فنون

مائة عام على ميلاد كمال الشيخ

سوف يزداد الاهتمام بمناسبات المئويات فى عالم السينما خلال العام الحالي, وذلك بسبب أهمية الشخصيات أو الأحداث الذين ولدوا من مائة عام وتركوا بصماتهم فى حياتنا، ومنذ أيام قليلة نال الأديب الكبير إحسان عبد القدوس بعضا ما يستحقه بمناسبة أول مائة سنة تمر على ميلاده, وسوف يجد الناس أنفسهم خلال هذا العام يحتفلون بأسماء كثيرة فى عالم السينما تركوا فينا المزيد من التأثير, ومنهم المخرج كمال الشيخ التى تحل ذكراه المئوية فى الخامس من فبراير, وهو واحد من أبرز عشرة مخرجين صنعوا لنا أهم الأفلام التى تنتسب إلى ثقافتنا, حيث تعامل مع إبداعه بجدية شديدة, وسعى دوما أن يكون له أسلوبه كمخرج, وألا يخرج عنه مهما كان نوع النص الذى يقدمه, وقد تلازمت مناسبة الكتابة عن ذكرى كمال الشيخ مع تقرير إخبارى موجود فى اليوتيوب عن أجمل الأفلام فى عقد الخمسينيات فى السينما العالمية، وكان بين الخمسين فيلما المختارة عشرة أفلام للمخرج الفريد هيتشكوك, فى فترة كانت سينما التوتر, والأفلام البوليسية هى الأكثر حضورا على الشاشة, وبرع فى تقديمها أساطين الإخراج فى هوليوود مثل بيلى وايلدر, وفريتز لانج وجان بيير ملفيل، وفى مصر كان هناك عز الدين ذوالفقار الذى تحل ذكرى ميلاده المئوية أيضا هذا العام, ويمكن أن ينطبق الأمر نفسه بالنسبة لكمال الشيخ، فلا شك أن أفلام المخرج كانت هى الأكثر جذبا للناس فى كل الحقبات وليس فقط فى الخمسينيات، وقد جاء كمال الشيخ ليتلافى تماما المشاهد المتداولة دوما فى السينما بالأشخاص, والأماكن، ومنها بنات الليل, والراقصات، والمطاردات الساذجة, والمعارك الطاحنة، فلا يمكنك أن ترى مثل هذه المشاهد فى أفلامه, ومنها: "حياة أو موت"، أو "مؤامرة"، و"من أجل امرأة" ومن أفلام الستينيات مثل "اللص والكلاب" و"بئر الحرمان" و"ميرامار". 
 


تأتى أهمية المخرج الذى بدأ حياته مونتيرا, أنه ظل محتفظا بأسلوبه فى العمل بعد أن غير اتجاهه من الأفلام المأخوذة من صفحات الحوادث فى الصحف, أو من الأفلام الأمريكية إلى تحويل الروايات المصرية إلى أفلام محبوكة تماما مغزولة بالكثير من أحبال الغموض, فقد استوحى فيلمه الأول "المنزل رقم 13" عام 1952, من خبر صغير جدا, حول ممارسة الجرائم الغامضة بواسطة التحكم فى شخص بريء, كى يرتكب جريمة قتل, وهو بالطبع شخص بعيد عن الشبهات، ويستفيد من ذلك الطبيب النفسى المعالج, أما فيلم "حياة أو موت" فإنه يدور خلال ساعات قليلة بين قيام رجل مريض بإرسال ابنته لإحضار الدواء وعودتها، ففى خلال هذه الفترة الوجيزة تنقلب المدينة بحثا عن الطفلة التى تحمل إلى أبيها المريض الدواء الذى يحتوى السم القاتل, وهكذا فإن كمال الشيخ غير الموضوعات التى اعتادت أن تجذب المتفرجين تماما, أى أنه نجح فى أن يغير الذائقة تماما لدى متفرج اعتاد على السينما الغنائية، وأفلام المؤامرات على طريقة أفلام مثل "قلبى دليلي" "عنبر" وقد بحث المخرج مع من يكتبون له السيناريو عن روايات بوليسية عالمية ليقدم أفلاما مغزولة بالترقب، منها "من أجل امرأة" 1959, و"لن أعترف" 1961, و" الليلة الأخيرة" عام 1963 
 لكن المخرج اكتشف موهبته أكثر فى المنحنى الذى اتجه اليه بتحويل روايات لكبار الكتاب، وعلى رأسهم نجيب محفوظ, ثم إحسان عبد القدوس في" شيء فى صدري" 1972و" فتحى غانم فى "الرجل الذى فقد ظله" والكاتب جمال حماد فى "غروب وشروق" و" وثالثهم الشيطان".
 سوف يحسب للمخرج أنه قد غير من أسلوبه تماما عندما تنبه إلى أهمية تحويل روايات أدبية مصرية إلى أفلام، وذلك ضمن حالة من توجه السينما المصرية إلى الأدب كان رائدها بلا منازع صلاح أبو سيف، ومن فرسانها فى تلك الآونة: هنرى بركات, وحسام الدين مصطفي, وحسين كمال, ويبدو أن هذا التوجه لم يكن أمامه اختيار بديل, فالكثير من الأفلام أتى إخراجها فى النصف الثانى من الخمسينيات لم تكن بالتألق نفسه لأعماله الأولى رغم أنه استعان فيها بالنجوم أنفسهم الذين عملوا معه ومنهم مديحة يسرى وعماد حمدي، ومحمود المليجي, ومن هذه الأفلام "أرض الأحلام" و"قلب يحترق"، بل أنه غير اتجاهه تماما، وهو يخرج فيلما غنائيا باسم "من أجل حبي" بطولة فريد الأطرش, وهو الفيلم الذى كم عبر عن حزنه لقيامه بإخراجه, وهو بالفعل حالة استثنائية.
 


كل هذا جعل كمال الشيخ يختار التجربة المأمونة، حتى ولو كانت بعض أفلامه عن الأدب تدور فى أجواء من البوليسية والتوتر مثل" اللص والكلاب",و" بئر الحرمان" وأغلب هذه الأفلام تم اختيارها من بين الأفلام الأهم فى قوائم السينما المصرية.
 


تعامل كمال الشيخ مع الفيلم السياسى بشكل ملحوظ، ففيلمه "ميرامار" هو أول عمل جماهيرى ينتقد ثورة يوليو بشكل مباشر, ويبدو أنه أراد أن يعتذر عن هذا الانتقاد فقدم فيلما من تأليف واحد من الضباط الأحرار، هو "غروب وشروق" حول فساد الإدارة التى كانت تحكم مصر قبل ثورة يوليو, واستكمل المسيرة من خلال الباشا فى "شيء فى صدري" عام 1972 الذى يريد الانتقام من زميل الدراسة الذى كم تفوق عليه فسعى إلى تدمير أسرته من خلال إغراء المال والجنس, كما أن كمال الشيخ انتقد الإدارة فى السبعينيات من خلال أفلام مثل "الهارب" 1974, و" على من نطلق الرصاص" 1975 فيما يمكن تسميتهم الأباطرة الجدد, الذين يديرون المؤسسات الاقتصادية فى البلد.
 


وعقب هذا الفيلم بدا أن كمال الشيخ الذى نعرفه قد اختفي, ومثلما حدث للمخرج الذى سار على نهجه- هيتشكوك- أن أفلامه الأخيرة أطلق عليها النقاد "أفلام هيتشكوكية صغيرة" فإن الفيلمين اللذين أخرجهما كمال الشيخ فى عقد الثمانينيات كانا بمثابة أفلام صغيرة قياسا إلى بداياته المتألقة وهما فيلم "الطاووس" 1982, و" قاهر الزمن" 1986.
 
ظل الشيخ مؤرقا طوال السنوات الأخيرة من حياته بحثا عن فيلم يعيده إلى الاستوديوهات، فلم يجد، وقد اقتربت منه فى هذه الفترة، وكنت أراه يقبل مناصب صغيرة بهدف التواجد، فقد أسندوا إليه منصب رئيس شرفى لمهرجان القاهرة السينمائي, وكان أولى أن يدفعوا به للعودة إلى الاستوديوهات لعمل أفلام جديدة.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع