فنون

ماستر سين..

"لاشين" تنبأ بثورة يوليو قبل قيامها بـ 14 عاما

محظوظون هم من استطاعوا مشاهدة فيلم «لاشين» في دور العرض السينمائية المصرية في هذه الفترة، وتحديداً فى 17 مارس عام 1938، فى سينما «ديانا». فبعد العرض الأول؛ تم سحب كل نُسَخ الفيلم من دور العرض، بأوامر صادرة من السرايا الملكية مباشرة، لاعتباره فيلما مسيئا للذات الملكية بحسب ادعاء مسئول الرقابة حينذاك.


أفيش فيلم لاشين

والواقع أن السينما كانت وما زالت متنفساً لكثير من الأفكار والأحلام التي يبدو تحقيقها على أرض الواقع صعب المنال، حيث نجح بعض صنّاعها في استشراف المستقبل، بصورة قد تتطابق مع ما سيحدث على أرض الواقع في كثير من الأحيان. ويعد فيلم "لاشين" أحد أهم هذه الأفلام الاستشرافية، كما أَطلَقت وسائل الإعلام عليه أنه "نبوءة لكل الثورات المصرية". 

وعلى الرغم من عدم توافر الإمكانيات في التصوير والمونتاج والإضاءة آنذاك بالشكل التي هي عليه الآن، إلا أن السينما كانت لها مهابة يخشاها الحُكام، وأولهم الملك فاروق، وقد كان خوفه في محله، إذ صدقت نبوءة الفيلم وتحققت على أرض الواقع، حيث أجمع النقاد ومؤرخو السينما في مصر والعالم‏ أن "لاشين" أول فيلم سياسي تنبأ بثورة يوليو قبل قيامها بحوالي 14 عاما. 
يعد الفيلم أحد أهم إنتاجات السينما المصرية، كما أنه حاصل على المركز الـ 22 فى قائمة أفضل فيلم فى تاريخ السينما المصرية، حيث يتجاوز فيلم "لاشين" حدود العمل التمثيلي المُحَكم، وإنما يسوق للمتلقى سيناريو مستقبلياً بالغ الوعى والاستباق، كما يعد أحد أصدق الأمثلة على السينما السياسية فى مصر، حيث قدم صُناع الفيلم رؤية تحليلية جريئة للواقع السياسى آنذاك.


لقطة من فيلم لاشين

فيلم "لاشين" هو فيلم ثورى بجدارة، فضلاً عن كونه أحد أهم الأفلام التى خلدت الأعمال التاريخية فى السينما المصرية رغم حداثة عهدها فى ذلك الوقت، وعند وضعه فى السياق التاريخى، سنجده من أفضل الأفلام التى جرى تنفيذها خلال هذه الفترة. هو أيضاً من باكورة الأفلام التى حملت الكثير من البذور التَقدمية فى صناعة السينما، خاصة أن الإسقاط لعب وظيفة شبة أساسية داخل سياقات الأحداث، وهو من الوظائف الدرامية التى لم تكن سائدة وحديثة العهد فى ذلك الوقت.
 
يعد الفيلم أيضاً من باكورة الأعمال السينمائية الهادفة، بل والأكثر نضوجاً فى تاريخ السينما المصرية، فهو من أوائل الأفلام التى قام بإنتاجها "استوديو مصر" الذى أسسه "طلعت حرب"، وكان أكبر استوديو تم تأسيسه فى المنطقة بهدف إرساء مبادئ ودعامات صناعة السينما فى مصر بما يجعلها تواكب وتضاهى تلك التى كانت متواجدة آنذاك فى أوروبا وأمريكا، وبالتالى ظل هذا الطموح يحرك صُناع العمل فى فيلم "لاشين".


حسن عزت مع نادية ناجى

استمر العمل فى الفيلم قرابة عامين، وكان من بين الإنتاجات السينمائية الضخمة فى ذلك الوقت، حيث شارك فيه عدد كبير ما الممثلين ما بين أبطال وكومبارس، ووصل عددهم بحسب ما جاء على التتر عشرة آلاف ممثل وممثلة. وأهم ما يميز الفيلم كونه عُرِض أثناء ظهور موجة الميلودراما الغنائية التى بدأت بفيلم "وداد"، كما استعان "طلعت حرب" بالمخرج الألمانى "فريتز كرامب" فى هذه الفترة للإشراف على هذه النوعية من الأفلام. وقد جاء فيلم "لاشين" ليكسر إطار هذه الموجة من الدراما الغنائية بتقديمه تيمة سياسية فى قالب سينمائى، وربما كان هذا سبب الجدل والصخب الذى أثاره الفيلم خلال هذه الفترة، فلم يكن من المعتاد تقديم هذه النوعية من الأفلام من قبل والتعرض للجوانب السياسية ومعالجتها سينمائياً.
 
فى ذلك الوقت كان المخرج "أحمد سالم" مديراً لاستوديو مصر، وحظا بحماية من الباشاوات والبكوات، إلا أنه كان من المدهش أن يتم وقف عرض أحد أفلامه التي تتميز بسخاء الإنتاج وارتفاع المستوى من الناحية الفنية، وعندما حاول "أحمد سالم" التصدى لمحاولات منع الفيلم من العرض، تمت إقالته، بينما حاول "طلعت حرب" التدخل لحماية الفيلم وإنهاء الأزمة، حتى لا يتكبد خسائر مادية فادحة، حيث كانت عوائد السينما المصرية فى ذلك الوقت تمثل ثانى أهم مصدر للدخل القومى للبلاد بعد زراعة القطن، ومن ثم تم الموافقة على تغيير نهاية الفيلم خضوعاً لشروط السرايا الملكية، وبالتالى جرى الموافقة على عرض الفيلم بهذه الشروط.
 

حسين رياض فى فيلم لاشين

الفيلم مأخوذ عن فكرة للكاتب الألمانى "هينريش فون ماين" وكتب الحوار "أحمد رامي"، وأخرجه المخرج الألمانى "فريتز كرامب" أما السيناريو تشارك فى كتابته كل من "ستيفن هاوس" و"أحمد بدرخان"، وقام "نيازى مصطفى" بعمل مونتاج الفيلم.. أما البطولة فكانت للفنان "حسن عزت" فى دور "لاشين"، شاركه البطولة كل من نادية ناجي، حسين رياض، محمود السباح، أحمد بيه، فؤاد الرشيدي، عبدالعزيز خليل، و حسن البارودي.
 
تناول الفيلم الأسباب التي تؤدي إلى اندلاع الثورات الشعبية، حيث قدّم جموع المواطنين، لأول مرة، كقوة لا يُستهان بها، من خلال "لاشين" الذي يشغل منصب قائد الجيش، ويتحلى بالعدل والحسم، ويقف على النقيض التام من رئيس الوزراء، الذي يتربح من موقعه على حساب الشعب. يحاول لاشين تنبيه السلطان لما يفعله رئيس الوزراء، فيسعى رئيس الوزراء إلى التخلص من لاشين وإيداعه في السجن، ولا يدرك أنه بفعلته هذه يسهم في إذكاء النار المتأججة في قلوب الشعب الغاضب.


حسن عزت بطل فيلم لاشين

ورغم وجود لافتة فى افتتاحية الفيلم كُتب عليها "وقعت أحداث هذه القصة فى القرن الثاني عشر"، إلا أن الرقابة اعتبرت أن الفيلم يسيء للنظام الحاكم، وأرادت تغيير النهاية، فبدلاً من أن ينتصر الشعب على السلطان، ويقوم بخلعه، تتبدل النهاية باكتشاف أن السلطان لم يكن يعلم بفساد حاشيته، ويظل الشعب والسلطان يد واحدة، بقضاء السلطان على فساد الحاشية والوقوف في صف الشعب.
 
والواقع أن الفيلم تعرض فى بنائه الدرامى لثنائية الحاكم والمحكوم، لذلك جرى التلويح بأنه يشكل أحد أشكال الإسقاط على حالة الفوضى، التى كانت تعيشها مصر بعد تولى الملك فاروق الحكم، بينما ظل التساؤل عن كيفية أن يكون الفيلم مُحرِضاً ضد النظام ومُبشِراً بنظام جديد وهو مُمَول من جانب كبار المستفيدين من النظام الملكى، الأمر الذى رجح فرضية أن فكرة العمل لم تكن تستند فى الأساس إلى التطرق السياسى للأحداث بقدر كونها فكرة متداولة فى التراث الشعبى المصرى وفى جميع الثقافات وكذلك جرى معالجتها فى العديد من الأفلام الأجنبية فى ذلك الوقت، إلا أنه صادف نزعة المصادرة التى كانت شائعة فى ذلك الوقت لأى محاولة تنديد أو إسقاط سياسى، وهو الأمر نفسه الذى حدث قبل عرض الفيلم بأعوام مع الشاعر "بيرم التونسى" عندما ألف قصيدة، تسببت فى نفيه، للاعتقاد بأنها تهجو الملك فؤاد وزوجته، حيث كان هناك قانون فى ذلك الوقت معروف باسم "إهانة الذات الملكية"، يجرم أى فعل أو قول أو رسم يكون فيه مساس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للملك.


لقطات من فيلم لاشين

يُقال أن حاشية الملك فاروق أوهمته بأنه المقصود من الفيلم، فما كان منه سوى أن طلب من رئيس الديوان "أحمد حسنين" باشا إصدار قرار بوقف الفيلم. وبالفعل فوجئ صناع الفيلم بمصادرته عقب حفلته الأولى يوم 17مارس 1938 بأمر من وزير الداخلية "حسن باشا رفعت" لأنه رأى فيه مساسًا للذات الملكية ونظام الحكم، وحفاظا على أموال الشركة وافق مجلس الوزراء على عرض الفيلم بشرط أن تتبدل النهاية .
 
وبالفعل تم تغيير النهاية الأصلية للفيلم لتتناسب مع الصورة التي ترتضيها الرقابة والتي لا تغضب الأسرة العلوية، حيث لم يقبل الملك فاروق أن تنتهى الأحداث بقتل السلطان الطاغية وهتاف الشعب لقائد الجيش. وبعد تغيير النهاية أجاز عرض الفيلم "النقراشى" باشا، بينما اعترض عليه أيضا كل من "مصطفى النحاس" و"محمد محمود" ظناً بكونهما المقصودين كرؤوس فساد ضمن حاشية الملك. 

اختفت نسخة الفيلم الأصلية لعقود عدة تالية، ولم يعد يذكره حتى "استديو مصر"، وبعد أقل من عشر سنوات من مصادرة الفيلم، وبالتحديد في عام 1947، صدر قانون الرقابة الذي تنص بنوده على منع الأحاديث والخطب السياسية المثيرة، والمواضيع التي تحتوي دعاية ضد الملكية أو النظام القائم، وكذلك منع إظهار مشاهد الإخلال بالنظام الاجتماعي، كالثورات أو التظاهرات أو الإضراب، ولم يتم عرض الفيلم مرة أخرى إلا فى نهاية التسعينيات.

(48 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع