فنون

عمال مصر كما صورتهم السينما

هذا هو أول مايو.. هل فقد اليوم بريقه الذى عاشته الأجيال السابقة طويلا؟ 
 لاتزال الدولة تمنح العاملين بالدولة إجازة رسمية, لكن كم من إشارات أن سوق العمال لم يعد مثلما كان عليه أباؤنا.

لو تتبعنا اهتمام السينما المصرية بإظهار جوانب وأحوال الطبقة العاملة فى مصر فسوف نكتشف أن "الطبقة العاملة" كانت ظاهرة سينمائية زمنية فى السينما، صعدت فى فترة بعينها، ثم تقلصت فى فترة أخرى.. وربما ابتعدت بالمرة.. ثم عاودت الظهور بكثافة مختلفة لتختفى مرة أخرى, ورغم أن الطبقة العاملة فى مصر تنمو مع مشاكلها منذ الثلاثينيات وبدا اهتمام السينما بها ـ وحتى الآن - إلا أنها تحولت إلى ظاهرة مثل بقية الظواهر. وهى تظهر وتختفى تبعاً لظروف خاصة بالسينما من ناحية وخاصة بالمجتمع من ناحية أخرى.
 
لو نظرنا إلى الأسلوب الذى تتعامل به السينما مع ما يسمى مضلع الأغنياء والفقراء وعلاقة كل طرف من الضلع بالآخر وبالسينمائيين والجمهور لاكتشفنا ظاهرة فى منتهى الغرابة.. فهناك ازدراء دائم للفقراء.. وعلى أولاد الفقراء الذين يمارسون الإنسانيات أن يكشفوا فى نهاية الأمر حقيقتهم وهى أنهم من الأثرياء تخفوا فى ثوب الفقير حتى يكشفوا حقيقة مشاعر الآخرين تجاههم.

من الواضح أن السينما منذ نشـأتها وهى تعطى للطبقة العاملة ظهرها وتعاملها بازدراء شديد وما العامل إلا نتاج هذه الطبقة. وكما جاء فى مقال للفاروق عبدالعزيز فى نشرة "جمعية الفيلم" العدد (22) مأخوذاً عن مقال نشر فى مجلة الكواكب عام 1933.. لوحظ أن القصة السينمائية ـ السيناريو الذى يدور فى أوساط بسيطة من العمال والفلاحين يكون نجاحه محدوداً لأن السينما قبل كل شيء مبنية على المناظر . وأن الطبقة المتوسطة من الشعب وهى السواد الأعظم من رواد السينما لا تجب أن ترى العالم الذى تعيش فيه . بل على العكس تطمع إلى رؤية الأوساط التى تجهلها وتقرأ عنها فى الروايات . فمهما قدمنا لهم دراما قوية ذات عقدة متينة فهذه الدراما لا تنال استحسانهم لأنهم يعيشون فى نفس الجو الذى جرت فيه حوادث الرواية.
 

افيش فيلم العزيمة

فالفقير فى هذه الأفلام التى ظهرت فى الثلاثينيات والأربعينيات هو المجرم. الحاقد الذى يسعى للابتزاز ودس المكائد . وقد طلت هذه الصورة فى حالات صعود وهبوط حتى وقتنا هذا.
من أبرز الأفلام التى ظهرت فى الثلاثينات "العزيمة" لكمال سليم عام 1939 . الذى تدور أحداثه فى حى شعبى فى القاهرة . ومحمد أفندى هو الشاب المتعلم الوحيد بالحارة . يمثل رمزا للناس فى رغبتها لتعليم ابنائها تعليماً جامعياً . فالوظيفة الحكومية هى أقصى أمل يتطلع إليه الشاب المصرى فإن محمد أفندى الموظف هو أمل الحارة و زواجه بفاطمة كان حلماً لأبيها ولفاطمة نفسها إلا أن هذا الحلم يتبدد تماماً حين يطرد من عمله بسبب ضياع ملف مهم فيخفى محمد أفندى الخبر عن زوجته ويلتحق بالعمل فى متجر يلف فيه البضائع.. وعندما تعلم الزوجة بالأمر تشعر أن زوجها خدعها فتطالبه بالطلاق . وهذه المرأة التى اشتدت بها الحرارة وهى تطلب الطلاق من زوجها عندما علمت أنه يعمل فى محل تذهب إليه فتعتذر عما بدر منها عندما يعود مرة أخرى إلى وظيفته ثم يفتتح مع أحد أصدقائه مشروعاً للاستيراد والتصدير, أى أن السينما المصرية ـ حتى فى أفلامها الجادة التى تعتز بها ـ تنظر إلى العامل نظرة ازدراء فلو أن محمد لم يعد إلى وظيفته واكتشفت براءته بالمصادفة ما فكرت الزوجة فى العودة إليه قط, وهى التى كان عليها أن تتزوج من رجل يكبرها سناً بكثير من أبناء الحارة .
 
ومع هذا فإن "العزيمة" كشفت أزمة المتعطلين, وفى لقطات متتابعة قدم كمال سليم قصاصات من الصحف توضح هذه الأزمة "600 جامعى يتقدمون لوظيفة فراش".. ويقول سعد الدين توفيق فى كتابه "قصة السينما فى مصر": ولكننا عندما نعيد الآن النظر فى فيلم "العزيمة" فإننا نعتب عليه النهاية التى حل بها المؤلف مشكلة بطل القصة. إذ نجد أن الإنقاذ جاء على يدى باشا رأسمالي".
إلا أن سعد الدين توفيق يقول فى مقال آخر: "ونلاحظ أن فاطمة كانت تحب محمد وتتمنى أن تتزوجه لأنه أفندى وموظف، فلما فصل من عمله واضطر إلى أن يعمل فى متجر يلف فيه سلع الزبائن، واكتشفت فاطمة هذه الحقيقة صعقت لأنه ليس موظفاً، فتنكرت ورفضت أن تظل زوجة له.
 

مشهد من فيلم لو كنت غنى


افيش فيلم العامل

فى سنوات الأربعينيات ظهرت مجموعة من الأفلام التى تدور أحداثها فى المصانع وتتناول ظروف العامل المصرى الاجتماعية والنفسية من أبرزها فيلم " لو كنت غنى " لبركات و" الورشة" لاستيفان روستى 1942، و"ابن الحداد " لتوجو مزراحى عام 1944، و"العامل" لأحمد كامل مرسى عام 1943، و"سفير جهنم" وغيرها من الأفلام.

فى فيلم بركات نرى الأسطى محروس الحلاق البسيط الذى يحلم دوماً بالثراء. ويعد زملائه من العمال أنه سوف يدافع عنهم إذا جاءته الثروة . هؤلاء العمال الذين يبتزهم صاحب العمل إلا أنه عندما يصاب بالثراء تتملكه نوبة هستيرية هو وأسرته المكونة من زوجته وابنته وابنه وتبعاً لهذا فإن محروس ينتقل إلى فيلا فخمة ويقتنى السيارات والرياش ويبعثر الأموال ويشترى مطبعة ويسند إدارتها إلى صهره وينسى مصالح العمال، ويتحول إلى رأسمالى جشع مثل رئيسه السابق. ثم تجذبه النوادى الليلية فيبذر ويهمل بيته وينتهز صهره هذه الفرصة فيسرق أمواله، فتهجره الزوجة، وينحرف الابن . وتباع المطبعة إلى صهره وينتبه الأسطى محروس من طيشه، ويقسم أن يعود إلى الطبقة التى جاء منها ويعلم بأن السعادة ليست فى الثراء بل فى الاقتناع مما قسم الله للبشر من أرزاق.
 
وفى فيلم " ابن الحداد " يصور توجو مزراحى عن قصة من تأليف يوسف وهبى ـ طه المهندس الشاب ابن العامل البسيط الذى اهتم بتربية ابنه حتى ذاع صيته فى الميدان الصناعي، وصارت له مصانع عديدة . وقد أحب عماله فأحبوه . وتزوج هذا الشاب من ابنة أحد الباشوات، فأغدق عليهم المال بدون حساب لكنهم ظلوا يستغلونه وأهملت الزوجة ابنها واقترنت نظرة الأسرة دائماً له ـ رغم ذلك.. بالازدراء.. وفوجئ الناس ذات يوم بأنه يشهر إفلاسه وكانت نتيجة ذلك أن واجهت عائلته الزوجة الإفلاس، واضطر كل منهم البحث عن عمل وعاشت معه زوجته فى غرفة متواضعة وبدأت تقترب من زوجها فطهت له طعامه ،وطرزت له ملابسه . وعندما تأكد ابن الحداد أن زوجته فهمت الحياة على حقيقتها يفاجئها أنه لا يزال ثرياً . ولم يفقد ثروته ولا مصانعه. وإنما أراد بهذا الدرس استعادة زوجته وإعادتها إلى الطريق الصحيح.
إذن، فنحن أمام تجربة أخرى عمادها أن الحياة لا تتفق إلا بالثراء حتى وإن جاء الفقر مؤقتاً مع قوم مارسوا الثراء واقتنعوا بالفقر.. إنها نفس النظرة التقليدية التى تنظر لها السينما إلى الفقراء والأثرياء لكل منهم جانبه وسماه.. وهى نظرة ظلت سائدة حتى مطلع الألفية الثالثة.
 


يقول أحمد كامل مرسي، وهو يتكلم عن حكاية فيلمه "العامل" ـ نشرة جمعية الفيلم العدد (22)ـ أن حسين صدقى يعمل فى مصنع كبير مملوك لأحد كبار الرأسماليين وفى أثناء العمل يصاب أحد العمال إصابة عمل تكون نتيجتها أن يفصل من عمله دون تعويض . وكان هذا عرفاً شائعاً وقتها بلغ مرتبه القانون لدى كل الرأسماليين وكان أحد بنود المطالب العادلة للعمال فى حومة الصراع الطبى منذ ثورة 1916 . ويحدث أن تحتج مجموعة من العمال على هذا الإجراء.. ويبدأ المشرفون على المصنع حملة إرهاب خفية ضد هؤلاء العمال الذين كونوا جمعية سرية فيما بينهم وتعاهدوا على النضال المشترك ضد صاحب المصنع ولصالح العمال .
ويبدأ الإضراب العام لعمال المصنع تحت زعامة المجموعة القيادية، وعندما يحس صاحب المصنع بالخطر الأكيد يلجأ إلى الوسائل غير القمعية، فيحاول استمالة زعيم المجموعة وهو حسين صدقى وذلك بإغرائه بواسطة مديحة يسري.. ولكن لإيمانه القوى يحاول دون وقوعه فى الشر الرأسمالى وإدارته ذاتياً.. حيث يعطون كل ذى حق حقه.
 
والفيلم ـ كما جاء على لسان صاحبه يتناول مشكلة التأمينات. فالإضراب ينجح، ويضطر صاحب العمل إلى التنازل فى النهاية والاستجابة لمطالب العمال.. وقد يكون هذا طريقاً يجب أن تسلكه الطبقة العاملة فى كفاحها، وقد يكون مرحلة فحسب، ولكن المهم هو أن قانوناً قد صدر فى أعقاب نجاح الفيلم غير المتوقع يقضى بإلزام صاحب العمل بتعويض العامل عن الإصابة بسبب العمل، بل أن النقابات العمالية قد علا صوتها كثيراً، وأطلقت علىّ بعض الأفلام "المخرج الأحمر" لقد كان أول فيلم فى مصر يتناول بشكل مباشر ومن موقع متقدم مشكلة العامل.
مع بداية الخمسينيات وحتى الآن بدأت الموازيين تتغير كثيراً فى السينما المصرية فازداد الاهتمام بالكشف عن نقاب إنسانية الطبقة العاملة، منصباً فى مجموعة من الأفلام.. وكان العقاب صارماً على كل عامل تسول له نفسه الخروج عن هذه الطبقة والصعود إلى طبقة الأثرياء مهماً كان السبب.. هذه الطبقة الثرية هى فى بعض الأحيان فاسدة ينخر فيها السوس، ويحولها إلى أطلال لا أمل وإعادة بنائها وفى أحيان أخرى فإنها تتسم بطيبة وبخلق قويم. على كل فأكثر حالات الصعود الاجتماعى الذى قامت به الطبقة العاملة إلى طبقات أعلى منها هو صعود انتهازى مثلما حدث فى "الأسطى حسن"، و"لست شيطاناً ولا ملاكاً"، و"الشيطان امرأة"، ثم "الأرملة تتزوج فوراً"، و"خيوط العنكبوت"، و"صاحب الإدارة بواب العمارة".
 

فريد شقى فى فيلم الاسطى حسن

فالأسطى حسن ينتهز أول فرصة للخروج من الطبقة العاملة ليعبر منها سريعاً ثم ينقلب عليها, وهو لا يعود إليها إلا بعد أن تمتص كوثر هانم رجولته, ثم تتجه إلى عصير آخر تمتص منه رجولة أخرى, ولو لم تنقلب كوثر هانم ما حدث هذا التغيير فى حياة حسن . فالعامل هنا مجرد شخصية غشيمة يبحث عن الشهوة، يبيع كل ماضيه وأهله . فهو لا يكتفى فقط بالارتماء فى أحضان سكان الزمالك بل أنه يطرد زوجته التى جاءت تبحث عنه لتخبره بمرض ابنه وهو يصرخ فى وجهها "أنا شفت جوع وفقر سيبينى أدوق طعم الدنيا".
أما أمين فى "الشيطان امرأة" فهو العامل فى أحد المصانع الصغيرة . وهو يعمل فى بالأمن محاطاً بالعديد من العاملات الجميلات وينساق وراء إحداهن التى تسرق القطن فيتركها، بل أنه يحميها ويندفع خلفها تنقله إلى طبقات عليا من خلال انغماس كل منهما فى عالم الجريمة وهو يلفظ الطبقة التى ينتمى إليها وعندما يحس أنه يمكن أن يعود إليها يقتل فتاته مثلما حاول الأسطى حسن أن يقتل كوثر هانم.
 

أفيش فيلم لست شيطانا ولا ملاكا

وفى "لست شيطاناً ولا ملاكاً" لبركات نرى صعود عامل آخر.. لكن داخل مصنعه. والصعود هنا مزدوج , فأحمد العامل فى المصنع يدرس, ويصبح مهندساً فى نفس المصنع أما كوثر فتتزوج صاحب المصنع من أجل إنقاذ أسرتها من الفقر.. ومن خلال رغبة الانتقام لقصة حب فاشل فإن أحمد يصعد إلى طبقة اجتماعية أخرى فالمهندسة التى يقترن بها ليست فقيرة مثله.. وهو لا ينفصل عن طبقته رغم صعوده الاجتماعى من عامل إلى مهندس.
ومرسى فى فيلم "الأرملة تتزوج فوراً" هو عامل آخر يصعد السلم الاجتماعى بعد زواجه من صاحبة المصنع , فهو رئيس عمال ماهر يتسم بالأمانة وحسن الخلق . ولأن صاحبة المصنع تكتشف أن زوجها الراحل كان متزوجاً من أخرى فإنها تتزوج من مرسى نكاية فى الورثة.. وينتقل العامل من العنبر إلى المكتب كمدير للمصنع ثم إلى فراش الزوجة الوثير, ولم يهتم بالكشف عن علاقة مرسى بالعمال فيما بعد ولكن المهم هو أن يؤكد الزوج الجديد لصاحبة المصنع أنه زوج وفى حتى وإن تعرض لنكايات خاصة تحاول إثبات عكس ذلك.
 
كل هؤلاء العمال يرغبون ـ بأى صورة ـ العودة مرة أخرى إلى الطبقة التى صعدوا منها وهناك تمرد ما موجود داخل كل منهم على طبقته.. حتى وإن غلفه ببعض العبارات التى تعبر عن انتمائه إلى الطبقة التى جاء منها مثل المهندس فى "لست شيطاناً ولا ملاكاً " والمهندس الذى صار رئيس إدارة فى " خيوط العنكبوت ".


أحمد مظهر وصلاح ذوالفقار فى فيلم الأيدى الناعمة

وفى الستينيات ظهرت مجموعة من الأفلام تمجد العمل وحياة العمال وتدعو إلى ممارسة العمل مهماً تكن نوعيته, فالبرنس فى "الأيدى الناعمة" يجد نفسه مضطراً إلى ممارسة عمل يرتزق منه بعد أن انهارت الطبقة التى ينتمى إليها.. وفى " النظارة السوداء "وقف المهندس إلى جوار العمال يدافع عن مصالحهم ورغم أن الفيلم صور المهندس منتمياً إلى طبقة الموسرين فإنه يقف ضد صاحب العمل من أجل العامل الذى فقد ذراعه.. وحين يسعى المهندس إلى إحداث تغيير فى حياة الفتاة ماجى فإنه يأخذها معه لزيارة العامل فى المستشفى.. وعندما يتحول المهندس عن موقفه الثورى فإن ماجى تواصل زيارتها لأسرة العامل ويكون هذا سبباً فى إعادة العلاقة فيما بين ماجى والمهندس الذى يرجع عن شططه . وفى "الحقيقة العارية" لعاطف سالم نرى نموذجاً من العمال يمارسون عملهم بحب وهم يدقون أوتادهم فى مواقع العمل فى أسوان أثناء بناء السد العالي.. لكن الفيلم نظر إلى العمال نظرة هامشية قياساً إلى علاقة الحب التى ربطت بين مهندس يعمل فى السد العالى وبين فتاة جاءت تزور موقع العمل فى السد.. وقد ظهرت هذه الأفلام لتواكب صدور قوانين يوليو الاشتراكية وتطبيقها.. كما أن هذه الرؤية لم تتغير كثيراً فى الفيلمين اللذين أخرجهما يوسف شاهين حول السد العالى وهما " النيل والحياة " 1968، و" الناس والنيل " عام 1972.
 

احمد مظهر فى فيلم الأيدى الناعمة

الغريب أنه رغم أن سنوات التحول الثورى والاجتماعى فى مصر كانت فى قمتها فى سنوات الستينيات.. إلا أن الموظف البسيط العادى كان هو بطل أفلام الستينيات.. ونزل ابن الطبقة الثرية من سينما ما قبل الثورة إلى الموظف العادى وأصبح يمارس الأشياء نفسها التى كان يمارسها سلفه على الشاشة خاصة فيما يتعلق بقصص الحب وما أكثرها وارتباطه بالمجتمع الذى حوله.. ولو وددنا تطبيق هذه المقولة على الأفلام التى جسدها فريد شوقى فى الخمسينيات ثم الستينيات لرأينا التغير واضحاً وقد اخترناه لأنه ارتبط بالمتفرج الشعبى ارتباطاً وثيقاً وسمى بـ" ملك الترسو" ولأنه نوع الأدوار التى قام بها فى كل حقبة زمنية تبعاً لمتطلبات كل منها.. ولأنه غزير الإنتاج قياساً إلى زملائه.. فقد جسد فى سنوات الخمسينيات جميع المهن التى يمارسها أبناء الطبقة العاملة ابتداء من الميكانيكى ـ الأسطى حسن ـ إلى الصياد ـ حميدو ـ وصول البحرية ـ رصيف نمرة خمسة ـ السائق فى " سواق نص الليل "، والبائع المتجول فى " الفتوة "، والحمال فى " باب الحديد "، وبائع اللبن فى " جعلونى مجرماً "، إلا أنه بدا يرتدى بدلة الموظف البسيط غالباً فى الأفلام التى قدمها فى الستينيات , مثل دوره فى " العملاق "، و" لعبة الحب والجواز"، من طراز " الجاسوس "، و" العميل 77 "، و" سكرتير ماما " وهى كلها أفلام أقل أهمية من تلك التى لعبها فيما قبل.
 
فيلم الشيطان امرأة منأفلام السبعينات

من سمات هذه الطبقة العاملة فى السبعينيات أنها تغيرت.. وعند أول تحول أصبح الكثير من أبنائها انتهازيين, وهبطت البرجوازية الاجتماعية الصغيرة إلى طبقات أدنى مما كانت عليه وأصبح من الصعب وضع تقسيم علمى لما حدث فى هذه المرحلة.. ولا يمكن أن ننكر أن السينما المصرية قد أزعجها هذا التغيير بكل مقاييسها. وانشغل كتاب السينما ومخرجوها بالبحث عن كل ما يمكن من تناول هذا التغير مثل التباين الشديد الذى تم فى المواجهة بين أستاذ الجامعة والزبال فى "انتبهوا أيها السادة" لمحمد عبدالعزيز وصعود الزبال على حساب الأستاذ.. ومثل سقوط الطبقة البرجوازية المتمثلة فى طلاب الجامعة الذين يعملون بعد التخرج فى أعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم من أجل المكسب الأكثر فى "الحب وحده لا يكفي" فالطالب يعمل فى البناء تارة . ثم الأعمال المشبوهة تارة أخرى . أما الطالبة . فإنها تعمل غانية وتتلذذ بإذلال أدى زميلاتها السابقات.. أمال التباين فهو أكثر وضوحاً من خلال الصراع بين ضابط الشرطة واللص الذى تمكن من الثراء فى " أهل القمة " ويكون دخول هذا النشال السابق سبباً لهدم قيم كثيرة عند الضابط..
وقد أزعج مثل هذا التغير مخرجين من طراز محمد شبل لدرجة أنه قدم أبناء الطبقة العاملة بأنهم أشبه بالكونت دراكيولا خفاش الليل الذى يمتص دماء ضحاياه. فالعامل هو الذى يستغل المواطنين فيرفع أجره إلى حد لا يحتمله إلا الأغنياء.. ويسعى إلى احتكار السوق من خلال ما يمارسه من أعمال استغلال متدنية.

وقد امتدت هذه الظاهرة إلى الثمانينيات وأصبحت أيضاً لشاغل الأكبر لهموم الفنان المصرى ومن أجل ذلك فإن العامل المصرى لم يختف تماماً من السينما، بل ظهرت أفلام تتناول وضعية العمال فى ظل الخصخصة.. مثل "الخبز المر" لأشرف فهمى الذى يتحدث عن العمال فى ميناء الإسكندرية وهو صراع أقرب إلى ما صوره يوسف شاهين فى "باب الحديد".. فالصراع هنا من أ جل امتلاك لقمة العيش وأبناء الطبقة العاملة يتناطحون فيما بينهم من أجل الحصول على أكبر قدر من هذه اللقمة إلى درجة العنف والقتل.
أما فى "عيون لا تنام" لرأفت الميهى فإن الصراع بين أبناء نفس الطبقة يدور داخل أبناء الأسرة نفسها من أجل امرأة فالأحداث كلها تدور فى بولاق أبو العلا. داخل ورشة لإصلاح السيارات ملحق بها مسكن يقيم فيه أبناء الأسرة . فالصراع بين الأخوة يقوم فى أول الأمر من أجل امتلاك الورشة، والأخوة هنا قوم لا خلاق لهم . يتناطحون من أجل امتلاك أشياء من ا لمفروض أن تربط بينهم "أين أمك التى تتكلم عنها. أنت لم ترها قط" . أحد هؤلاء الأخوة يستبيح لنفسه زوجة أخيه الأكبر. وتلد هذه المرأة سفاحاً يكون سبباً فى حل الخراب على الورشة وساكنيها.
 

نور الشريف فى فيلم سواق الأتوبيس

والغريب أن فيلم "سواق الأتوبيس" ابتعد عن أجواء الطبقة العاملة الحقيقية. فرغم أننا نرى الورشة بطلاً رئيسياً فى الفيلم. إلا أن هذه الورشة صارت خراباً.. أعلنت إفلاسها وإفلاس أصحابها. ورغم أن حسن يناضل من أجل إعادة أمجاد الورشة، إلا أنه يفضل العمل فى وظيفته كسائق لأتوبيس وأيضاً كسائق تاكسى أجرة فى المساء من أجل أن يوغر المال لأسرته. رغم أن إنقاذ الورشة كان ممكناً لو تفرغ لها.
ويمثل فارس فى فيلم "الحريف" لمحمد خان عام 1984 نموذجاً عن أبناء الطبقة العاملة . فهو يكسب رزقه من العمل فى محل أحذية ومن موهبته فى لعب الكرة الشراب وقد تعرض للطرد من صاحب العمل وهو معرض لتجربة زواج فاشلة تدفعه إلى نبذ العمل بالورشة بعد أن يختلف مرة ثانية مع صاحب العمل وكل هذه الظروف تساعد فارس فى أن ينحرف من خلال العمل بالتهريب مع أحد زملائه.
 

عادل امام فى فيلم الحريف

لا يستطيع الباحث لموضوع الطبقة العاملة المصرية أن يجزم أن السينما وقفت مع ـ أو ضد ـ هذه الطبقة موقف الخصم أو الصديق.. ولكن الكثير من كتاب السينما ومخرجيها كانوا أقل وعياً من أن يتناولوا هذه القضية بما يتلاءم مع دورها الاجتماعى وأهميتها . لكن هناك القليل من الفنانين كانوا على دراية عميقة بمشاكل أبناء هذه الطبقة فكشفوا الستار عن بعض ـ وليس كل ـ هذه المشاكل, ومن المغبن أن نقول أن السينما بحثت عن الحدوتة الجميلة . وحاولت بثها إلى المتفرج دون النظر فيما يمكن أن تكون هذه الحدوتة رسالة، وقد اهتمت السينما المصرية فى فترة ما من عمرها الطويل بالكشف عن طموحات أبناء هذه الطبقة فى الوصول إلى عوالم عماد الدين وشارع الهرم. وأنه ليس لهم هم سوى الرقص والطبل والغناء يعيشون فى تبات ونبات، وفى سنوات أخرى كشفت هذه السينما عن مسالبهم إبان عصر الانفتاح، وفى السنوات الأخيرة، ظهر هذا العامل بصورة الشاطر الفهلوي، التافه، مثلما رأيناه مجسداً فى أفلام من طراز "صايع بحر"، و"ميدو مشاكل" وغيرها. فقد صار أغلب العاملين غير موجودين بالمؤسسات الإنتاجية بعد أن خصخصت الدولة المصانع, وصارت صورة العامل هى الباحث عن وظيفة أو سائق تاكسي, أو الموظفين بقطاع السياحة, وآخرين.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع