فنون

عمر الشريف وأفلامه التاريخية..

يمتاز النجم الراحل عمر الشريف بجاذبية خاصة مكنته من الفوز بمحبة جمهور عريض علي مستوي العالم فهو صاحب طلة مميزة وقبول مبهر, شهدت له بذلك الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة خلال لقائها به عقب عرض فيلم لورانس العرب. وقد برع في أداء كل ما أسند إليه من أدوار, غير أن اللافت للنظر أنه مثل عددا كبيرا من الأفلام التاريخية تفوق ما قام به عديد من الممثلين العالميين إن لم يكن كلهم في هذا المجال, منها إلي جانب لورانس العرب فيلم "سقوط الإمبراطورية الرومانية" مع ستيفن بويد وإليك جينس وصوفيا لورين وفيلم "راقبوا الجواد الشاحب" مع انتوني كوين وجريجوري بك وهو عن الأوضاع في إسبانيا بعد الحرب الأهلية و"جنكيز خان" الزعيم المغولي المعروف وفيلم "ليلة الجنرالات" مع بيترأوتول عن مؤامرة كانت تحاك ضد الزعيم النازي هتلر ويحاول الفيلم أن يرسم صورة ذهنية سلبية لبعض رجال هتلر. 
 


وفيلم "الوادي البعيد" عن حرب الثلاثين عاما في أوروبا وهو يتناول قضيتين غاية في الأهمية الأولي أوضاع سكان المناطق الحدودية (جبهات القتال) زمن الحرب, والتعصب الديني الأعمى, وفيلم" دكتور زيفاجو" عن الثورة الروسية وفيلم عن جيفارا الثائر الأممي كما أشيع عنه وأيقونة ثورات أمريكا اللاتينية بعنوان "تشي"وكان هدف الشركة المنتجة (بارامونت) الإساءة لصورة جيفارا , غير أن الصورة ظلت كما هي في عقول ثوار الأجيال التي عشقت الحرية ورغبت في التخلص من هيمنة المستعمر.وفيلمان عن ولي عهد النمسا رودلف فرانز جوزيف الأول " مايرلنج"مع جيمس ماسون وآفا جاردنر والثاني "ولي العهد" العاشق المتمرد علي عالمه والرافض لسطوة والده والواقع في دوامة الإدمان إلي حد الانتحار ,وفيلم موسي وفيلم ليلة مع الملك وفيلم عن كاترين قيصرة روسيا وفيلم عن بطرس الرسول وغيرها من الأفلام.
 



وعلي الرغم مما أثير حول بعض تلك الأفلام من جدل إلا أنه كان متألقا فيها متقنا لأدواره بها.كما أنها حظيت ولا تزال بمشاهدة عاليه من قبل رواد السينما. ويمكن أن يفسر الأمر في ضوء ما تضمنته من قضايا تاريخية جاذبة, كذلك جدية التناول من قبل مخرجين وكتاب سيناريو لهم قدرهم ونجوم كانوا ملأ السمع والبصر .
 غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هل مثل عمر الشريف فيلما تاريخيا عربيا؟. الحقيقة أنه قدم فيلما بعنوان "المماليك" وعلي الرغم من الفترة التاريخية التي يشير إليها اسم الفيلم إلا أنه كان بعيدا كل البعد عن التاريخ فالقصة خيالية بالكامل. كذلك له فيلم يعرض للصراع العربي الإسرائيلي ولكن بشكل سطحي بعنوان "أرض السلام" يتناول قصة فدائي مصري يحاول إنقاذ قرية فلسطينية وقد قامت بدور البطولة أمامه الراحلة فاتن حمامة. وربما قارب بفيلم نهر الحب حيز الفيلم التاريخي حيث أدي دور ضابط استشهد في الدفاع عن أرض فلسطين فهو ينطلق ـ كما هو واضح ـ من خلفية تاريخية, ليقدم للمشاهد عملا رومانسيا برع فيه عمر الشريف الفتي الوسيم في بزته العسكرية الخاصة بسلاح الفرسان في ذلك الوقت وأداء الرائعة فاتن حمامة الزوجة الشابة المأزومة والعاشقة الصادقة المهزومة. 
 


ولكن يبقي فيلم يحظي بتقدير الجميع نقادا وجمهورا, وهو "في بيتنا رجل" عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب الراحل إحسان عبد القدوس وشاعر الإخراج هنري بركات يتخذ الفيلم من الحقبة السابقة علي ثورة يوليو 1952م خلفية تدور في إطارها الأحداث, حقبة شهدت فيها البلاد أحزابا عدة ومتناحرة ولاء بعضها للقصر(الملك) والبعض الآخر للمندوب السامي البريطاني الدولة المحتلة لمصر في تلك الآونة والتى ظلت محتلة للبلاد أكثر من سبعين سنة.وقد شهدت الحقبة السابقة علي الثورة إرهاصات ثورية تمثلت في المظاهرات التي كان وقودها الشباب الوطني الطامح إلي الحرية والخلاص من نير المستعمر وأذنابه, ومن بين تلك الإرهاصات ما تم حيال رئيس الوزراء الذي كان مرتبطا برجال الاستعمار حيث أفلح الشاب الثائر إبراهيم حمدي (عمر الشريف) من اغتياله, بل وتمكن من الهرب بعد إلقاء القبض عليه, واتجه من فوره إلي منزل صديقه محيي (حسن يوسف) وهو شاب لا علاقة له بالسياسية تقلق أسرة محيي للأمر, ولكن وطنية الجميع كانت كافية لتوفير الحماية والمأوي لإبراهيم, وإن ظلت الأسرة في خشية من عبد الحميد(رشدي أباظة) خطيب ابنتهم الكبري سامية (زهرة العلي) الذي اكتشف الأمر وذهب الي مكتب البوليس السياسي للإبلاغ عنه لكن تمكنت سامية من اللحاق به فعمد الي تشويه بلاغه لكن الأمر لم ينطلي علي رئيس البوليس السياسي الذي ساورته الشكوك ليتم إلقاء القبض علي محيي وعبد الحميد بعد أن تمكن الثائر إبراهيم حمدي من الهرب متخفيا في زي ضابط في وقت ينشغل فيه الناس بتناول طعامهم بعد طول صيام في يوم من أيام رمضان وهي لقطة رائعة محفورة في الذاكرة عند كل من شاهد الفيلم . كان إبراهيم يعد للسفر إلي الخارج وبعد أن أفلح في الصعود إلي احدي السفن عاد وقرر البقاء في مصر ومواصلة مقاومة الاحتلال. 
 


وتجدر الإشارة هنا إلي الجانب الرومانسي في الفيلم حيث تلك الفتاة الجميلة التي أسرت قلوب الكثيرين بجمالها نوال (زبيدة ثروت) الابنة الصغرى للعائلة وقصة عشق نبيل تربط بينها وبين إبراهيم, كانت قصة هادئة ضفرت بأحداث الفيلم دون إقحام بل بجمالية تجعلك تشعر بقيمة ما تدافع عنه العرض والأرض.
 


ويبقى السؤال هل كان هذا الفيلم فيلما تاريخيا.. انه يقدم شخصيات من واقع المجتمع المصري من صميم ذلك المجتمع غير أن تلك الشخصيات ليست تاريخية أبطال متخيلون. إن الفيلم التاريخي لابد له من أشخاص حقيقيين ووقائع حقيقية. لقد عالج الفيلم جانبا هاما من جوانب الكفاح الوطني آنذاك وهو الاغتيال السياسي وكيفية ملاحقة الفاعل وتعذيبه ودور الأسرة المصرية الوطنية في توفير الملاذ الآمن له وعليه يمكن تصنيف الفيلم كواحد من الأفلام السياسية وليس التاريخية. لقد أفادت السينما العالمية من فنان مصري كبير في مجال الفيلم التاريخي بينما تقاعست السينما المصرية في هذا الشأن وقد فكر الرئيس الراحل يوما ما في انتاج فيلم تاريخي عن حرب أكتوبر يكون من بطولة عمر الشريف الذي رحب بالفكرة التي لم تخرج إلي حيز النور.
 
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع