فنون

البحث عن الرب أم المتاجرة باسم الرب؟

قراءة فى فيلم "بى كى"

لاشك أن البحث عن الله أو الإله فى كل دين كان الشغل الشاغل للفلاسفة والمفكرين منذ اخناتون وحتى اليوم، ولكن هل هناك من يتاجر باسم الله؟ وهل هناك من يستغلون تلك المتاجرة؟ بالفعل نعم.. وما نراه اليوم من متاجرة باسم الدين على المستوى السياسى والمستوى الاقتصادى والاجتماعى يعد مثالا صارخا، وليست هذه المتاجرة وليدة اليوم، فالتاريخ حافل بالأمثلة على تحريف الدين والمتاجرة بها، ولكن هل يمكن لفيلم سينمائى أن يتعرض لتلك الإشكالية الكبيرة دون الانجراف فيها والبعد عن قراءة قد يراها البعض إلحادية؟ هذا هو ما فعله المخرج راجكومار هيرانى وبطولة عامر خان أو أمير خان كما نعرفه، والفيلم تم منع عرضه بالهند وأيضا عانى من الصعوبات الكثير لكى يخرج للنور، الفيلم يدور حول قضية البحث عن الرب، ولكن فى رحلة البحث نكتشف كم المتاجرة باسم الرب، فالبطل الذى حل على الأرض ضيفا للاكتشاف من كوكب آخر، بمجرد وصوله يسرق منه رجل وسيلة الاتصال الوحيدة للعودة لوطنه، وهو لايتكلم لغة الأرض، ولا يعرف عنها شيئا حتى أنه لا يعرف الملابس، وبتطور الأحداث يتعلم اللغة ويكتشف أن لكل طائفة إله وأن هذه الإله هو من يساعده للوصول لقلادته المسروقة، وبنفس الوقت يفاجئ بكم الآلهة المتعدد، وهنا يصل المخرج وكاتب السيناريو إلى لب المشكلة..التعدد الدينى وتعدد الآلهة، وكيف أن هذا التعدد لا يسمح بالوصول لروح الرب والتسامح، فنرى التعصبن والمتاجرة بالدين من أول بيع التماثيل الصغيرة وحتى لدى سلطة الدين المتمثلة فى الكهنة أو المتحدثين باسمه فقط.
 


الفيلم اتخذ من الطابع الكوميدى طريقا لتوصيل فكرته، ولكن لم يخل الفيلم من الطابع الفلسفى الذى يدعو للتوحيد رغم التعددية، يدعو لروح قبول الآخر دون مهاجمته أو فرض ترك معتقده، إن الفيلم يأخذنا لبراح من التسامح غير معهود الآن بيننا، يأخذنا لروح الحب، روح الدين، والمعتقد، الفيلم بالطبع يسخر ممن يتاجرون بالدين ويود القول "دعونا نؤمن دون خوف ودون متاجرة بما نؤمن به" وهذا هو مانحتاجه اليوم فى مواجهة ما يسمى بداعش أو غيرها، إن الفيلم عبر التصعيد لأزمة بطله فى البحث عن قلادته المسروقة يصل بنا لما هو مسروق منا ألا وهو الحياة ذاتها، سرقتها المعتقدات الكاذبة والأقاويل المتاجرة بها ، الفيلم فى جرأته يناقش قضية هى من أهم القضايا على الساحة العالمية، وإذا كنا فى المجتمعات العربية والإسلامية ندعو لتطوير الخطاب الدينى، فإن هذا التطوير لن نصل إليه إذا لم نصل إلى التسامح مع ذواتنا بالأساس.
 


فيلم "بى كى" أيضا عبر السيناريو يشتبك مع معتقدات أخرى غير دينية، يشتبك مع السياسة والاقتصاد، وكيف أن الهيمنة السياسية والاقتصادية هى بحال من الأحوال تستفاد من المتاجرة بالدين.
وأخيرا إن هذا الفيلم الذى خرج للنور بعام 2014 يعد تحفة سينمائية من حيث الإخراج والتصوير والسيناريو والتمثيل والمونتاج، وإن كان طويل بعض الشىء، وهو لم يخل من الصبغة الهندية التى تقوم على الغناء والرقص، ولكن ذلك كان موظفا بشكل مذهل.. فيلم "بى كى" هو فيلم كوميدى فلسفى اجتماعى يعيد طرح السؤال الجوهرى منذ الخليقة وهو كيفية الوصول إلى الرب وهل هو كامن بداخل كل منا أم يجب أن يرشدنا إليه وسيط ما؟
 
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع