فنون

يعرف القليل عن أوضاع اللاجئين العرب والأفارقة..

رحلة مع الفيلم الألمانى "ترانزيت" ومأساة ضياع الأوطان

فصول تتأرجح بين الماضى والحاضر.. لقطات تتشابَك مع الذاكرة البعيدة والقريبة.. نِثَارات تاريخية لا تزال عالقة على أرض الواقع، لكنها بحاجة إلى جرأة وابتكار من يضعها تحت عدسة الكاميرات.
تلك المُقامرة السينمائية المَحفوفة بمخاطِر الرواج التجارى والزخم النَقدى خاضها المخرج الألمانى "كريستيان بيتسولد" فى فيلمه الأخير "ترانزيت/ Transit"، الذى جرى عرضه العالمى الأول بالمسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائى "برليناله" فى دورته الـ 68، حيث قُوبِل بحفاوة نقدية بالغة نظراً لحداثة التقنية، التى تبناها فى إدارة الحركة الزمنية للأحداث، ومن ثَم نافس بقوة على جوائز المهرجان كما نال جائزة أفضل فيلم روائى طويل من مهرجان نورِمبرج السينمائى "تركيا- ألمانيا" لعام 2018. 
الفيلم مأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة الألمانية "آنا زيجرز"، والتى تدور أحداثها حول نزوح بعض الألمان من معسكرات الاعتقال هرباً من النازية إلى "مارسيليا" خلال فترة الحرب العالمية الثانية عام 1941، إذ تأثر "بيتسولد" إلى حد كبير بفكرة العبور الزمنى المؤقت، التى يبدو خلالها الجميع مسافرين عبر الماضى وصولاً إلى الحاضر بتقاطعاته اللانهائية. 



وانطلاقاً من هذه الرؤية الاستشرافية قدم فيلمه "ترانزيت" بتقنية زمنية غير تقليدية حرص خلالها على ألا يستعرض الأحداث التاريخية كالقطع الصماء داخل متحف، بل كان يبحث دائماً عن ظلالها الممتدة داخل الواقع المُعاش، وفهمها فى سياق أكثر رحابة إلى جانب دفعه بالمزيد من الصور الذهنية والإيحاءات المحِفزة، التى تٌرافِق المتلقى لفترات ليست قصيرة عقب انقضاء المشاهدة، كما لم يكتفِ بإدارة دَفة العمل كمخرج فحسب، وإنما قام بكتابة "السيناريو" لخلق بعض المقاربات بين الماضى والحاضر بطريقة شديدة الابتكار للربط بين اللاجئين القدامى والحداثيين.
الفيلم بطولة "فرانتس روجوفسكى"، "باولا بيير"، "جودهارد جيز" و"ومريم زارى"، وتدور أحداثه حول "جورج"- أحد اللاجئين الألمان- الذى حاول الهرب من النازيين فى ألمانيا لينتقل إلى مارسيليا، حيث يقوم بانتحال شخصية الكاتِب، الذى اتُهِم بقتله كى يدخُل بشكل شرعى إلى المكسيك، وخلال انتظاره للأوراق يتعرَف على امرأة تَنتظِر وصول زوجها من ألمانيا، ويَكتشِف بالمصادَفة كونها زوجة الكاتب المَقتول فيحاوِل أن يُساعدها فى الهرب وتنشأ بينهما قصة حب. ومروراً بهذه الأحداث يلتقى البطل بوجوه عربية وأفريقية تعطى دلالة غير مباشرة على أوضاع اللاجئين المعاصرين النازحين إلى أوروبا هرباً من العنف والموت فى بلادهم. 



من هنا تتجلى أوجه المُخاطرة، التى خاضها "بيتسولد" عندما تخلى عن الخلفية التاريخية للأحداث، ودفع بأبطاله إلى مسرح مارسيليا "المعاصرة" فى غياب واضح لمشاهِد الحرب واستدعاءات الماضى فتبدو الحياة فى ثوبها الحالى بهواتفها الذكية وسياراتها الأوتوماتيكية والملابس الكلاسيكية المعتادة لكنه قبض على جوهر الرسالة المراد تمريرها مع الاستبقاء على الروح التاريخية، التى ظلت ممتدة ولها حضورها الملحوظ فى واقعنا الحالى، فلا تزال النظرة واحدة لا تتغير تجاه اللاجئين فى كل مكان وزمان، إذ لا يطرأ أى تحسن على أوضاعهم فى العالم بأسره خلال الـ 75 عاماً الماضية. 
أبطال "ترانزيت" يستمرون فى الظهور كأشباح مُتسلِلة من الماضى إلى المستقبل وكأنهم فاقدون للحظات الآنية وغير منتمين للحاضر، فهناك مَغزى من هذه الحركة المُشتتة للأحداث كى تتماهى مع أوضاع هؤلاء المُهاجرين على الدوام، ومن ثَم تبنى "بيتسولد"- طيلة الأحداث- مفهوم الخِدعة الدرامية والسرد اللا متصل من أجل محاكاة التفاصيل المَبتورة المتعلقة برحلة كل لاجئ إلى المجهول، كما اهتم باكتشاف رحلة عبورهم المؤقت أكثر من اهتمامه بالسرد الدرامى اعتماداً على رمزية التنافر الزمنى المُتعَمدة، التى ربما لم تجد صداها لدى الجماهير المُعتادة على الوجبات الفنية التقليدية.
 




 
 
 
والواقع أثار الفيلم زخماً نقدياً واسعاً كان منه المُنصِف والمُخيِب للآمال، حيث لاقى بعض الانتقادات فى ألمانيا، التى فسرها "بيتسولد" بأن السينما الألمانية تفضل تقديم الأفلام التاريخية- كما الوثائقية- وفقاً لتابوهات تقليدية بحيث لا مجال سوى للجولات التفقدية على الأحداث، ويرى أن المُبدِع - فى ألمانيا – ما زال بحاجة إلى الوقوف على أرض صلبة خاصةً عندما لا يريد الجمهور الاشتباك معه فى محاكاته غير المعتادة، ويخفِق فى التفريق بين الأعمال المُستهَلكَة والتجارب الخلاقة.
ومن بين الانتقادات التى وُجِهَت للمخرج اهتمامه بخلق اشتباك بين لاجئى الماضى والحاضر بصورة مرئية فقط غير مُطعَمة بتفاصيل حياتية تتعلق بهؤلاء اللاجئين المعاصرين، بينما رأى "بيتسولد" أنه لا يملك المعرفة الكاملة عن أوضاع اللاجئين العرب والأفارقة، ولا يسعه سوى احترامهم والتعاطف معهم؛ لذلك تخيَر أن يسرد قصة بلاده، التى يعرفها جيداً، واستِخدمها كـ "نصل" ينبش به إدراك المُتلقى لقراءة الواقع، الذى يتكرر فى استمراء، فكانت مثل هذه اللوحات السردية غير المكتملة عن حيواتهم وظهورهم العابر داخل الأحداث له رمزيته الدّالة على واقعهم المُهمَش داخل مجتمعات تتقبلهم بالكاد، ليتجلى المُرتَكز الرئيسى للفيلم آلا وهو قضية "الهوية" الضائعة، التى تتوارى بين حرائق الماضى وضبابية الحاضر وغموض المستقبل.



وعن التقنية المُربِكة، التى نفذ بها فيلمه واضِعاً نفسه فى فخ الانتقادات، يشير "بيتسولد" إلى أن العودة إلى الماضى فى عالم السينما أمراً مرهقاً للغاية من حيث بناء استوديوهات خارج العالم الفعلى للأحداث، لذا حاول فى "ترانزيت" أن يصنع حالة من الخلخلة الزمنية تتداخل عبرها الأحداث والأشخاص مع الحفاظ على الفكرة الرئيسية المراد طرحها، حيث بدا له الأمر أكثر منطقية، بيد أن الصعوبة كانت فى نقله للآخرين وإمكانية استيعابهم له، والأكيد أنه لم يخش أبداً ضياع جهده هباًء مما جعله لا يتوقف كثيراً عند مثل هذه الانتقادات، مُستشعِراً قدر كبير من الارتياح نظراً للحرص المتزايد من جانب الجمهور والنُقاد فى كل من فرنسا وكندا و بريطانيا على متابعة العمل وقراءته بصورة أكثر توازناً من تلك التى لاقاها فى ألمانيا. 
 



حقيقةً يستحق الفيلم مرات ومرات من المشاهدة لقدرته الفائقة على منح الجمهور فرصة خلق روابطهم الخاصة فى ظل حركة مستترة ومستمرة ما بين السرد الروائى والدرامى وبين تصاعد وتيرة "النازية الجديدة" ومشاعر الرفض المناهضة للاجئين فى أوروبا، ليتضِح أن مأساة الماضى لا تزال متجسِدة على أرض الحاضر، فيما تتشكل حلقة من النقاش اللا متصل لدى الجمهور نتيجة الاشتباك بين مظاهر الحداثة وأطياف التاريخ فيبدو العالم مجرد محطة انتظار أبدية لمواطنين فقدوا صلاحية كلمة "وطن"، بيد أن البشرية لا تزال تواصل استخفافها بدروس التاريخ. 
ووسط هذه المحطات والشخصيات، التى تأتى وتذهب من تلقاء نفسها، يصبح الواقع الافتراضى، الذى خلقه "بيتسولد" وفريقه، بلا ملامح واضحة، فلا أحد من أبطال "ترانزيت" أدرك وجهته أو بلغ محطته الأخيرة، و ربما كانت هذه هى الرسالة فى حد ذاتها، خاصةً أن نقطة الوصول "ضبابية"، فلا تزال مرسومة على خط افتراضى صنعه كل لاجئ فى مخيلته فقط ، لأن الواقع لا يزال ناكِراً لحقوقه.. !! 
 
 
 
 

(44 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع