فنون

جمال فهمى: رصد أحوال الشارع ليست وظيفة الفن التشكيلى.. فالفوتوغرافيا أولى بها

ـ وظيفة الفن التشكيلي شمولية لأنها الأكثر إنسانية
ـ عندما سألتني مديرة قاعة العرض: ما هو عنوان المعرض؟
قلت لها: "أشكال وألوان"
 
تجربة إبداعية جديدة يخوضها الإعلامى جمال فهمى ولكنها بعيدة عن حقل الإعلام وإن كانت الفنون متقاربة، تمثلت هذه التجربة فى معرضه التشكيلى الأول "أشكال وألوان"، الذى أكد تأخره ثلاثين عاماً.. حل اللون بطلا رئيسيا فى المعرض من خلال حوار فنى متناغم أجراه فهمى بين الشكل واللون دون التقيد بموضوع محدد، طغى علي هذا الحوار الاتجاه التجريدى فى اللوحات والتشخيص بالنحت ومن هذا المنطلق كان عنوان معرضه.
 


* من الرسم بالكلمة إلى التعبير باللون كيف كانت البداية ولماذا جاء المعرض فى هذا التوقيت؟
** أذكر أن حجرة الرسم بمدرستي الابتدائية وحتى الثانوية كانت تمتلئ برسومات لي وظل الرسم أقوى هواياتي ولكن الأهم أن الاهتمام بالثقافة البصرية ظل ملازما لي رغم انقطاعي عن الرسم. كونت مخزوناً بصرياً، كلما سافرت للخارج تجولت بالمعارض والمتاحف المختلفة وتتبعت التيارات المهمة فى هذا المجال. طوال الوقت أريد أن أعكف على الرسم ولكن التأجيل امتد حتى 30 عاما إلى أن بدأت منذ عاماً ونصف فى رسم المعرض.
 
لقد استخدمت فى سؤالك تعبيرا دقيقا وهو "الرسم بالكتابة والتعبير بالألوان". الكتابة هى أداة من أدوات صناعة الجمال. الكلمة يمكن أن ننحت منها آيات من الجمال وكذلك آيات من القبح! لكن خامة الكلمة عظيمة يصُنع منها أشياء متنوعة. الألوان تكاد تكون الخامة الأولى فى الكون والتى هى فى ذاتها جمال. إذا سألنا أنفسنا: كم لوناً فى الكون؟ سوف نكتشف أن هذا سؤالا مستحيلا. هناك ألوان أساسية نعرفها ولكن يخرج منها ألوان واشتقاقات لونية لا حدود لها. فثراء الكون يظهر فى تنوع ألوانه لذلك فكرة التعبير باللون ضرورية. كما أن تاريخ الرسم سحيق منذ بداية وجود الإنسان.
فقد ظل يواكب الحضارة الإنسانية، إذ بدأ الفنان بمحاكاة الطبيعة من خلال الرسم. يرسم صورة إنسان أو طائر أو شجرة أو بحر ظل هكذا حتى عصر الحداثة. تطور فن الرسم وواكب تطور الحضارة الإنسانية. وكان هناك اتجاه إلى أن يبدع الفن التشكيلي خارج الأشكال المعروفة، بحيث يكون باللوحة قدر أكبر من الخيال. الخيال الإنسانى عند الفنان وهو يبدع لوحة أكثر ثراءً من أن يحبس نفسه. وقد أزدت اقتناعا عندما رأيت أحد رواد الحداثة الفرنسى إدوارد مانيه الذى تمرد على الرسم التقليدى القديم وقواعده الثابتة. حيث قال إن الفن التشكيلى أوسع من حبسه فى مجرد محاكاة الطبيعة فقط، بل هو مستقبله ويفتح آفاقا للجمال من هناك وبعد هذه القراءة قررت إتباع هذا النهج.
 


* وماذا عن تيمة المعرض "أشكال وألوان"؟
** أرى أنه لا يوجد ضرورة لمصطلح موضوع اللوحة، الجمال هو ما يجمع الفن التشكيلي، أو القدرة على ابتكار مفهوم للجمال. بل أستغرب من يقول معرض عن حياة الريف!
إذا أردت أن أرى حياة الريف فيمكننى ذلك من خلال الصور الفوتوغرافية أو قراءة مقال عن الريف لكن للوحة وظيفة جمالية بالأساس. إذا كان يلزم لها قضية فهي قضية الجمال وكيف أخذت المشاهد إلى مناطق للجمال.
أهم سؤال أسأله للمتلقي هل نالت اللوحة إعجابك أم لا؟ واستغرب سؤاله للفنان عما يقصده بلوحاته! إذ أراه سؤالا لا جدوى منه. المهم أن يشعر المتلقي بقدر من الجمال والراحة بغض النظر عما سيقوله الفنان. إذا أراد سماع آراء.. عليه أن يقرأ مقالاً أو بحثا أو كتابا. لكن اللوحة وظيفتها أكثر عمومية لأنها أكثر إنسانية. هذه هى وظيفة الفن التشكيلى فى صيغته الحديثة. إذا كان لدينا كاميرا فى التليفون فلماذا أحتاج أن يرسم الفنان لى صورا فوتوغرافية؟
 
* إذن ما هو المطلوب من الفنان برأيك؟
** هو مطالب أن يطلعني على آيات من الجمال لم أراها من قبل. الرسام لديه كون واسع بتفاعلات وألوان يعمل عليها، وهذا ما حاولت تنفيذه بهذا المعرض. عندما سألني صاحب القاعة عن اسم المعرض فكرت ثوان وقلت أشكال وألوان لأني بالفعل نفذته بهذا المنطلق. ربما ما يجرى فى الشارع يوحى لى بشكل جمالى ما لكنى لن أرسمه لأن ذلك وظيفة المصور الفوتوغرافى.
 
 
* تحمل غالبية اللوحات أبعادا وأشكالا هندسية.. فما الذى أغراك بهذا الأسلوب؟
** عنوان المعرض أشكال وألوان.. أحاول أن أجد علاقة جمالية بين أشكال هندسية مختلفة الألوان، أشكال ليس لها قوام. لا يوجد بها شكل معين يتحكم فيها. لا تشبه وحدة الوحدة المجاورة لها. إذن هى أشكال وألوان. هناك رسام وفنان. الرسامون كثيرون يعرفون يرسمون جيدا ولكن ليس كل رسام فنان ولكن كل فنان بالضرورة رسام، يستطيع أن يذهب بنا لمناطق متنوعة. بالنهاية هناك تنوع فى الأذواق.
* وهذا يقودنا للسؤال عما إذا كنت هل استهدفت جمهورا معينا خلال تنفيذ هذه الأعمال؟
لا لم أستهدف جمهورا بعينه. وعندما بدأت الرسم لم أكن أعرف أننى سأقيم معرضا. ولكنى استهدف العين التى ترى عملاً فنياً بشكل جيد أيًا كانت هذه العين ستخرج من أى طبقة وثقافة.
 


* وبعد ممارسة الرسم أيهما أسهل الكتابة أم الرسم؟
** الاثنان فى منتهى الصعوبة.. هناك من يستسهل الكتابة لا أعرف كيف. الكتابة بالنسبة لى حالة معاناة حقيقية. الرسم نفس الشيء. البحث عن مناطق للجمال وحوار طويل بين الشكل واللون لتقديم منتج جيد.
 
* طغت على المعرض الألوان الدافئة فهل هى الأنسب لإيصال فكرتك؟
** أحب هذه الألوان وأستطيع أن استخرج منها مزجا فنيا جميلا. أرى أن بها ثراء قادرا على استجلاب أطياف متنوعة عن الألوان الباردة.
 
* هل يحدث أن تأخذك ضربة فرشاة غير مقصودة أو درجة لون خاطئة نحو مسار مغاير لما كنت عازماً على تنفيذه وهل قمت برسم اسكتشات أولية للمعرض؟
** عدد محدود من اللوحات المعروضة بدأتها على اسكتشات ولكن عند النقل على التوال تغيرت بعض الشيء. لكن لا يوجد إبداع بدون تفكير. هى فكرة تظل تتكثف فى الذهن حتى تتجسد على القماش. يكون لها قوام وأبعاد بمجرد الإمساك بالريشة والتحرك على اللوحة.
* ربما حملك هذا المعرض مسئولية كونه تجربة مختلفة عن عملك الأساسى فما أبعادها؟
** شعرت بقلق كبير وأعتقد أن هذا القلق سيتجدد مع كل معرض. وهذا القلق هو الذى أشعر به طوال ثلاثين عاماً مارست فيها الكتابة. حماس يوم الافتتاح طمأنني قليلاً وأعتبر أن عدم الاطمئنان فضيلة لأنه يحفزني للعمل. فمازلت تلميذا هاو أتعلم.
 
* تضمن المعرض عدة منحوتات صغيرة الحجم.. فماذا عنها؟
هى مجرد تجارب. أجرى تجارب لا حدود لها سواء فى الرسم أو النحت ولكنى امتلك أدواتى أكثر فى الرسم. تحررت من القيود الأكاديمية التى تكبل الخيال أحياناً. لكن تعلم التكنيك ضروري وقد حرصت على ذلك وسألت أساتذة الفن فى ذلك.
 
* لماذا حرصت على تنوع الأحجام فى اللوحات؟
** من منطلق إحساسى أن كل لوحة حالة بمفردها. الفكرة هى التى تحدد الحجم الذى تنُفذ فى إطاره. وأحب الحجم لكي أصنع مزج اللون الذى أريده وأبرزه. وكلما صغرت اللوحة فأنها تحد من الحرية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع