فنون

فى ذكرى رحيله العاشرة..

عبقرية المكان فى أفلام يوسف شاهين

ظل المكان محورا رئيسياً فى الأفلام التى أخرجها يوسف شاهين خلال أكثر من نصف قرن، مما يعكس علاقة أقرب إلى التوحد بين المخرج وهذه الأماكن التى عاش فيها أبطال أفلامه، ابتداء من "بابا أمين" عام 1950 وحتى فيلمه الأخير "هى فوضى" الذى شاركه الإخراج تلميذه خالد يوسف عام 2007 .
وسوف نحاول هنا التعرف على هوية هذا المكان، أو فلنقل الأمكنة، من خلال لملمة مجموعة من السمات التى يمكن ملاحظتها عند رؤية مجموع أفلام المخرج.



تنحصر حدود هذه الأماكن فى ثلاث مناطق بعينها دون أخرى، الأولى هى العاصمة، القاهرة الكبرى، بشامل اتساعها، ابتداء من أحيائها الراقية إلى ميادينها الشهيرة، وأماكن سكن الفقراء، أما المنطقة الثانية فهى مدينة الإسكندرية، وهى الأصغر حجماً، والأكثر إطلالة على الأفق، ثم تأتى منطقة الصعيد الأعلى، خاصة مدينتى الأقصر وأسوان فى دائرة الاهتمام الثالث فى أفلام المخرج.

ولو بدأنا الحديث عن منطقة الصعيد الأعلى فقد بدأ اهتمام المخرج بالصعيد الأعلى فى بدايات حياته، خاصة مع فيلمه الثانى "ابن النيل" عام 1951، واتضح هذا الاهتمام أكثر فى فيلمه "صراع فى الوادى" عام 1954 ثم "أنت حبيبى" 1957، وعاد إلى المنطقة مرة أخرى عام 1972 فى فيلمه "الناس والنيل"، كما ظهر الصعيد الأوسط فى أفلام أخرى للمخرج، منها "سيدة القطار" عام 1952، ودارت بعض أحداث فيلم "العصفور" 1974 فى مدينة أسيوط، كما ظهر الصعيد فى أجزاء من فيلم "المهاجر" عام 1994.
 


هذا الصعيد تباينت صوره من فيلم لآخر، ولم يظهر بصورة نمطية واحدة، ومن الواضح أن المخرج لم يضف ديكوراته الخارجية على المكان، مثلما كان يفعل الكثيرون من المخرجين، وحيث بدا المكان فى بعض هذه الأفلام من خلال الواقع المعاش للبشر والكائنات التى تعيش هناك، مثلما حدث فى "ابن النيل"، حيث ان أغلب أبطال الفيلم من الريف الصعيدى، البعيد عن المدينة، تربطهم بالمكان ألفة، مهما كانت مشوشة، أو ما يتسم به من فقر، وقد تكرر الشئ نفسه فى "صراع فى الوادى" ورغم أن "الأفندية" هم أعمدة الشخصيات فى الفيلم، فإن الأحداث التى تدور فى القرية أكثر من تلك التى نراها فى بيت الثرى.
 
إلا أن الصعيد الذى رأيناه فى "أنت حبيبى" كان أقرب إلى وجهه السياحى، باعتبار أن القصة تدور حول عروسين يأتيان إلى الأقصر لقضاء شهر، حتى تتم تسوية ميراث فيما بينهما. وأغلب الأحداث دارت داخل فندق كتاراكت، ولم يخرج العروسان كثيراً من الفندق وقاعاته.
• أما أول فيلم عن الإسكندرية فهو "صراع فى الميناء" التى تدور أحداثه عند رصيف ميناء الثغر ولا تكاد الكاميرا تغادر الميناء إلى داخل المدينة كأنما كافة هؤلاء البشر محبوسون داخل شاطئ الميناء مثلما حبس يوسف شاهين أبطال أفلامه فى الصعيد، لا يكاد يغادره أحد، حتى هذا الذى يتحرر على المكان فإنه لن يلبث أن يعود إليه مرة أخرى كى يستقر به للأبد.



وقد ظلت صورة البحر ملاصقة للكاميرا فى كافة أفلام يوسف شاهين الأخرى، ففى "إسكندرية ليه" 1989 و"إسكندرية كمان وكمان" 1990، وأيضاً فى جزء من "الوداع يابونابرت" فإن البحر وأفقه ظلا دوماً حاضرين، لا يكادا يبتعدان عن الناظر، ما عكس رؤية المخرج المحدودة للمدينة المترامية الأطراف التى تتسم بأنها طولية، وأن أبرز أحيائها تقع على مسافة من البحر.
وسوف نرى أن الإسكندرية مدينة كوزموبولينانية فى الكثير من أفلام شاهين، أكثر منها مدينة مترامية الأطراف، متعددة المستويات الاجتماعية، وذلك عكس ما رأينا فى مدينة القاهرة فى أعماله.
 
القاهرة فى أغلب الأحيان، هى مدينة للجميع، وهى أيضاً مدينة الميادين الكبرى، وإذا كانت المدينة قد بدت غير واضحة المعالم فى الأفلام القاهرية الأولى، ومنها "بابا أمين" 1950، ثم "المهرج الكبير" 1952، فإن المخرج تعمد أن يتوغل فى كافة أروقة "باب الحديد" 1958 من الداخل والخارج، كان يوغل بنا للتعرف على براعته فى اكتشاف سحر الأماكن غير المألوفة، باعتبار أن يوسف شاهين قدم هذا المكان بشكل لم يسبقه إليه أحد، ولم ينجح أحد فى تقليده أو التعرف عليه بالصورة نفسها. وسوف نرى أن المخرج كان يعود دوماً إلى المكان نفسه فى أفلام أخرى، منها مشهد قيام القطار فى "أنت حبيبى"، ومشهد الوداع بين العاشقين فى "فجر يوم جديد" عام 1965.
 


وفى أفلامه طاف المخرج بأبطاله داخل أروقة المدينة، مما يعكس درجة عشقه لهذه الأماكن، ولنأخذ مثالاً واضحاً فى فيلم، ليس الأشهر من أعماله، وهو "بين إيديك" 1960، حيث انتقلت الكاميرا بأبطالها من القصور الفخمة، ومحل النجارة الذى يملكه رجب، إلى المعادى، حيث المدرسة الداخلية التى سيلتحق بها الزوج، وقد تعمدت الكاميرا أن تخرج إلى هذه الأماكن أكثر من مرة، وهى تصور رحلة رجب ذاهباً وعائداً من المدرسة الداخلية.
وقد تكرر هذا الأمر كثيراً فى أفلام أخرى عديدة، منها "الآخر" 1999، و"سكوت ح نصور" عام 2001 مروراً بأفلام أخرى منها "الاختيار" 1971، و"العصفور" 1974.
 
وسوف نلاحظ أن شاهين صور بيوت البسطاء، والفقراء، مثلما دخل بيوت الموسرين والأغنياء، لكنه فى الأفلام التى صورت داخل الأحياء الشعبية قد تعامل مع الحارات والأماكن المفتوحة على أنها سكن للناس أكثر من الغرف المغلقة أو الضيقة، ابتداء من "المهرج الكبير" إلى "العصفور"، و"حدوتة مصرية" 1982 و"اليوم السادس".

كل هذه الأماكن، وغيرها تتسم بالاتساع الملحوظ، حيث تبدو السماء الزرقاء كديكور طبيعى يعيش فيه الناس، ابتداء من الحقول الواسعة التى ملأت كادرات "ابن النيل" و"صراع فى الوادى"، وبعض مشاهد "انت حبيبى"، ثم الأفق الماثل دوماً فى الخلفية، ومن حول الجميع فى "صراع فى النيل"، و"إسكندرية ليه". وفى فيلم "الوداع يا بونابرت" كان الأفق أكثر رحابة، مهما تغيرت الأماكن. والأشخاص الذين يغادرون من مكان لآخر، ففى الإسكندرية كان "على" يلتقى فتاته فى قلعة قايتباى التى تطل مباشرة على البحر، وعندما هاجرت أسرته إلى القاهرة، فإنها سكنت عند شاطئ النيل، وقد ظهر النيل فى العديد من المشاهد، منها المعارك بين الفرنسيين والمماليك، كما ظهرت منطقة الأهرام بأفقها المتسع عندما ذهب نابليون إلى هناك يتفقد المكان.
 


حتى عندما ذهب العاشقين للزواج فى أحد مشاهد فيلم "الآخر" فإنهما توجها إلى سيناء، المترامية الأطراف، وفى مثل هذه الأماكن يبدو الأشخاص محددين بزرقة السماء من خلال أنصاف أجسادهم العليا، عندما تصورهم الكاميرا. أما النصف الثانى من هذه الأجساد فإنه ملتصق بالأرض التى يعيش فوقها هؤلاء الأشخاص.

ولا يكاد يخلو واحد من أفلام يوسف شاهين فى تصوير الأفق المتسع الذى يعيش فيه أبطال هذه الأعمال. أياً كانت نوعية هذه الأفلام سواء امتزج هذا الأفق بين النيل أو بالبحر، أو الأماكن التى تدور فيها، ففى بداية فيلم "اليوم السادس" تتحرك الكاميرا "بات" فى أعلى مدينة القاهرة الموبوءة بالكوليرا، وقد كساها الغبار، ثم تنتقل الكاميرا إلى منطقة المقابر، حيث تقوم الجدة صديقة بالمشاركة فى دفن أحد أقاربها، وعندما تركب المرأة مركبا متجها إلى أعلى الدلتا، ومعها حفيدها بحثا عن الاستشفاء، فإن الأفق هنا يبدو مختلفاً، نقياً، أزرق اللون، لازوردى تقريباً.
 
كما أن المكان الذى تدور فيه أحداث فيلم "ودعت حبك" 1959 يبدو متسعاً، يطل مباشرة على البحر الأحمر، حيث تعيش مجموعة من الجنود المرضى فى مصحة، بعضهم يموت، والبعض الآخر ميئوس من شفائه، لكن الكثيرين منهم يعودون إلى ثكناتهم وقد تعافوا. وقد اكتشف شاهين منطقة البحر الأحمر، فى مقابل اكتشاف بركات لمدينة مرسى مطروح، وذلك قبل أن تذهب السينما إلى هناك بأعوام كثيرة لتصور أفلام مثل "الاعتراف" لسعد عرفة 1963، وغيرها.
وقد قدم شاهين هذه الأماكن المتسعة فى عدة أخرى منها الإطار المعاصر، بالإضافة إلى الإطار التاريخى، وذلك ابتداء من "شيطان الصحراء" 1954 الذى دارت أحداثه فى البادية، إلى "الناصر صلاح الدين" الذى تم تصويره فى قلعة قايتباى على أنها مدينة عكا، ثم فى "الوداع يا بونابرت" و"المهاجر" و"المصير" ففى "المهاجر" على سبيل المثال هناك عدة أماكن يرحل إليها "رام" وهو القادم من عبر الحدود الشمالية لمصر، فيذهب إلى الحدود الغربية، والجنوبية من أجل الزراعة، كما أن الشاب الذى يهرب حاملاً بعض مؤلفات ابن رشد من فرنسا إلى الأندلس، فإنه يفعل ذلك فى أماكن متباعدة الآفاق، بل ان الأندلس نفسها، كما يصورها الفيلم بالغة الاتساع.
 
• أبطال هذه الأفلام فى حالة رحيل حتمى، أحياناً، واختيارى فى أحيان أخرى عبر هذه الأماكن، ولا تكاد تخلو هذه الأفلام من حالة الرحيل، ابتداء من "بابا أمين" حيث ينتقل عائل الأسرة من الدنيا إلى العالم الآخر، وتظل روحه معلقة داخل منزله، يتابع ما يحدث لأسرته عقب رحيله، وإن كان ذلك قد تم على أنه كابوس ثقيل أما الرحيل الأول والمهم، فهى الرحلة من الصعيد إلى المدينة التى قام بها حمدان فى ابن النيل"، هو شاب يشعر أنه محبوس داخل هذه الآفاق الممتدة، يحلم بالسفر، أسوة بصديقه الأزهرى، إلى العاصمة، هناك نداهة تدفعه إلى ركوب القطار، ليذهب إلى مكان آخر، هو المدينة البالغة الاتساع، الضيقة الأفق رغم اتساعها المكانى، وهذا النوع من الرحيل ينتهى بالشاب إلى جدران السجن الضيقة، بعد الخروج على القانون، وإذا كان قد رحل إلى المدينة بالقطار، فإنه يعود إلى قريته التى أغرقها الطوفان من خلال سيارة أخرى.
والمطربة التى تسافر فى "سيدة القطار" 1952، تجد نفسها داخل نوعين من الرحيل، الأول مكانى، حيث سينقلب بها القطار وتظل فى ريف الصعيد بعض الوقت، أما الرحيل الثانى، فهو أن عليها أن تهجر بيتها للأبد، من أجل أن يصرف الزوج تعويض موتها، فتظل غريبة عن ابنتها، وبيتها، وكل من يعرفها.
 
ورجب فى "صراع فى الميناء" قادم إلى مدينته من رحلة طويلة، تغيرت خلالها أشياء كثيرة، فعرف الأجنبيات حسبما نسمعه يردد، وإن كان المكان بالنسبة لنا كمشاهدين لم يتغير فى هذا الفيلم، أما الزوجان فى "أنت حبيبى" فإنهما يتركان العاصمة، ويركبان القطار إلى أسوان لقضاء شهر العسل، وفى هذا المكان الآخر، فإن تحولا من العواطف الباردة إلى تأجج المشاعر يحدث بين الاثنين، وهناك انتقال ملحوظ من مكان لآخر داخل أسوان نفسها، حيث إن الرحلة إلى البر الغربى، تساعد فى تكشف مشاعر كل من مشاعر الزوجين، بعد أن قرأت قارئة الودع مصائر كل منهما، وهذه الرحلة كانت بمثابة نقطة التحول الحقيقية، خاصة بالنسبة للزوج الذى ردد : "صدقت بتاعة الودع لما قالت......".
 
وفى باب الحديد، رغم ثبات المكان، فإن هناك أشخاصاً كثيرين فى حالة رحيل، ومنهم الفتاة التى تسافر مع حبيبها بعد أن انفصل عن فتاته، كما أن الرحيل مكتوب على أحد الطرفين فى "فجر يوم جديد" 1965، ويرحل يحيى فى "‘إسكندرية ليه" إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أما الأسرة فى "الوداع يا بونابرت"، فإنها تغادر الإسكندرية عقب نزول القوات الفرنسية، وتتوجه إلى القاهرة فى الوقت نفسه الذى تنتقل القوات نحو العاصمة. وهناك رحلة عبر مكانين فى "اليوم السادس" باعتبار أن الصغير حسن عليه أن يتنفس الهواء النقى فوق البحر، كى تتاح له فرصة النجاة من الموت، و"رام" فى "المهاجر" قادم من بلد أخرى هى فلسطين، وهو بعد وصوله إلى مصر، يظل فى حالة رحيل داخلية عبر الأماكن. وفى "الآخر" فإن الشاب "آدم" يأتى من الولايات المتحدة إلى مصر بهدف البحث، ونعرف من الحوار أنه يأتى إلى مصر بين وقت وآخر، وتكون هذه هى رحلته الأخيرة عبر الأماكن، باعتبار أنه سيموت على أيدى المتطرفين.
 


تحتل محطة السكة الحديد، خاصة فى القاهرة مكانة خاصة فى أفلام يوسف شاهين، مما يوحى بأهمية هذا المكان بالنسبة للشخوص التى تتجول داخل هذه الأفلام، ومن ثم فإن القطار يصبح مكاناً له دلالته فى الفراق واللقاء، وتآلف المشاعر، ففى أحد القطارات المتجهة، إلى القاهرة ينطلق الشاب حمدان فى "ابن النيل" ويبدو وكأنه يعرف طريقه جيداً، وهو يقل العربة الأخيرة من القطار الذى ينطلق به، مثلما تنطلق الرصاصة نحو هدفه، وهو لا ينزل من القطار، رغم أنه يرى زوجته تهرع وراءه وتسقط بين القضبان، أنه لا ينظر إلى الوراء قط، هذا الشاب وقف دوماً على محطة القطار متأملاً القادمين من المدن الأخرى، خاصة القاهرة، والذاهبين إليها بإعجاب شديد، وأمل الذهاب إلى حيث الأحلام.

 القطار هنا أداة للرحيل إلى الهدف المنشود، لكنه ليس الوسيلة التى يقلها الشاب حين يعود إلى قريته عقب الإفراج عنه، أما القطار فى "سيدة القطار" فهو أداة قتل، ينقلب بركابه، فيموت أغلب هؤلاء الركاب، لدرجة تجعل الزوج يعتقد أن امرأته المطربة ماتت ضمن الضحايا كثيرى العدد.
ولعل القطار المسافر فى "أنت حبيبى" هو الأكثر حركة فى أفلام المخرج، فعلى رصيف القطار، يدفع فريد بصديقه زاهر إلى ركوب القطار، حين يشاهد حبيبته "نانا" تركب القطار، وفى أثناء الرحلة يحاول ادعاء أن نانا هى عروس "زاهر" وفى عربة الطعام، فإن الزوجة تشعر بالغيرة، عندما تحاول نانا إثارتها، وتتحدث إلى ياسمينة بالذكريات المزعومة. وفى هذا القطار، فإن فريد يغنى وسط الصعايدة، وتقوم نانا بالرقص حتى يصل القطار إلى محطته الأخيرة.
 
ويبقى "باب الحديد" ليكون القطار بمثابة "محل" العمل، والمسكن والرزق، ومكان النزهة، وأداة الرحيل، وفى الأفلام السابقة، كانت هناك قصص محدودة، لكن المستويات الدرامية هنا متعددة، لسنا فقط أمام قصة الحمالين، وعلى رأسهم أبو سريع وخطيبته هنومة، بل هناك أيضاً بائع الصحف، والعاملين فى المكان، والمطالبين بنقابة، والعابرين إلى القطارات المسافرة، القطارات هنا مسكن، ووسيلة حياة، وحين يرغب بعضهم فى النزهة، فإن ذلك يتم إلى جوار النافورة الواقعة عند بوابة باب الحديد.
والغريب أن القطارات هنا تبدو ثابتة أكثر مما هى متحركة، فالقطار لا ينطلق بكل قوته إلا بعد مغادرة المحطة، أما العربات هنا، فتبدو هادئة، أقل صخباً، مبهجة، وتتحرك ببطء كى تصل إلى الأرصفة، وأغلب القطارات التى نراها فى الفيلم من الدرجة الثالثة، وتبدو العربات هنا قديمة، متهالكة، غير صالحة لأى استخدام آدمى، وقد عاد المخرج إلى نفس المكان مرة أخرى فى "فجر يوم جديد" حيث نرى لحظات الوداع الأخيرة بين عاشقين هى امرأة تقترب من خريف العمر، وهو طالب الهندسة الذى عليه أن يبدأ حياته بدون هذا الغرام العابر.
 


وفى الأفلام التالية، بدا شاهين وكأنه ابتعد تماماً عن هذا المكان الأثير بالنسبة له، وفى "الآخر" رأينا مطار القاهرة، يأخذ المكان الأثير للقطار عن شاهين، فيصبح ملتقى للعاشقين اللذين ستستمر بينهما قصة حب أشبه بــ "روميو وجولييت".
تلعب الآثار الإسلامية والفرعونية مكاناً مفضلاً عند يوسف شاهين ابتداء من المعبد الفرعونى فى "صراع فى الوادى"، حيث تعمد أن تدور المواجهة الأخيرة بين أحمد وخصمه بين جنبات هذا المعبد الأثرى، كما أن الآثار الفرعونية تغرق بفعل الفيضان فى نهاية فيلم "ابن النيل" وهناك لقاء بالغ السخرية والطرافة بين الزوجين فى "أنت حبيبى" حيث تذهب الزوجة ياسمينة مع زوجها فريد إلى أحد المعابد بناء على نصيحة زاهر، كى تدفعه إلى أن يعترف لها بحبه، وعبثاً تحاول ياسمينة أن تفعل ذلك، وأن تشير إلى العصفورين العاشقين المنقوشين على أحد الأعمدة، لكن الرجل الذى يدعى الحصافة لا ينتبه قط إلى حقيقة مشاعر المرأة التى جلبته إلى هذا المكان، كما أن هناك مشاهد عديدة تدور وسط الآثار فى فيلم "الناس والنيل" حيث يتم بناء السد العالى.

وقد صور شاهين قلعة قايتباى، التى تطل على البحر، فى أكثر من فيلم، منها "الناصر صلاح الدين" 1963، ثم "الوداع يا بونابرت"، وفى هذا الفيلم الأخير، تم تصوير منطقة الأزهر الأثرية، التى قامت فيها ثورتى القاهرة الأولى والثانية، كما أن هناك شخصاً مهووساً بالآثار، والبحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر فى "إسكندرية كمان وكمان" 1990، وتم الاستعانة بالعديد من المواقع الأثرية فى "المهاجر"، خاصة المعابد، وفى "المصير" ثم تصوير القلعة الكبرى فى حلب على أنها أحد حصون المسلمين فى الأندلس. وفى "الآخر" دعا البعض إلى إقامة مجمع الأديان الثلاثة، كما تم تصوير دير سانت كاترين، وقد بدت الآثار فى بعض الأحيان أشبه بديكور يمكن الاستغناء عنه، لكن كل هذا يعكس إلى أى حد شغف المخرج بالآثار أسوة بعواطفه تجاه القطار.
 


وبالنظر إلى عناوين الكثير من هذه الأفلام، يمكن ملاحظة شغف المخرج بالمكان، فالنيل مكان وإنسان فى فيلم "ابن النيل" وكيان فى "الناس والنيل"، والقطار مكان، وزوج فى"سيدة القطار"، وهناك صراع فى الأماكن، ابتداء من "صراع فى المينا"، و"صراع فى الوادى"، و"الأرض" و"باب الحديد" و"إسكندرية ليه" أيضاً أماكن، ولاشك أن عودة المخرج لاستخدام ما يوحى بالمكان فى فيلمه "إسكندرية نيويورك" يعكس ارتباطه الحقيقى طوال أكثر من نصف قرن بالمكان، رغم الأحداث دارت فقط بين القاهرة، ونيويورك، ولم تكن هناك أى إسكندرية بالمرة.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع