فنون

مسيرة مارون بغدادي مستمرة..

أيام القاهرة السينمائية

فى قاعة سينما صغيرة نسبيًا تقع فى ممر مكتنز يتسلل من قلب أحد الشوارع الرئيسية بوسط القاهرة كانت دقائق قليلة تفصلنا عن السادسة والنصف موعد انطلاق أول أفلام الدورة الأولى لـ"أيام القاهرة السينمائية" المهرجان الذى نظمته سينما زاوية فى الفترة من (9-16 مايو) لتقديم أفضل الأفلام العربية التى أنتجت فى العامين الأخيرين ولم تحظ بفرص واسعة للعرض على الجمهور. تلك الأفلام التى كتب عليها أن تولد وتبقى على الهامش مهما حصدت من جوائز فى المهرجانات الدولية منها والمحلية ومهما تنل من تقدير النقاد والجمهور الذى يحظى بفرصة مشاهدتها.
 
لم يكن الفيلم المعروض على الشاشة ينتمى لإنتاج العامين الفائتين بيد أنه ينتمى لذات الهامش، "بيروت يا بيروت" 1975 وهو الروائى الطويل الأول للمخرج اللبنانى الراحل مارون بغدادي، مشروع تخرجه من المعهد العالى للسينامتوغرافية بباريس الذى صار يعرف لاحقًا باسم "لا فاميس" المصنف كأهم مدارس السينما فى العالم. فقد اختار مهرجان سينما الهامش أن يحتفى فى دورته الأولى بأحد رواد هذه السينما فى لبنان، ذلك المخرج الذى ينتمى لجيل الحرب والذى رغم عمره القصير (1950-1993) تمكن من إعلان ميلاد جديد للسينما اللبنانية والمشاركة فى مسيرة ذلك النوع من السينما فى العالم العربى الذى يعبر عن هموم مجتمعه دون خضوع لحسابات سوى ما يمليه على صانع الفيلم موقفه الشخصى من السينما ومن الحياة.
 

المخرج اللبنانى الراحل مارون بغدادي

 فكأن أول أفلام "أيام القاهرة" فى ذاته إعلانًا عن موقف المهرجان بقائمة أفلامه وصناعها. فعلى مدى الأيام الثمانية للمهرجان التقى الجمهور المصرى فى القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد رغم عدد القاعات القليلة بأربعين صانع فيلم عربى يعكسون واقع مجتمعاتهم فى القاهرة وتونس وبيروت وفلسطين والجزائر ودمشق وبغداد وعمان والخرطوم بأفلام تقع على هامش السوق ولكنها نابعة من قلب حياتنا اليومية.
 
والفيلم الأول فى المهرجان هو جزء من برنامج "سينما مارون بغدادي" الذى ضم قائمة قصيرة من أفلام مارون تلخص مسيرته منذ تخرجه من مدرسة السينما الفرنسية الأشهر فى العالم وحتى وصوله إلى مهرجان "كان" فى العاصمة الفرنسية 1991 حاصدًا جائزة النقاد عن فيلمه "خارج الحياة" قبيل وفاته العبثية بعامين سقوطًا من سلم بيت والدته ببيروت 1993 مخلفًا سيناريو فيلم يحكى رحلة مخرج لبنانى عاد لبيروت، فكأنها حكايته. 


وما بين "بيروت يا بيروت" و"خارج الحياة" شمل البرنامج أيضًا أفلام "حروب صغيرة" 1982 الذى وجد طريقه إلى "كان" أيضًا بالإضافة إلى مجموعة من أفلامه التسجيلية التى صورت بدقة المشهد اللبنانى خلال سنوات الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلى للجنوب مثلها مثل جميع أعماله التى تجاوزت الثمانية أفلام روائية وحوالى ثلاثة عشر فيلمًا تسجيليًا بالإضافة إلى عدد من الأفلام القصيرة، فضلًا عن المشاركة فى أعمال مخرجين عالميين على وزن فرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي. 
 


وأهمية برنامج "سينما مارون بغدادي" فى مهرجان "أيام القاهرة" لا ترجع فقط إلى دور مارون فى مسيرة السينما اللبنانية والعربية، ولا لنبوءاته الدقيقة والواعية بما سيجرى وهى الصفة التى ميزت مجمل أعماله، وإنما أيضًا لأن تجربة جمع وأرشفة وإعادة تقديم أفلام مارون هى بذاتها نموذج لما يؤول إليه إنتاج سينما الهامش فى بلادنا والحاجة لجهد مماثل فى الحفاظ عليه لأجيال لم يكتب لها أن تشهد الحكاية على أرض الواقع ولا أن تعايش ما بذله سينمائيون يناضلون بظهور عارية لقول كلمتهم. 
 
انتهى فيلم "بيروت يا بيروت" لتظهر فى مقدمة صالة العرض السيدة ثريا خورى التى لعبت دور البطولة فى فيلمه "حروب صغيرة" 1982 قبل أن تحمل اسم مارون بغدادى الذى صار زوجها وأبو أبنائها الثلاثة الذين ولد آخرهم بعد أسبوع واحد من وفاته ليصبح حسب قول ثريا بغدادى "وكأنه إيذان بحياة جديدة يهديها لنا مارون بوفاته". 
 
  
 
 ويظهر إلى جانبها نجا الأشقر مؤسس ورئيس نادى "سينما لكل الناس" ذلك النادى الذى خلق على الهامش أيضًا بجهود ذاتية بيد مجموعة من الشباب أواخر الثمانينيات بشارع الحمرا ببيروت ليتحول مع الوقت إلى السبب فى انتشال أفلام بغدادى التى تفرقت بها السبل بفعل الحرب وبفعل تنقله ما بين بيروت وباريس والولايات المتحدة من الضياع وترميمها وإعادة تقديمها للجمهور منذ عدة سنوات جنبًا إلى جنب مع قائمة أخرى من المخرجين اللبنانيين الذين لاقت أعمالهم ذات المصير. ليتحول برنامج الاحتفاء بمارون إلى رسالة مكتملة الأركان ليس فقط للتأكيد على دور السينمائى الجاد فى بلادنا الذى يبقى رغم اختفاءه ورغم تهميشه وإنما بدور موازى نحن فى أمس الحاجة إليه ربما يخلق فى الهامش أيضًا لحفظ إنتاج هؤلاء من أجل أن تتواصل المسيرة، وهو ما أشار له نجا الأشقر مؤكدًا أن "أهمية أفلام مارون بغدادى تتجاوز السينما إلى التاريخ، فقد استطاع هذا الرجل رغم حياته القصيرة توثيق المشهد فى لبنان قبل وخلال الحرب الأهلية فى بيروت وفى الجنوب وفى مختلف أنحاء لبنان فى فترة حاسمة تحتاج الأجيال الحالية لمعرفة تفاصيلها كما نحتاج جميعًا لتذكرها فى مواجهة محاولات طمس وتزييف وتفصيل التاريخ حسب مصالح كل طرف" .
 
 
 مارون بغدادي

بفضل مارون وأمثاله تمكن المئات من صناع الأفلام الشباب من المحيط إلى الخليج من إنتاج أفلام تسير على ذات الدرب. وهو ما أكدته قائمة منوعة تشمل نحو أربعين فيلمًا عربيًا ما بين الروائى والتسجيلى والقصير يناقشون مختلف هموم اللحظة فى العالم العربى السياسية والاجتماعية والثقافية كجزء من حراك سينمائى يفرز المئات من الأفلام سنويًا يتمكن بعضها من حفر بصمة واضحة فى المشهد السينمائى العربي. وما يميز قائمة الأفلام المختارة فى "أيام القاهرة" والتى تمثل مجموعة من أفضل ما أنتج خلال العامين الفائتين بالإضافة إلى تنوع الموضوعات والأساليب هو الجرأة فى التجريب وفى الطرق بثبات على قضايا تحولت بفعل السياق الراهن إلى شائكة. 
 
ففيلم الافتتاح "نحبك هادي" 2016 للتونسى محمد بن عطية الحائز على جائزة أفضل فيلم روائى أول فى الدورة 66 لمهرجان برلين فضلًا عن الدب الفضى لأفضل ممثل التى راحت لبطله ماجد ماستورا يضرب برفق وحسم فى آن معًا على الأطر القاسية التى تفرضها مجتمعاتنا على الأفراد فتحولهم إلى قوالب متماثلة وتجردهم تدريجيًا من القدرة على الاختيار الحر، وفى الخلفية من ذلك يتعرض للثورة التونسية والهزة التى أحدثتها فى المجتمع وكيف أنها أسهمت فى ولوج أول طريق اكتشاف الذات والتبين من الخيارات. وعنوان الفيلم "نحبك هادي" لا يعبر فقط عن اسم بطله "هادي" وإنما يرمز إلى ما يرجوه المجتمع من أفراده فهم يحبونه هادئًا بلا إرادة مستقلة. 
 
 
 نحبك هادي
 
 فيما يتعاطى اللبنانى روى ديب على طريقته الخاصة فى فيلمه الروائى الطويل "بيت البحر" 2016 مع حزمة من الأفكار والمفاهيم السياسية والثقافية والاجتماعية من خلال أربعة شبان وفتيات يعيدون اكتشاف مواقفهم من شواغل تخصهم بداية من الخيار الجنسى والعاطفى وليس انتهاء بالموقف من قضايا وطنية كبرى فى مواجهة الأفكار المحددة سلفًا والتى تفرضها عليهم نشأتهم ومحيطهم الاجتماعى بأسلوب لا يخلو من جرأة حالت دون أن يحقق المخرج حلمه فى عرض أول فى بلاده لبنان بسبب عزوف الرقابة عن منحه حق العرض بمهرجان "أيام بيروت" 2017. 
 
 
 بيت البحر
 
وعلى مستوى الجدة فى التناول شكلًا وموضوعًا أيضًا يندرج فيلم التونسى علاء الدين سليم "آخر واحد فينا" 2016 الذى قدم منظورًا جديدًا لمناقشة قضية الهجرة غير الشرعية فى إطار غرائبى ينقل التعاطى مع القضية من مجال التفاصيل إلى أبعاد أكثر عمقًا تتناول كنه الوجود الإنساني. وتضمن قائمة الأفلام الروائية الطويلة بالمهرجان 7 أفلام مثلت فى مهرجانات محلية ودولية وحصدت الجوائز وهى فى أغلبها الأعمال الروائية الأولى لأصحابها. 
 
 
آخر واحد فينا
 
وفى مجال الأفلام التسجيلية (13 فيلمًا) قدم المهرجان طيف واسع من القضايا وأساليب السرد. ففيلم "غزة سرف كلوب" 2016 وهو إخراج مشترك لفيليب جندت وميكى يامن يلقى الضوء على الحياة فى غزة المحاصرة ومحاولة البحث عن أمل بين أمواج البحر من خلال نادى للتزلج يعكس رغبة فى الانعتاق ومحاولة لاستحضار مؤشر على أمل فى حياة مختلفة.
 
 
 فيلم غزة سرف كلوب 
 
 أما المخرج المصرى محمد رشاد فيقدم من خلاله فيلمه التسجيلى الطويل الأول "النسور الصغيرة" محاولة لاكتشاف الذات لا تخلو من صراحة يكشف فيها صانع الفيلم عن تفاصيل دقيقة فى حياته وعائلته فضلًا عن حياة مجموعة من أصدقائه.
 
 النسور الصغيرة
  
ويكشف المخرج اللبنانى ماهر أبى سمرا من خلال فيلمه الوثائقى "مخدومين" عن زاوية جديدة للنظر إلى قضية خادمات المنازل الأجنبيات فى لبنان لا من خلال عرض مأساتهم بشكل مباشر وإنما بالتركيز على المستخدمين أنفسهم والذى ينتمى المخرج إليهم، فكأن الفيلم محاولة للاعتراف كبداية للبحث عن حل للمشكلة، ولا تتجاوز حركة الكاميرا فى الفيلم الحدود الضيقة لطاولة وكرسى فى مكتب للتخديم فضلًا عن مشاهد واسعة لواجهات البنايات ببيروت. 
 
 
 الفيلم الوثائقى "مخدومين"
  
أما المخرجة اللبنانية إليان الراهب فقد لخصت بأسلوبها المدروس فى فيلمها "ميل يا غزيل" حكاية التشتت الطائفى والوجود المهدد للبنان بفعل موقعه الحدودى فضلًا عن الوضع الاقتصادى المتراجع من خلال حكاية هيكل المزارع الستينى وصاحب المطعم الذى يسكن واحدة من أعلى المناطق الجبلية بمرتفعات عكار التى تبعد عن سوريا عدة كيلومترات وتمثل نقطة جغرافية تتقاطع فيها الطوائف والحدود والطبقات الاجتماعية.
 
 
فيلم ميل يا غزيل
  
 ويخوض "300 ميل" للسورى عروة المقداد فى قلب المأساة السورية من خلال التنقل عبر المكان والزمان بين الشمال والجنوب السورى حيث مسافة 300 ميل تفصله عن ابنة أخيه لكن أصوات القذائف وما تحدثه من دمار يقرب المسافات والأسئلة حول ما جرى منذ 2012 فى سوريا.  
 
 
 "300 ميل" 
 
هذا فضل عن 12 فيلما روائيا قصيرا ومجموعة من المحاضرات والورش التى شارك فيها صناع أفلام ونقاد مخضرمون على وزن المخرج يسرى نصر الله، والمنتج الكرواتى سينشيا يوريتشيتش، والموزعة الأمريكية أورلى رافيد، والناقد التونسى طاهر الشيخاوى الذى أدار ورشة متخصصة للنقد السينمائى والكتابة فى مجال السينما. 
 
ليختتم المهرجان أيامه الثمانية كما بدأها بفيلم روائى لمارون بغدادى "خارج الحياة" الحائز على جائزة التحكيم بمهرجان كان 1991، جنبًا إلى جنب مع الفيلم التسجيلى "النسور الصغيرة" 2016 للمصرى محمد رشاد، وكأن المسافة بين أوائل التسعينيات حيث حصل أحد أبرز مخرجى الهامش على جائزة أهم مهرجان سينمائى فى العالم، وبين 2016 حيث أنتج فيلم الختام وما بينهما عشرات الأفلام التى حازت الجوائز العالمية والتى تنتمى لسينما الهامش هى ما أراد "أيام القاهرة" التأكيد عليه منذ يومه الأول فى أن المسيرة مستمرة ومثمرة وتستحق الوصول إلى جمهور عريض متعطش إلى ذلك النوع من السينما الذى يعبر عن همومه ويطرح التساؤلات ويعيد من خلالها اكتشاف ذاته وخياراته. 
 

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع