم الإيقاعات حيث يدخل عنصر الحركة إلى اللوحة، وهى بعيدة عن مفهوم الحركة عند التعبيريين التجريديين الأمريكان. . لأن كنعان عندما حرم التعبير التصويرى من اللوحة فهو قد ألغى فى نفس الوقت ونهائيا أى رجوع لأصلها وعلى الأقل فيما لا يتعلق بطريقة مباشرة لمجال الأحاسيس والإدراك . وحيث تقوم حركة الكتابة الذاتية بترجمتها إلى رسم هدفه التعبير عما يحرك اللاشعور، وإنما هدف اللوحة هو الإيقاع الذى يولد من وحدات قاطعة ومحققا بذلك انفتاحا كاملا للحيز المرسوم وتجريد المساحة المرسومة من ماديتها. 
 


والوحدة القاطعة تعتمد على أسلوبين للتعبير فى هذه المجموعة : الخط الموروب والزاوية القائمة. الخط الموروب يوحى بالحركة ولكنه لا يخلق الإيقاع، أما الزاوية القائمة فهى تولد لعبة فقط التوازن والتضاد للوحدات القاطعة. إن مجموعة الإيقاعات هى آخر مجموعة يرسمها كنعان فى لوحاته. 
فمنذ السبعينيات يتخذ أسلوبا جديدا وهو أسلوب اللصق"الكولاج" يقول الفنان التشكيلى/ رضا عبد السلام عن لوحات كنعان فى هذه المرحلة كانت تتنوع تصميمات والوان وتوظيفه لورق الكرتون الفارغة وورق الطباعة والنصوص المطبوعة بما تحويه من حروف وكتابات باللغة اللاتينية وكل ما هو مستهلك وجاهز الصنع، وأيضا أدواته من الفرش وألوان الجواش والصبغات، خاصة المسطرة الصلب والمثلث والمشرط والقلم الرصاص، فهى أعمال فنية خالصة حصيلة سنوات ما بعد التقاعد والتفرغ التام للفن، تتسم جميعها بالبساطة والبلاغة والإثارة البصرية والتمكن الأدائى الماهر. 
ومن خلال استعراض لوحات منير كنعان يتضح لنا أن الفن عملية إنجاب، وليس هناك ولادة دون آلام المخاض، وآلامها ذروة الآلام جميعا، لكن ما أعذبها معاناة لأنها آلام من أجل صياغة جديدة فى عالم الجمال، وأن الإلهام لا يحدث بأعجوبة فجائية، وإنما هو رأس مال يتجمع تدريجيا، وحصيلة ثقافية تنمو مع الرؤية والاطلاع والمقارنة، وأى عمل فنى لا يمكن أن يرى النور إلا إذا مستهُ عصا العقل وخضع للتأمل والرؤية والإرادة والإصرار. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع