فنون

12 عاما على محرقة بنى سويف..

مسرح "الثقافة الجماهيرية" تستيف أوراق.. وضجيج بلا طحن

مرت هذه الأيام الذكرى الثانية عشرة على محرقة مسرح بنى سويف الشهيرة، التى استشهد فيها أكثر من خمسين من أنبل وأجمل رجال المسرح فى مصر، لكن شيئًا فى مسرح الثقافة الجماهيرية لم يتغير، بقى الحال على ما هو عليه من إهمال وتكاسل وعدم فاعلية، وظل هذا المسرح مرفوعًا من الخدمة إلى حين تستيقظ الضمائر ويدرك المسئولون أهمية "أبو الفنون" وجدواه، ويوفرون لصناعه أجواءً أكثر إنسانية تمكنهم من تقديم شىء ينفع أهالينا فى أقاليم مصر التى يكاد معظمها يكون محرومًا من خدمة ثقافية جادة ونافعة. 



بعد الحادث المروع، توقع الجميع أن تكون هناك انتفاضة لإصلاح أحوال هذا المسرح، تعيد إليه اعتباره، وتعيد الناس إليه كنافذة مهمة يطلون منها على الفن الرفيع، بدلا من السقوط فى براثن الإرهاب والتطرف، لكن لا حياة لمن تنادي، عادت ريما لعادتها القديمة، ولم تشفع أرواح الشهداء لدى المسئولين ليشمروا عن سواعدهم، وينظرون بغضب إلى حال المسرح، ومن ثم يوفرون بيئة مسرحية محترمة تمكن المسرحيين من تقديم فن جادو محترم.

الأمر ليس على إطلاقه بالطبع، فهناك مقاتلون فى مسرح الثقافة الجماهيرية، يصرون على تطوير تجاربهم، وتخطى العقبات التى يضعها الموظفون أمامهم، ويقدمون أعمالا مهمة وجيدة، لكنهم قلة ربما تعد على أصابع اليد الواحدة.
مسرح الثقافة الجماهيرية الآن فى أسوأ حالاته، ولا يجد يدا حانية تمتد إليه لإنقاذه، أغلب المسارح فى أقاليم مصر غير مجازة أمنيًا، وحتى التى تم إنفاق الملايين عليها لتطويرها، ظهرت بها العديد من العيوب التى حالت دون استخدامها، وأكبر مثال على ذلك مسرح قصر ثقافة المنصورة، الذى أعيد ترميمه وتطويره، ثم فوجئ المسرحيون بانهيار سقفه، وتوقف العروض فيه.



وفضلًا عن عدم صلاحية المسارح، فهناك مدن كبيرة ليس بها مسرح أساسًا، مثل مدينة طنطا التى يقدم مسرحيوها عروضهم فى المدارس أو مراكز الشباب، فى الوقت الذى يصر فيه حلمى النمنم وزير الثقافة على تحويل تبعية مسرح البلدية فى المدينة إلى دار الأوبرا، وكأن جماهير طنطا قد أشبعت من المسرح، وجاء الدور على الأوبرا لتستمتع بفنونها، مدينة ليس بها قصر للثقافة أصلا، والموجود عبارة عن شقة فى المساكن الشعبية، وبدلًا من أن يترك الوزير أمر مسرح البلدية لهيئة قصور الثقافة، التى قامت بترميمه وتطويره من ميزانيتها الخاصة، يسند تبعيته لدار الأوبرا.


 
دعك من المسارح، وانظر إلى العروض نفسها التى يقدمها مسرح الثقافة الجماهيرية الآن، هى عروض فى أغلبها تعتمد على نصوص قديمة أكل الدهر عليها وشرب، لا جديد فى معظم عروض الثقافة الجماهيرية، هناك ثلاثون أو أربعون نصًا، يتم تدويرها بين الفرق منذ أكثر من أربعين عامًا، حتى أن الناس زهدت فى مشاهدة المسرح، خاصة أن هناك عروضًا لاتراعى البيئة التى تتوجه إليها، هل يعقل مثلُا أن تقدم لمدينة فى أقاصى الصعيد عرضًا عن نص عالمى لايفهمه الناس ولايجدون فيه أنفسهم، ولايناقش قضاياهم، ثم تظن أنك تطور وعيهم، شاهدت مرة عرضًا فى مدينة أخميم بسوهاج، كان عن نص صعب للكاتب المغربى عبدالكريم برشيد اسمه "فاوست والأميرة الصلعاء"، وتساءلت، مع نفسي، ماعلاقة أهالينا فى أخميم بمثل هذا العرض، ما الذى سيضيفه إليهم، أليست هناك موضوعات وقضايا أخرى أنسب وأكثر فائدة، يمكن تقديمها لهؤلاء الناس؟



وفضلا عن العشوائية فى اختيار النصوص التى يعمل عليها المخرجون، فإن أغلب العروض التى تقام فى الأقاليم لا يضع صناعها فى أذهانهم سوى لجنة التحكيم التى ستأتى من القاهرة لتقييم العرض، إذا رأته جيدًا صعدته للمهرجان الختامى الذى يقام غالبًا فى القاهرة، ولا تدرى "بأمارة إيه" يقام المهرجان الختامى لفرق الأقاليم بالقاهرة، أليست الأقاليم أولى به.
ولأن لجنة التحكيم ورضاها هو غاية المراد من رب العباد، فإن صناع العروض لايشغلهم سوى إرضاء اللجنة، حتى لو قدموا عروضًا لاعلاقة لها بالبيئة التى يتوجهون إليها، والحاصل أن الناس فى الأقاليم انفصلوا تمامًا عن المسرح، لأنهم لايرون أنفسهم فيه.



أضف إلى ذلك أن الموظفين فى قصور الثقافة، ومنذ حادث المحرقة، يعتبرون المسرح "ميت يجب دفنه بأسرع وقت" فمعظم العروض لاتقام سوى ليلة أو ليلتين بالكثير، مع إن اللوائح تقول عشر ليال، لكن المهم عندهم هو ليلة اللجنة، تأتى وتمنح درجة للعرض، ويتم تستيف الأوراق، ويخرج عليك المسئول متفاخرًا بأن الثقافة الجماهيرية قدمت مثلًا مائة وخمسين عرضًا فى هذا الموسم أو ذاك، لكنك إذا سألت عن أعداد المستفيدين من هذه العروض لن تحظى بأى إجابة، فأغلب العروض تقام وتنفض دون أن يشاهدها أحد، اللهم إلا أصدقاء وأقارب الممثلين، حتى أن من يسكن بجوار قصر الثقافة ربما لايعرف أن هناك عرضًا مسرحيًا يقدمه القصر، ولاتتعجب إذا قلت لك ربما لايعرف أن هذا المبنى المجاور له هو قصر للثقافة أصلًا، وأذكر لك واقعة طريفة، فقد ظل أهالى العمرانية يمرون أمام قصر ثقافة الجيزة عدة سنوات وهم يعتقدون أنه أحد مقرات أمن الدولة، حتى فتح الله على المسئولين ووضعوا على واجهة القصر لافتة تقول "قصر ثقافة الجيزة" لم يكن الأمر فى حاجة إلى اللافتة بالطبع لو أن المسئولين اجتهدوا وقدموا أنشطة ثقافية ودعوا أهل المنطقة إليها، لكن لاأحد يفعل، والمهم تستيف الأوراق.
 
لا لوم بالتأكيد على المسرحيين فى الأقاليم، فأغلبهم يعمل متطوعًا ودون الحصول حتى على مكافأة رمزية أو بدل انتقال، بل إن بعضهم ينفق من جيبه الخاص حتى يرى عرضه النور، لكنهم فى مقابل ذلك لايجدون من يقدم لهم ورشًا تدريبية مثلًا، تطور وعيهم وتضع أيديهم على أحدث ماتوصل إليه المسرح من حولهم، لا أحد يفعل ذلك، هم فقط يتفنون فى وضع العراقيل أمامهم ويضيقون عليهم، وبعض الموظفين، الذين لاتعرف لماذا التحقوا بالعمل الثقافى أصلًا، يحرمون المسرح من أساسه، فأى أجواء تلك التى تسمح بوجود مسرح فاعل وحى ينفع الناس فى أقاليمنا البعيدة.. لهم، ولنا، الله.
 

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع