فنون

رحيل صاحبة "حصان الطين".. عطيات الأبنودى

عندما يرحل مبدع، فسرعان ما أوطد علاقتى به ، فأتابع أبرز أعماله كأننى أنشط ذاكرتي, وبالنسبة للمخرجة الراحلة عطيات الأبنودى (1939-2018), فإن أول شيء فعلته هو مشاهدة بعض أفلامها المشهورة, خاصة "حصان الطين" الذى كتبته، وكانت له منتج منفذ ومونتير وأخرجته عام 1970وهو من تصوير أحمد الحضرى ومحمود عبد السميع أبرز أعضاء جمعية الفيلم التى أنتجت "حصان الطين"، والذى وضعها دوما فى الصف الأول من صناع السينما التسجيلية فى مصر.
 

عبلة الروينى
أعترف دوما أننى لم أكن من هواة السينما التسجيلية، وأننى تابعت الرحلة الطويلة لأبرز مخرجينا الروائيين الذين بدأوا حياتهم بالعمل فى السينما التسجيلية، وقد نقلوا تميزهم من عمل هذه الأفلام إلى السينما الروائية، ومنهم داود عبد السيد, وخيرى بشارة, وعاطف الطيب, وكم تمنيت أن ينتقل المخرجون المتميزون فى السينما التسجيلية إلى الأفلام الروائية ومنهم هاشم النحاس, وعطيات الأبنودي, والأسماء غير قليلة.
 
 تعرفت على عطيات الأبنودى فى فترة محنتها العاطفية عن طريق الكاتبة عبلة الرويني, وكم سمعت صوت الألم يندفع منها، من امرأة فقدت رجل حياتها، وتركها مع ماضيهما معا تجتره وحدها، كنت قد مررت بتجربة الألم أن تختار حبيبتك رجلا آخر لتعيش معه، فأحسست بمعاناة المخرجة، وفيما بعد تعرفت على أسرة الرجل, واكتشفت أنه يستحق كل هذا الحب الذى أحبته له امرأتان فى حياته.



لن استفيض فى هذا الشأن لكنها كلمات واجبة الكتابة فهى لم تكن فقط مخرجة، بل هى امرأة وفنانة، ومعاناة، وموقف، نعم، هى موقف كبير, ويبدو هذا واضحا فى صورة الإنسان بكافة أعماره كما صورته فى "حصان الطين"، أنه الفلاح المصرى العامل و فى أعمار متباينة، أغلبهم من النساء, ثم الرجال, وثلاثة جياد, جميعهم يعملون فى طين الأرض, تحوطهم نيران المراجل التى يتم فيها تحويل الطين إلى طوب بناء أحمر, وهى مهنة سيطرت على مصر فترة طويلة حيث تم تجريف الأرض الزراعية، فى كل أنحاء مصر المجاورة لنهر النيل، وحسب الفيلم فإن هناك عبودية بالغة القسوة صاحبة رواج هذا النشاط الاقتصادي, وبدا الأمر بالغ الوضوح على ملامح كافة البشر, العمل يبدأ عند طرف النهر حيث تصل مركب محملة بطمى النهر الأسود الخصب. يقوم الرجال بنقل هذا الطمى فى حمولات ثقيلة إلى أرض إلى جوار النهر, يتم إعدادها لتحويل الطين إلى طوب احمر، يقومون برش شيء أبيض قريب من الجبس, وتبدو الحمولة ثقيلة على الرجال, حيث نسمع صوتا يعلق لواحد منهم أنه لم يذهب إلى السينما سوى مرتين فقط طوال حياته, الجياد التى تعمل يوميا لساعات طويلة وظيفتها أنها تتحرك فوق الأرض الطينية لتحولها إلى مادة طرية ذات كثافة واحدة.



لذا فإنها تلف حول نفسها، تنغرس أقدامها فى الطين يعاونها فى ذلك الرجال الذين يتحركون بقوة وسرعة, تكون البداية من خلال رجال أشداء, أقوياء يقومون بجلب الجياد الثلاثة إلى أرض الطين الأسود الطري، الذى يحول الجياد إلى كائنات بالغة البشاعة, يقوم الرجال بجر الجياد إلى ساحة العمل, ويلفون العمامات السوداء حول الرءوس, حتى لا يرون شيئا أمامهم وهم يدورون فى حلقات مفرغة، وسرعان ما يبدأ العمل, صب الطين الأسود فى قوالب, ووضعها فى صهاريج أرضية مشتعلة, وتقوم البنات بنقل الطوب المرصوص, فوق بعضه الى أماكن تخزينها, حتى تصبح طوب له سمة الحجارة، أو طوب البناء الأحمر.

هناك تقابل واضح بين ما يحدث للجياد والبنات، فأما عن البنات فأنهن من كافة الأعمار, الطفلات الصغيرات القادرات على حمل أثقال تعادل أوزانهن إلى الصبيات، ثم الشابات، وأيضا نساء ناضجات, تبدو الوجوه خالية من الملامح, اعتادت كل منهن على المشقة، والتعامل فقط مع الطين المبلول, والحجارة وكل منهن تتركز قوتها فى أعلى رأسها، أى أن الرأس الذى يحمل المزيد من الطوب الأحمر هو الذى تستمر صاحبته فى العمل الأمر لا يحتمل المزاح, وهؤلاء البنات لا يعرفن الثرثرة، والمرح, بل أنهن يتسابقن بقسوة ملحوظة لحمل كل هذه الحجارة الحمراء فى صفوف ثقيلة, وحسب قوانين العمل فإن الفتاة التى تنل أكبر رصات من الحجارة هى الأكثر فوزا بدخل أكبر فى آخر النهار, لذا فأنهن يهرولن حاملات الأوزان الثقيلة كأنهن فى سباق للخيل، وقد تحول هذا العمل الرجولى إلى ممارسة نسائية، وفى المقابل فإن الرجال يدفعون الجياد كى تدور فى الساحة, يهرولون معهم, تنغرس أقدامهم أيضا فى الأرض الطينية لتسويتها.
 
الكاميرا تتابع هذه الشخصيات الحقيقية، وجميعهن فى عمر الزهور, ويستمر العمل بلا هوادة، والبنات محترفات، يعرفن كيف يتحركن دون أن تقع الحمولة منهن, ويساعدن الرجال فى التقاط رصات الطوب, فما أن ينتهى التقاط الرصة اليمنى حتى تلف البنت حول نفسها, وهناك عشرات البنات, وكما أشرنا فإن هناك تقاربا واضحا بين العاملين فى المكان فيما يعانون ويقومون به,، عدا أن البنات يحصلن فى نهاية يوم العمل على القليل من القروش, أما الجياد فأنها لا تحصل على أى أجر, ربما الأكل هو المقابل الوحيد.
وعندما ينتهى العمل، فإن البنات تسرعن الى النهر لترطيب الوجوه وغسلها، أما الجياد فأنها تتمرغ فى الطين تعبيرا عن فرحتها لإطلاق سراحها، وقد انتزعت العصبات عن الأعين، وصارت ترى أمامها، ثم تلحق بالبنات إلى النهر للاغتسال, وترطيب الجسد, وهو أمر لا تفعله البنات أمام الكاميرا.
 
 واحد من هذه الجياد أراد أن يعبر عن فرحته الشديدة بالراحة، فانطلق, هاربا من حارسه، الذى لم يلحق به وهكذا ينتهى يوم عمل فى حقول الطين.
إنه فيلم شاهد حى على الحياة البالغة القسوة التى يعيشها المصريون الذين لاينالون فى مقابل قسوة العمل سوى أقل قدر من الأجر.
هذا الفيلم كما جاء فى النسخة الموجودة على اليوتيوب حصل على ثلاثين جائزة فى مهرجانات الأفلام التسجيلية فى سنوات عرضه الأولى فى جرينوبل بفرنسا, وقليبية بتونس, ومهرجان دمشق, وفى بلجيكا. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع