فنون

"ليالى أوجينى".. ما بين فِتنة الماضى وسحر الدراما

مثلما تتسلل موسيقى الجرامافون المُتأنية وصولاً إلى الروح، مثلما اَختطَف مسلسل "ليالى أوجينى" بإيقاعه الكلاسيكى الرشيق شريحة عريضة من الجمهور المصرى بفضل مغازلته حالة "النوستالجيا" أو الحنين للماضى، التى باتت تسيطر عليه وتجتذبه بقوة كما الأرض العطشى عندما تتشرب بالغيث الرطب، والأغصان الجافة المُنداه بقطرات تُعيد لها الحياة، فكم صِرنا نتعطَش للماضى بجمالياته ودفء علاقاته والسياج الراقى، الذى كان يُغلِف أغلب التعاملات الإنسانية آنذاك. 



تَخطِفنا "ليالى أوجينى" بعيداً عن دائرتى العنف والأكشن المُعتاد تقديمهما مؤخراً فى ماراثون الدراما الرمضانية، لنستشعر أنفسنا داخل تغريدة فى لحن قديم نشتاق إليه ونَستعذِب الاستغراق فيه لالتقاط الأنفاس، إذا لا يعكس مثل هذا النجاح، الذى حققه المسلسل سوى قدرته على ملامسة أوتار ومساحات شديدة الخصوصية داخل المجتمع، بعدما أدارت أحداثه عجلات الزمان إلى الوراء عَائِدة بنا إلى حقبة "الأربعينيات" بإيقاعها الراقى الهادئ وسلوكياتها شديدة التهذيب، لتحاكى ذلك الاحتياج الصامت إلى أشياء غابت ولم تعد موجودة مع الأسف.
قدم المخرج المتميز "هانى خليفة" المسلسل بجرأة تًحسَب له دون الاكتراث لحسابات نسب المشاهدة، واحتمالية تضررها نظراً للإيقاع الهادئ للأحداث، الذى ربما قد لا يَستهوى شريحة الشباب والأطفال والمراهقين مِمَن يتابعون الدراما الرمضانية عن كثب، ولكن على العكس تماماً، فقد أتاح المسلسل للجمهور فرصة العودة - ولو افتراضياً - إلى عصر مبهر يمتلئ بتفصيلات ثرية على الصعيد التاريخى والاجتماعى والإنسانى.



ومن الأشياء التى استرعت انتباه الجمهور الدلالة الدرامية لاسم المسلسل، فمن المعروف أن "أوجينى" هى إمبراطورة فرنسا، التى أُعجِب بها الخديو إسماعيل، وقدم لها دعوة لحضور حفل افتتاح قناة السويس، كما أُطلِق اسمها على العديد من الأماكن التى زارتها بالمدينة، كذلك كانت هناك رمزية درامية مهمة تقوم على الاقتران الضمنى ما بين حب الخديو "إسماعيل" والأمبراطورة "أوجينى"، الذى ظل مستحيلاً وبين أغلب قصص الحب داخل المسلسل، التى طالها نفس المصير تقريباً.
المسلسل بطولة ظافر العابدين، أمينة خليل، إنجى المُقدّم، أسماء أبو اليزيد، كارمن بصيبص، مراد مكرم وآخرين، وهو مأخوذ عن رواية إسبانية تحمل اسم "أوجينى دى مونيتو كوتيسة"، حيث اشتركت كل من "إنجى القاسم" و"سما عبد الخالق" فى كتابة السيناريو والحوار للمسلسل استناداً إلى حياكة معالجة درامية تُكرس المزيد من تأكيد الهوية المجتمعية المصرية آنذاك.



دارت أحداث المسلسل حول الحياة الاجتماعية لمجموعة من الناس تقطن مدينة بورسعيد، حيث يربطهم فندق وتياترو "أوجينى".. يعيش هناك دكتور "فريد" حياة باردة بلا مشاعر مع زوجته اللبنانية "عايدة"، وهى أرملة شقيقه المتوفى ، بينما تأتى من القاهرة "كاريمان" الهاربة من زوجها بعد مشاجرة ظنت أنها أدت إلى مقتله على يدها.. تهرب من القاهرة إلى بورسعيد بحثاً عن ابنتها وسعياً لاستعادتها، حيث تلتقى تباعاً بـ "فريد" ومجموعة من الشخصيات وتتصاعد الأحداث، فتنشأ بينها وبين فريد قصة حب مباغتة، تغير مسار حياة كل منهما. 
جاء اختيار مدينة "بورسعيد" مسرحاً للأحداث اختياراً موفقاً للغاية نظراً لما تجسده المدينة الثائرة الأبية من خصوصية جغرافية وتاريخية لدى كل مصرى، فإذا بالجمهور يمتطى جواد "الدراما" راكضاً بين أركان زمن الأبيض والأسود، ولكن تحت أضواء دافئة وألوان ساخنة وديكورات صُمِمَت بعناية لتتماشى مع زمن الأحداث، فهناك "الحنطور" بنعومة خطواته ووقعِها المُنَغَم على الطرقات شبه الخالية.. وهناك "البحر" الصديق المشترك، الذى يحتوى الجميع ويستمِع إلى بوحهم، بينما تأتى "الموسيقى" كوجبة رئيسية للروح، فلا يُسقِطها أحد فى خضم يومه الشاق.


 
كذلك قدمت حقبة "الاربعينيات" نموذجاً مجتمعياً دالّاً على العديد من القيم الحياتية المهمة والمُعاشَة آنذاك؛ منها مفهوم المواطنة بمعناه الحقيقى بعيداً عن الشعارات، فنجد أكثر الشخصيات استيعاباً للجميع هى "صوفيا" تلك الفتاة الايطالية الكاثوليكية، التى تهوى مصر وتآبى مغادرتها، فكانت مسكن أسرار الجميع ومكمن البهجة والإقبال لكل من قابلها، وكأنها مُرتَكَز تتقاطع فى منتصفه العديد من العلاقات العميقة، التى لم يُصِبها العطب بعد، كذلك جرى توظيف كل هذه العلاقات لتَنسكِب بسلاسة داخل سياج عاطفى مُتحفِظ، يميل إلى التلميح لا التصريح ويُخفى أكثر مما يُظهِر، ليبقى مًكَلَلاً بديمومة الوصل الروحى.
أعاد المسلسل أيضاً تشريح نسيج المجتمع المصرى، ليجعلنا نشاهد مصر قديماً، حيث الاختلاف فى كل شىء.. طريقة التعامل مع الآخرين.. التعبيرات الراقية وكلمات التحية المُنمَقة.. اللغة التى تكاد تقترب من الفُصحى والعامية الزاخِرة بروح الهوية المصرية.. الطرقات الخاوية والمُتباهية بجمال معمارها والزهور المصطفة على جانبيها.. العواطف، التى تجيش فى القلوب على استحياء وتُمطِر على الأوراق أو فى أحاديث بالغة النفاذ.. الملابس الأنيقة غير المتكلَفة بـ "رسميتها" الراقية، إذ قامت مصممة الملابس "ياسمين القاضى" بتحضير الأزياء الخاصة بالممثلين بعناية فائقة وفقاً لتحضيرات ومراجع تخص هذه الفترة الزمنية.


 
كذلك لعبت الموسيقى التصويرية للمتميز "هشام نزيه" دوراً مهما فى إبراز جماليات العمل، حيث استطاع خلق توليفة موسيقية شديدة التميز تتماشى تارة مع أجواء الغموض للأحداث وتهمس تارة أخرى نيابة عن الأبطال لتُطلِق سراح صمتهم.. جاءت موسيقى "نزيه" مُنسابة من أعلى تل الترقب والحيرة والوله وكأنه يُطالِع هذه الحقبة من خلف ستار مسرح إنسانى عظيم، صانعاً تيمة موسيقية تتأرجح ما بين النعومة والترقب، الرومانسية والخوف، البوح والتكتم وهى حالة صوتية ناطِقة أمكنها استكمال الصورة الشعورية العامة داخل الأحداث. 
حرصت أيضاً كل من "سما عبد الخالق" و"إنجى القاسم" على استخدم لغة حوارية شديدة الأدبية مُفعَمة بالشوارد والخواطر، التى غذت روح المتلقى أثناء المشاهدة، كما توازى مع هذه اللغة المعبرة تَتابُع شعورى خفى صنعه تَجاوُر قصص الحب داخل النسيج الدرامى، مما أتاح للمُشاهِد إمكانية التلصص على كيانات مُجهَدة روحياً ومعذبة نفسياً، لكنها تتحرك بإيقاع مٌنضبِط، كى تُفرِج عن أحاسيسها وتخفِض أحمالها على أرض صلبة إنسانياً، فلا يخذلهم الآخرون، ولا يخذلون أنفسهم وصولاً إلى نقطة تصالُح.


 
فنرى "عزيز وصوفيا" ومعضلة الاختيار فى ظل مقاربة عصية ما بين المفروض والمرغوب.. "فريد وعايدة" وأزمة الحواجز النفسية والعاطفية، التى خلقت ممراً مخيفاً تعبُر خلاله كل شوارد النفس التائهة الحائرة، فمن الصعب أن يتحول الواجب والفرض العقلى إلى مطلب روحى واحتياج شعورى.. "صدقى ونعمات" ودقات قلب متحررة من تابوهات الفوارق الطبقية مُلبية نداء أخير انتظر ميقاته بحسابات لا إرادية، لكنها بالغة الإنصاف والكمال.. "جليلة وأمين" وقيد الامتنان، الذى عجز عن خلق عاطفة متبادلة لافتقاره إلى إيمان الطرفين بحلم كل منهما.
"كاريمان وإسماعيل" وتلك العاطفة المريضة، التى تشبه هوس جنونى ينطوى على لعنة الشك وتوحش التملك والإمعان فى التعذيب.. وأخيراً "فريد وكاريمان" والحب الصحيح فى الوقت الخاطئ، إلا أنه ظل يمثل القوة الخفية، التى أمكنها رعاية الأحلام فى غيب التمنى، لتتحقق دون قيد أو شرط أو حتى مَطالِب.
كل هذا الزخم من العلاقات، التى بدت ظاهرياً "عاطفية"، لكنها على الصعيد الداخلى "إنسانية" من الطراز الأول، حملت بين طياتها الكثير من الرسائل الحياتية الهامة؛ كان من أهمها إبراز دور "الكتابة" كأحد أرقى وسائل الإفراج عن مكنونات النفس المُعذبة، التى وظفها السيناريو بطريقة تعود بنا إلى نزق كتابات الروائى الكبير "يوسف السباعى"، الذى اعتاد أن يجعل أبطاله يبوحون بطريقة السرد، مُستخدِماً ضمير المتكلم، مما يجعل المتلقى شريكاً متصلاً مع الشخصيات، وهو ما جرى تنفيذه ببراعة فى "ليالى أوجينى"، فنحن طيلة الوقت ننصت بتأمُل إلى بوح الشخصيات ونترقب رسائلها العميقة النافذة.
 
والواقع ما كان مشهد النهاية سوى تثميناً لهذه القيمة.. ربما لم يجتمع شمل "فريد وكريمان"، لكنه أهداها روايته الأولى، التى عجز عن كتابتها قبل أن تدخل هى حياته فتُكسبها الدفء، الذى طالما انتظره، كى ينطلق قلمه على أوراقه بحرية، فقد أهدته "القلم" الذى حرر به سواكن نفسه، فلم تعد حبيسة ضلوعه، ليظل ما يربطهما أقوى من علاقة على أرض الواقع، وإنما "مداداً" روحياً، يدفع كليهما لاستعذاب الوحدة الاضطرارية والقرب اللامرئى، الذى ظل يجمعهما.
وها هى النهاية تأتى كلاسيكية مٌغرَقة فى العذوبة، فمن الحرمان تتوَلد الأبدية.. وبكلمات الإهداء المُرهفة، التى تَمتم بها "فريد" على الصفحات الأولى من روايته المُهداة إلى "كريمان" تنسدل ستائر نهاية "ليالى أوجينى" ليشعر الجمهور بحالة من الانتشاء جراء هذا الإبحار الروحى فى نفوس لا تزال تائهة على مرافئ الحياة.. جاءت النهاية تتويجاً لتلك النفحات العطرة، التى عبقت أرواحنا بنسائم الزمن الجميل، الذى لم يعد جميلاً مثلما كان فى الماضى، فتظل التفاصيل مَاثلِة أمامنا، تلعب دور البطولة الحقيقية.. تَنقِل لنا رومانسيات من زمن أدارت دفته المشاعر والأحاسيس، كى تُذكِرنا بأن إنسانيتنا صارت فى طريقها للتآكل إن لم تكن قد تآكلت بالفعل. 
فإذا ما كُنا نشتاق بهذه الصورة المُلِحة إلى أربعينيات القرن الماضى، فمن المؤكد أننا نشتاق فى الأصل إلى أنفُسنا التى اغتربت، والوشائج التى اِنحَلَت، والجمال الذى خَفُت، والروح التى ذَبُلَت.

(40 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع