فنون

"جرنيكا".. جماليات المأساة

لوحة غيرنيكا

تعاملت بحب مع إرهاصات المدرسة التأثيرية فى الفن التشكيلي، وخصوصا عند"مونيه" و" ديجا"، ومن المعروف أن هذه المدرسة تتمحور حول البعدين التاريخى والاجتماعي، ومتقاطعة كذلك مع الفلسفة وعلم النفس. ولست أدرى لماذا لم أتعاطف مع "بيكاسو" من البداية، رغم جديـّة الرجل فى بسط معطيات فن يستخلص معان غير متوقعة، ولمسة من الجمال، يحققها بالتقارب الشاعرى بين أشياء تبدو عادية جدا، تُنتزع من غرضها التقليدي؛ لتتحول إلى استعارات موضوعية مدهشة.
 
كان الشائع أن التكعيبية قد وقفت ضد التأثيرية لتعيد للموضوع اعتباره، لكنها انتهت مثل التأثيرية بتوارى الموضوع. هنالك برز "بيكاسو" لينأى بنفسه عن التورط فى التجريد المسدود، والذى تاه فيه الكثيرون وعلى رأسهم " بييت موندريان". لكن ظلت علاقتى بفنه علاقة من يحترم جهده، دون الإمعان الظاهر بحقيقة هذا الرجل كمبدع كبير، يعيد للفن التشكيلى الكثير من رونقه.
 
حاولت مع "جرنيكا" السعى لفك هذه الشِفرة. بعد أن وصفها صديقٌ لى كونها لوحة تبعث على الصداع، وأحسبه وصفا يعبر عن جهالة، فلا يوجد فن من وجهة نظرى يمكن نعته بهذا الأثر. فرحتُ أبحث فى المواقع كى أرى "جرنيكا" واختبر ذائقتي، وأرى إن كنت فعلا سأصاب بالصداع أم لا .
 
باستطلاع ظروفها علمت أن طائرة أمريكية عملاقة هبطت بالعاصمة مدريد، تحمل "جرنيكا". كان فى استقبالها حرس شرف رسمي، سار بها فوق بساط  أحمر، وأطلقت المدفعية احتفاءً بها واحداً وعشرين طلقة، قبل أن تأخذ طريقها إلى متحف "البرادو"  تنفيذاً لوصية"بيكاسو". وهكذا قوبلت اللوحة بمثل ما يقابل به الملوك والرؤساء، تحية إن لم تكن لعظمة الرسام، فهى أروع تحية يمكن توجيهها للفن الرفيع الذى يثير الوجدان ضد الحرب، ويدعو إلى الحرية والسلام.
 


أمسكت ببعض الدلالات التاريخية التى سبقت رسم هذه اللوحة. فلقد أتخذ "بيكاسو" من هجوم طيران "هتلر" و"فرانكو" على مدينة "جرنيكا" الصغيرة فى إقليم "بسكاي" موضوعا لها. والواضح أن الرجل لم يكن يقصد أن يحكى الأحداث، بل يريد أن يوضح إلى أى مدى وجهت الفاشية الإهانة للإنسان. واعترف كنت أنظر لأسطورة. أمارس حيالها السباحة، وليس مجرد الرؤية الفاحصة لما تمخضت عنه ريشة الرجل، ومرَّة أخرى تأكدت أننا لسنا بصدد عمل رمزي. فالمغزى لا يُرد من خارج اللوحة، ولا يمكن تلخيصه فى خطاب، ولكنه يؤلف مع الشكل كُلا واحدا لا يتجزأ. رأيت الألوان آلاما، والخطوط أهوالا أو غضبا، وسيطرة كاملة على التكوين؛ حتى يصبح العمل برمته إدانة وصرخة يطلقها الضحايا .
 
اللوحة إجمالا مشهد لمذبحة، مذبحة بمعنى الكلمة، مشهد ترتفع من أمامه الستارة، ولكنه بلا مبالغة يسمو فوق الحكاية المروية. فنحن لسنا داخل بيت أو خارجه، والضوء فيها، لا هو ضوء نهار أو ليل، ولا يمكننا أن نجزم أن خطوط الضوء الباهتة التى تبرز تفاصيل المذبحة هى أشعة الشمس، أو حتى انعكاسات لحريق معين، أو ضوء لمصباح، أو حتى الوضوح المخيف التى تبثه النظرة الثابتة على الأشياء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأشلاء الممزقة والمشوهة  تخلط ببشاعة الأشكال الإنسانية بالأشكال الحيوانية، وصرخة المرأة الواقفة إلى اليسار وهى تحمل طفلا ميتا بين ذراعيها، ليست صرخة أم معينة، بل على ما فهمت بدت كرمز عالمى لآلام الإنسان، وقبضة يد المحارب المحتضر؛ المضمومة على حطام نصل سيف، وسط زهور هشة لا تفنى أبدا. هذه القبضة لا تعبر عن الهزيمة، بل عن عزم لا ينطفئ على البقاء والانتصار، وينطبق الأمر نفسه على الصهيل الرهيب للجواد المحتضر، وقد ظهر جانباه الممزقين بكل مساحتهما عن طريق حيلة فنية رائعة من منظورات عديدة . هذا مع صرخة احتضار تطلقها امرأة أشبه بشعلة متأججة تسقط فى فراغ، مع اندفاعة امرأة أخرى ينثنى جسمها كأنه علامة استفهام حية، وقد اختلطت عيونها بالدموع . فكل شكل من أشكال الفزع يشوّه الجسم الذى يستبد به ويجرده من الإنسانية، ويفسخ أوصاله، كأن الحرب ليست فوضى مؤقتة، بل هى اعتداء على قانون الأشياء ذاتها. وكأن "بيكاسو" ينظر بوعى حثيث لنظرية تفسيرية بأثر رجعى، لازدهار الكائنات المشوهة، فى إشارة واضحة للتنبيه بخطورة هجوم القوى اللاإنسانية.
 


مكثت لفترة احتال على الرؤية، أمضى وأعود كى اختبر ما علق بخيالى منها. الغريب ورغم زوال تأثير المشاهدة المباشرة، كنت محملا ببقايا منه، لمستنى عبقرية اللون الأسود والرمادي، وكأنها مقصودة لتعبر عن الموت، أو ما يمكن تسميته كابوسا. قمت بتكبير اللوحة فوجدت أن المنظور على درجة من الخصوصية، يُظهر كل شيء منفردا، حاملاً فى طياته حيزه الخاص، ويبسطه كل مرَّة حسب قانون جديد تماما، كما تتفتح كل زهرة بطريقتها الخاصة، وهكذا يضفى كل شيء أقصى قدر من الكثافة على هذا النوع من الألم أو البؤس المتفجر من اللوحة، ومع ذلك تتجه بنا فى عبقرية نادرة إلى عدم إحساسنا التام بالهزيمة أو اليأس، وذلك بفضل التعبير الشكلى وحده. 
 
الصادم فعلا أن اللوحة لا تعطينا اليقين بالنصر من خلال تفاصيلها. وخاصة وجه امرأة فى وضع جانبى أشبه بشعلة تنطلق من النافذة، وتصوب نارها نحو ثور لا يهتز ولا يتأثر، بل ينبع هذا اليقين من التركيب العام للوحة، والتى تعبر عن الوجود الشامل للإنسان، وكأن اللوحة مقسمة لثلاثة أجزاء: بابان ومثلث متساوى الأضلاع يتوسطهما، وتحتل الشعلة قمته، وتترادف داخل هذا المثلث المُحدد الألوان الأسود والأبيض والرمادي، والخطوط المحددة التى تشكل ما فيها من شخوص، فى تجمع إنسانى مهيب .
 
تركت "جرنيكا" وفى نفسى  سؤال مؤلم.. كيف يُمنع هذا الفن من الوصول لمدارك الجماهير؟ ولست أدرى من روَّج أن فنا كهذا موجه للذين يحسنون تفصيل كل شيء. لكن حتى لو عجزنا عن تحليل تفاصيل بناء اللوحة- أى لوحة-  وفراغاتها وتوزيع الألوان، فبحسبنا منها الانطباعات الشاملة، والمُحركة للعواطف، والتى تبدو لى فى متناول الجميع، وأحسب أن القول بأن المستوى الأدنى للفن والواقعية المُسرفة فى السطحية هما وحدهما الأقرب للوعى الشعبي، أدعاء يعنى إننا بصدد فن يحتقر الناس، وهذه جريمة لا يجب أن نقبلها. 

(5 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع