فنون

"ماستر سين"..

بين الأطلال.. أخرجه "هواها" من كهف التمنى !

كم كان يحيا راهباً بين هذه الجدران، زاهداً فى كل مُتعة عدا الكتابة، حتى أخرجه "هواها" من كهف التمنى، وأدخله جنة الواقع.. أغرقته بفيض وحيها، وأنعمت على قريحته بعاطفة حقيقية وليست افتراضية، إلا أن السعادة عادة ما تدور عكس عقارب الزمن، فإذا بأجمل الأشياء تُخطئ أوقاتها، وإذا بها أيضاً تَغرُب عن حياته بعد إشراقة وجيزة، أضأت خريف سنواته المُهدرة وأيامه المُتسلِلة، كما لو أن القدر لم يسمح له سوى بحياكة "الحب" عبر فضاء الأوراق وسخاء الأحبار، وعندما نفخ الروح فى أساطيره الكلاسيكية، استرقتها الرياح الماكرة وبعثرت نداها الفواح عبر المدى !! 

وها هى تعود بأحمال الشوق الكسير بعد أن قدمت حياتها قرباناً على مذبح التضحية، وبعد أن قادتهما ميلودراما "المثالية" إلى عبثية النهايات.. وبمجرد أن وَطِئت أقدامها أعتاب مملكته الحائرة واستنشقت عبق أنفاسه العالقة بمنزله الحزين، حاصرتها الذكرى وعصفت ببقايا صمودها.. راحت تتأمل تفاصيل المكان خِلسة بعد أن صار مباحاً لها فى غيابه ما كان محرماً عليها فى وجوده، فإذا بها تتعثر بأصداء صوته الدافئ ونِثارات كلماته المٌعانِقة لأطيافها الغائبة، كما لو أن حضوره الغائب يطوقها وغيابه الحاضر ينبش حسراتها.. صارت تتحَسس خُطى روحه، تنتفض من أكفان الرحيل، كى تحتفى بقدومها المُنتظَر ..!!

عجيب أيها الزمان.. أهكذا تبيح لها الآن دخول ملكوته دون عواصف التساؤل ونوبات التوبيخ ووخزات الضمير؟؟ أتجعلها تطوف بـ "حَرم" شجونه، وتنثر بذور شوقها اليتيم فى حدائقه العطشى تأبيناً لروحه المغتربة ؟؟ أتمنحها فضاء رحباً للذكرى ومرتعاً خصباً للتخاطر الروحى دون رقيب ؟؟ ربما انتقى القدر للجميع أدوراً، ليست الأفضل، بل الأكثر تخليداً لنبل العاطفة التى جمعتهما..!!
 
كنتم أيها الأعزاء تطوفون معى بأركان شاعرية الروائى الكبير "يوسف السباعى" و رائعته الكلاسيكية الحالمة "بين الأطلال"، التى غزلها بإبداعه الثرى، وكللها المخرج المتألق "عز الدين ذوالفقار" بكتابة السيناريو والحوار، ثم بالإخراج الحالِم المُغرَق فى المثالية.. وفي أثناء هذا الطواف نجمع وردات قُدسية نضعها على ضريح الهوى العذرى والعواطف السامية، التى تأججت فى رقى طاغٍ عبر هذا العمل السينمائى المؤثر.
 
يُعد الفيلم أحد أجمل الأفلام الرومانسية التى قُدِمت على الشاشة الفضية، حيث حصل على تصويت النقاد خلال أول استفتاء أُجرى لاختيار أفضل مائة فيلم مصرى بمناسبة مئوية السينما عام 1996، كما صُنِف كأحد أهم أعمال الروائى الكبير "يوسف السباعى"، التى استطاع بها تغيير مجرى السينما المصرية آنذاك.  



الفيلم من إنتاج عام 1959.. بطولة سيدة الشاشة العربية "فاتن حمامة" فى دور "منى" والفنان القدير "عماد حمدى" فى دور "محمود" الكاتب الروائى المعروف، شاركهما البطولة نخبة من النجوم من بينهم حسين رياض، سميحة أيوب، فؤاد المهندس، عبدالرحمن الزرقانى، صلاح ذوالفقار.. فيما حصلت الفنانة  "فاتن حمامة" فى عام 1961 على جائزة التمثيل الأولى من وزارة الثقافة والإرشاد عن دورها فى هذا الفيلم، حيث استطاعت من خلاله أن تسبق عمرها الزمنى والمهنى، ليصبح أحد أكثر أدوارها ثراء درامياً.
 
دارت أحداث الفيلم حول قصة الحب العذرى التى نشأت بين "منى" و "محمود" .. تلك الفتاة العشرينية الحالمة التى ينبعث الدفء من عينيها السابحة فى سماء التأمُل، وذلك الكاتب الأربعينى الذى خَطَ المشيب مجراه بين خصلاته الوقورة، لكن قلبه لا يزال خاويا ً، ينتظر من تحتل مقصوراته دون استئذان، فهو المُكبَل خلف قضبان زيجة تقليدية لا يحميها من الانهيار سوى التزام أخلاقى لا عاطفى. 
 
آبت "منى" أن تبنى سعادتها على أنقاض حياة زوجته المريضة، التى لا تملك سنداً فى الحياة سواه، لذا قررت الفرار من ذلك العشق الذى لم تواتها الشجاعة كى تعزف عنه، وقبلت الزواج من آخر، إلا أن تضحيتها لم تفلح فى وأد عشقهما وإفساد مناسك تعبُدهما الروحى، بل أطفأت حياة "رجل" كان يبحث عن العشق بكامل طاقته، فحكمت عليه- دون أن تعى - بالفناء والاحتضار على أعتاب الرجاء، حتي اُصيب بالشلل إثر حادث تصادم وتوفى على أثره.
 
هكذا وبعد أن خلا عالمها من وجوده، ليرحل مثل أبطال رواياته الكلاسيكية، لم تجد سبيلاً يحتضن رُفات عشقها سوي الاستغراق فى أطلال الذكرى والتنقيب بين حطام الفراق وأشلاء الوجع عن فرصة يتيمة تمنحها الوصل الذى يولد ويتلاشى عند كل مغيب، لذا قررت أن تُمرِض زوجته حتى تضع طفلتها، التى صارت يتيمة الأبوين، فعكفت على تربيتها، لتحيا ما تبقى من عمرها بين الأطلال  في منزل "محمود".!!
 
مضت أحداث الفيلم بتقنية السرد الروائى، التى كان لها لمستها الأخاذة على المتلقى وهو يستنفر كل حواسه عبر الإنصات والتأمل، وكأنه داخل كواليس الرواية وليس خارجها، فدائماً ما لَعِب "المونولوج" بطولة افتراضية لها ثِقلها وتأثيرها فى أعمال الكاتب الكبير "يوسف السباعى ".
 
والواقع لن أخفيكم سراً كم مكثت من الوقت رهينة مأزق الانتقاء فى ذلك العمل السينمائى الفريد، الذى يشبه لوحة لا تقبل التجزئة، حيث تخطفنا البدايات وتؤجج مشاعرنا النهايات، فلا نستدرك أين كنّا فى المنتصف ؟!  كما أننى لم استشعر الإشباع فى حصر رواية بمثل هذا الثراء فى حوار عشقى شهير ردده البطل أمام البطلة عند الغروب، يستحلفها بألا تنساه وتظل تذكره عند كل مغيب، فعلى الرغم من روعة الحوار ودفء الإلقاء واللوحة الطبيعية الخلابة التى احتضنت ذلك المشهد، إلا أننى كنت أبحث عن "ماستر سين" أكثر صميمية وتماساً مع مضمون الرواية، وبالفعل وجدت ذلك المشهد، الذى كرس له طاقم العمل بأكمله عصارة الجهد ليخرج بمثل هذا التأثير والشجن.. بدأت كواليس المشهد بدخول "منى" منزل "محمود" للمرة الأولى، بصفتها "ممرضة" وليست "حبيبة" بعد أن غادر هو الحياة.. فماذا بعد أن ذَبُلَت الحَكَايا فى قواريرها وبقيت الأطلال لا تحوى داخلها سوى خواء ثقيل ؟! 



رافق خلفية هذا الاستهلال قيثارة المبدع "أندريا رايدر" صاحب الموسيقى التصويرية البديعة، التى أحسبها من فرط حسيتها "ماستر سين" آخر له خصوصيته بين سائر الأعمال الكلاسيكية التى تستأثر بها خزانة السينما المصرية، فجاء أنين القيثارة يشبه هدير الدمع المشتاق المتساقط عبر جندول الحنين، والمُتكئ على أصداء المناجاة التى لا تزال ترتل آيات العشق بين الأركان الباكية، وكأنها تحرس خُطى "المُحِبَة" المكلومة فى بهو الفراق العنيد !! 
تبدأ حلقة انفعالية أخرى عندما تفرغ "منى" من تفقدها المشجون للمكان، وتصعد لمقابلة زوجة "محمود"، حيث برع المخرج "عز الدين ذوالفقار" عندما استقطب انتباة المشاهدين، بوضع صورة فوتوغرافية لـ "محمود"، تتوسط جلسة "الحبيبة" و "الزوجة" بالتزامن مع "فلاش باك" صوتى له، يتردد فى ذاكرة "منى"، الأمر الذى غذى فرضية الحضور الرمزى للبطل، وفى الوقت نفسه زَايدَ على  المشاعر المختلطة التى انتابت المتلقى فور اجتماع ذلك الثالوث، وما تقاسمه من شقاء وذنب وتعاسة.
 
تتداعى المفارقات حينما أوصت الزوجة بتسمية ابنتها "منى" إن كُتبَت لها النجاة، وإذ بها تمنح "منى" مفتاح حجرة "المكتب" الخاصة بـ "محمود"، وتطلب منها إحضار أحد رواياته كى تقرأ لها قليلاً التى تحمل عنوان "ما بعد الحياة"، طامعة فى نفاذ بصيرتها وقدرتها على تبسيط أفكار زوجها التى كانت على يقين من روعتها، لكنها تفوق قدرتها على الاستيعاب.. فإذا باللحظة التى تخشاها "منى" تقترب أكثر فأكثر.. كم كانت تخشى الاقتراب من بوتقة أسراره ومحراب تجلياته ومخبأ عواطفه..!!
 
يتأهب هنا مدير التصوير المتألق "وحيد فريد" لالتقاط كادر أفقى يستقطب خطوات "منى" وهى تقترب بحذر من باب الغرفة، حتى تدلف إلى الداخل وتترجل فى تٙرنُح وصولاً إلى مكتب "محمود" وأوراقه .. تظل الكاميرا تبحر معها فى حركة تدريجية محلقة، كما طائر النورس الذى يهبط من السماء ليحتضن الشاطئ المتلاطم بما عليه من زُبَد الحنين وهمس الاشتياق،
تدور الكاميرا مع حركاتها المرتعشة فيما يشبه الاستدعاء التأملي، حيث أخذت عيناها تستدعى ذكراه الساكنة بجنبات فؤادها، فأخذت تنساب فى أذنيها توصيفاته الدقيقة وعباراته المميزة، فكم جعلها ترتاد "ربوة إلهامه" وتغفو على أرائك "صومعته الإبداعية"، وكم أسكنها عرش الشمس المتعامدة على أوراقه الباعثة شرر الهوى المتوهج عبر مقلتيها العميقتين.



هنا كان يُحب ويكتب ويتألم، كلما استحضر أطيافها العصية وأصداءها المُحبة.. هنا بجوار هذه الشُرفة، كان يغزل وشاح المناجاة ويرسل عبر شُجيراته الصديقة همهماته المشتاقة وزفيره المشتعل، كى يجوب زواياها أينما كانت.. ذلك المكان بما يحويه من شذرات روحه وفيض إبداعه هو الرفيق الوحيد الذى شاركه لوعة الغياب ونزيف الوجد المتقطر بين صمت محترق ومناجاة يائسة، حتي لبت الأقدار نداءه الأخير، بأن تعود حبيبته ذات يوم، فقصتهما لا يليق بها الفراق الجائر.. إنها القصة الأخيرة كما طالبته أن تكون، فكانت بالفعل نهاية "عاشق" أفناه الوجد فى ملهمته الغائبة، فغادر الدنيا بنبل الفرسان، و نثر رماد أقصوصته الأخيرة، ليلف عبقها عرش إبداعه، حتى يتيح القدر وصلهما من جديد..!!
 

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع