فنون

بعد ستين عاما من الوحدة.. السينما شاهد وحيد

يبدو أن المصريين نسوا تماما الثانى والعشرين من فبراير ذلك اليوم الذى كان عزيزا جدا علينا، يوما ما فى هذا الأسبوع تبلغ الوحدة بين مصر وسوريا سن الاستيداع القانوني, أى أنها بلغت الستين من العمر, فالأطفال الذين ولدوا فى مثل هذا الأسبوع مع ميلاد الوحدة بين البلدين عليهم أن يتركوا وظائفهم الرسمية, رغم أن الوحدة نفسها قد بلغت هذا السن بشكل رسمى بعد ثلاثة أعوام ونصف فقط، وهى التى كانت ظاهرة بالغة الأهمية حين ولادتها، فقد ولدت فى لحظات النشوة الكبري، بأن العرب يمكنهم التوحد معا فى كيان واحد اسمه الجمهورية العربية المتحدة، وكان الارتباط السياسى بين مصر وسوريا هو الخطوة الأولى فى هذا الكيان، بدا أن الرئيسين جمال عبد الناصر, وشكرى القوتلي, أكثر وعيا من صناع الأحلام، وراحا يوقعان وثائق ارتباط البلدين، وتم الإعلان عن انتخابات بين الشعبين لاختيار الرئيس الأول فكان جمال عبد الناصر هو الرئيس الأول والأخير, وسرعان ما دخل الرئيس السورى القوتلى دائرة النسيان، ومرت التجربة بكل ما بها من آمال، وشعور بالصدمة عندما انتهت فى سبتمبر عام 1961 كانت السينما هى الأكثر احتفاء بهذه المناسبة، وإذا كانت الأغنيات التى كانت الإذاعات تبثها لجميع أهل الوطن الكبير قد عبرت عن حالة الفرحة التى عمت قلوب الشعبين الذين توحدوا معا، فإن السينما فى تلك المرحلة أرادت كعادتها أن تقول: "هاأنذا"، حتى وأن تم ذلك على طريقة "عندنا مناسبة"، أو عندنا وحدة.



يعنى كعادة السينما المصرية فى كل تواريخها، فأنها يجب أن تكون أول من يعبر عن رأيها فى الأحداث, وكانت الحدث السابق مباشرة على الوحدة هو العدوان الثلاثي, الذى صورته السينما فى العديد من الأفلام طوال عام 1957, أما الوحدة التى بدأت فى الشهر الثانى من العام 1958, فإنه كان هناك فيلما جاهزا بالتقريب للمشاركة فى الحدث, عرض فى 7 فبراير 1958, أى قبل إعلان الوحدة رسميا بأسبوعين، باسم "إسماعيل يس فى دمشق" إخراج وإنتاج حلمى رفلة, لكن ماذا حدث ؟ كيف جهزت السينما نفسها لتذهب بأبطالها الى دمشق؟ الأمر بالغ السهولة ويمكن أن ينطلق عليه ما أطلقه الجمهور دوما على هذه السينما بـ " سيما أونطة"، فالحكاية أنه فى نهاية العام الأسبق كان هناك فيلم باسم " بكرة السفر" من بطولة اسماعيل يس، وسميرة أحمد، وأحمد رمزى و حسن فايق, والممثلة اللبنانية جاكلين، وبهذا الاسم صدر الكراس الدعائى الخاص بالفيلم، لكن سرعان ماتغير العنوان مع بداية السنة الجديدة، وتم الاعلان عن عرض الفيلم نفسه باسم" اسماعيل يس فى لبنان" باعتبار أن أحداثه تدور فى لبنان من خلال قصة حب بين مضيفة فى شركة الطيران اللبنانية، وموظف مصرى يعيش فى بيروت، وباعتبار أن إضافة اسم إسماعيل يس إلى عنوان الفيلم كفيل بجلب المزيد من المشاهدين فقد صار اسم الفيلم الجديد "اسماعيل يس فى لبنان"، وقبل عرض الفيلم تم الإعلان عن قيام الوحدة بين سوريا ولبنان وكمحاولة لركوب الموجة واثبات أن السينما حاضرة دوما فى المناسبات، فقد تغير الاسم مجددا الى "اسماعيل يس فى دمشق" ولم يكن هناك وقت لإضافة مشاهد أو أحداث جديدة الى ما تم تصويره, وكانت الخسارة كلها تتمثل فى الملصقات التى تم استبعادها، ووسط فرحة الناس ذهبوا لمشاهدة الفيلم، الذى كان فى دور العرض فى المدن المصرية والسورية والرئيسان يعلنان الوحدة، لكن الناس لم يشاهدوا دمشق فى الفيلم حسب العنوان المكتوب على الملصقات، بل هى بيروت، ويبدو أن الناس صدقت، ولم يتساءلوا عن الحقيقة، ومر الفيلم.




وبكل الحماس والفهلوة بدأت السينما تغازل الوحدة، وتحاول جذب الجماهير فى الجمهورية الجديدة لإثبات أن وطننا موحد لا فوارق بين ابنائه، فى تلك الفترة لم تكن هناك سينما سورية، ولم يكن هناك انتاج سينمائى تجاري, وصار على السينمائيين المصريين اكتشاف نجوم جدد يعملون فى السينما، وكانت الممثلة هالة شوكت أول من ظهرت فى فيلم مصرى "موعد مع المجهول" من اخراج عاطف سالم، وبطولة عمر الشريف وسامية جمال, وكانت قصة الفيلم تدور كلها فى الاقليم الجنوبي, وباللهجة المصرية، حتى وأن بدت لهجة هالة شوكت شامية، وقد لاقت الممثلة قبولا لدى المتفرج، مادفع المنتج المخرج حسين صدقى الى الاستعانة بها فى فيلمه " وطنى وحبي" انتاج عام 1960، وهو يدور حول ضابط استخبارات مصرى يتزوج من فتاة سورية اثناء قيامه بمهمة لاكتشاف شبكة تجسس اسرائيلية.
وسرعان ماتم تطعيم السينما المصرية بممثلين جدد من سوريا, فبالإضافة إلى الثنائى (ضياء وندا )اللذين قاما ببطولة العديد من الأفلام مع نجوم مصريين، ومنها " هاء 3" و" ياحبيبي" فان ثنائيات غنائية جاءت من الجبل للمشاركة فى افلام مصرية، مثل "جمال وطروب".



لكن على المستوى الفردى فإن السينما المصرية هى التى اكتشفت الممثلة المعروفة باسم " اغراء"، واسمها نهاد عز الدين، حيث ظهرت فى أفلام منها "الحب الأخير" من تمثيل هند رستم وأحمد مظهر, واخراج محمد كامل حسن، ثم فيلم" عودة الحياة " اخراج زهير بكير.
وسرعان ماتوالى ظهور ممثلين آخرين جاءوا من الشام , منهم الممثل الكوميدى أنور البابا الذى كان يؤدى شخصية نسائية شعبية باسم ( أم أحمد)، وأيضا سلوى سعيد التى كانت حبيبة فؤاد المهندس فى فيلم "عائلة زيزي" اخراج فطين عبد لوهاب, كما قامت بدور الخطيبة فى فيلم" الحب الخالد" اخراج زهير بكير، والجدير بالذكر ان الوحدة لم تكتشف مخرجا واحدا من سوريا، ولا كاتب سيناريو بل اعتمدت على الممثلين القادمين من الأقليم الشمالي, وكان اللبنانيون هم الأكثر حضور فى السينما المصرية.

إلا أنه فى العام 1960، راحت السينما تذكرنا أنه كانت هناك وحدة فى الدم أثناء العدوان الثلاثي. حين شارك ضابط البحرية جول جمال فى المعركة البحرية المعروفة باسم "البرلس" التى تشابكت فيها وحدة بحرية مصرية مع بجرية الأعداء, وكان هناك شهداء من مصر وسوريا اختلطت دماؤهم معا فوق مياه البحر المتوسط, وكان انتاج الفيلم متوافقا كثيرا مع روح الوحدة بين الشعبين، وتم تصوير بعض المشاهد فى مسقط رأس جول جمال وقامت نادية لطفى بدور خطيبة جول جمال, واستعان المخرج سيد بدير بشقيق الشهيد واسمه عادل كى يؤدى دور أخيه، وكان شديد الشبه به, واستطاع الفيلم أن يولد حالة من الشجن والتعاطف مع الاسر المصرية, والسورية التى فقدت ابناءها فى هذه العملية بما يجعل للقصة تأثيرا قويا فإن أغلب اسماء ضباط البحرية فوق السفينة الذين صاروا شهداء كانت اسماء لشخصيات حقيقية ومنهم جلال الدسوقى الذى اطلق اسمه على احدى المدارس بالأنفوشى بالاسكندرية.

يعنى هذا أن السينما لم تتوقف عند إتاحة فرص العمل والنجومية للممثلين من الأقليم الشمالي, بل أن قصص الأفلام نفسها صارت تناسب الوحدة التى جمعت بين الإقليمين, وبدا ذلك واضحا فى قصة وموضوع فيلم "وطنى وحبي", الذى أخرجه حسين صدقى عام 1960وقام بإنتاجه وبطولته, وهو الذى وضع صورة الرئيس جمال عبد الناصر على صفحات الدفتر الدعائى للفيلم إلى جوار الإهداء بطريقة: "إلى رائد القومية العربية الرئيس جمال عبدالناصر أهدى وطنى وحبي، والشخصية الرئيس فى الفيلم هو الضابط وحيد الذى يشغل مركزا مرموقا فى القيادة العسكرية العربية, يذهب الى دمشق فى مهمة عمل سرية، ويفاجأ أن رجال الصحافة يحوطونه لمعرفة أخبار المهمة التى جاء من أجلها، ومن بينهم الصحفية السورية هالة التى تلح فى التعر ف على السر الذى يخفيه الضابط, وتسعى الى أن يتعرف على جمال سوريا فتأخذه فى جولة، وتدعوه الى بيتها لزيارة أهلها فى جبل قيسون، ويكتشف أن العائلة تحمل معها تاريخا وطنيا عريقا, وما ان تتنامى مشاعر الحب بين الطرفين حتى يجد وحيد نفسه أمام عصابة دولية كل ما تهدف إليه هو عمل قلاقل بالإقليم المصري, ويعرضون على وحيد مبلغا من المال لمساعدتهم فى ذلك, فيوافق, ويعود الى القاهرة تلاحقه حبيبته بدافع والوطنية والحب والعمل, واشباع الفضول، وبعد استقرارها تعرف أنه سوف يساعد العصابة فتطلق عليه النيران, وسرعان ماتكشف الأحداث أن كل هذا بمثابة تمثيلية، وذلك للإيقاع بالعصابة، ويكشف الفيلم منذ تلك الفترة المبكرة أن مصر هى بوابة الأمن لسوريا، والعكس أيضا صحيح.



 من ناحية أخرى سرعان ما كتب الأدباء الذين تتحول رواياتهم الى أفلام انه يجب تأليف كتابات تعبر عن أهمية الوحدة، فكتب يوسف السباعى روايته "جفت لدموع" التى تدور حول قصة حب بين كاتب صحفى مصرى متزوج، وبين مطربة سورية مشهورة، وكأنه يعيد كتابة "بين الأطلال" بصورة مقاربة، أما أمين يوسف غراب فكتب رواية "سنوات الحب" التى تدور أحداثها بين القاهرة ودمشق، إلا أنه بعد هذه الأعمال حدث الانفصال بين الإقليمين، وسرعان ماتغيرت احداث السيناريو الذى أخرجه محمود ذو الفقار, ودارت الاحداث بين القاهرة والإسكندرية، حول قصة حب متقلبة حيث يخطب شاب الفتاة التى يحبها أخوه المسافر, ويعود الأخ بعد سنوات من الدراسة كى يفاجأ أن حبيبته تزوجت أخاه، أما رواية يوسف السباعى فقد صار عليها أن تنتظر عقدا ونصف من الزمن, قبل أن يخرجها حلمى رفلة، وبلا سبب تتغيير الأحداث من دمشق الى القاهرة وحدها.
 
وهكذا بدت السينما ملتزمة تماما بالتغيرات السياسية رغم أن مصر وسوريا ما لبثا أن وحدتهما المحنة معا فى يونيو 1967, وجمعهما الانتصار العسكرى فى أكتوبر 1973 كما أن الممثلين الذين جاءوا من سوريا للعمل فى الأفلام المصرية فإن إقامتهم بها لم تستمر طويلا بعد الانفصال, ولا يمكن التكهن بما حدث فهل كان ذلك قرارا سياسيا، أم أن الحضور لم يكن قويا، فعادت هالة شوكت الى بلادها تعمل بشكل محدود، أما سلوى سعيد فكانت الأكثر حظا بما تملكه من ملامح رومانسية فأدت أدوار البطولة الثانية فى أفلام منها "الناس اللى تحت" إخراج كامل التلمسانى و "الحب الخالد" إخراج زهير بكير، و"عائلة زيزي" اخراج فطين عبد الوهاب, وافلام أخرى مثل "دنيا البنات" لسعد عرفة، و"الأشقياء الثلاثة" لحسام الدين مصطفي, والغريب أنها بعد عودتها الى سوريا بسنوات جسدت دور الأم لزبيدة ثروت فى الفيلم السورى "الحب الحرام" 1977.
 
 ما لبث أن عاد الفنانون إلى دمشق يعملون بها، تم إنشاء صناعة سينمائية محلية كان عمادها دريد لحام ونهاد قلعي, ثم المطرب فهد بلان الذى ظهر فى السينما السورية عام 1964, لكنه حقق شهرته فى الغناء فى مصر عام 1967, والغريب ان هذه الاسماء الثلاثة التى ذكرناها لم تعمل قط بالسينما المصرية، وأن نجوم السينما المصرية ذهبوا الى سوريا وعملوا بأفلامها، ومنهم شادية وكمال الشناوي, ومريم فخر الدين وسعاد حسنى وفريد شوقي, وكثيرون، وذلك فى ظروف أمنية لاتزال وسائل الاعلام تفتش فى غموضها حتى الآن، وانتقل الكثيرون من كتابنا ومخرجينا ونجومنا للعمل هناك حتى بدأت الحرب الأهلية فى لبنان فى بداية النصف الثانى من السبعينيات.
 
ولا شك أن سفر السينمائيين إلى لبنان قد صنع رواجا وشعبية فى تلك الفترة, ويمكن أن نقول إنه حدث نزوح مؤقت وسريع إلى هناك، والمقصود هناك ايضا لبنان بالإضافة الى سوريا، وبالتقريب فإن اغلب العاملين بالسينما وجدوا فرصا جيدة لإيجاد عمل مثل اسماعيل يس, وماهر العطار, وفريد الأطرش, كما أن المنطقة شهدت عودة نهائية لفنانين إلى مسقط الرأس ومنهم صباح، وعبد السلام النابلسي, ونجاح سلام، ومحمد سالمان، وبدت منطقة الشام كأنها صنعت وحدة فنية بعيدا عن السياسيين و فى بداية السبعينيات كانت ظاهرة النزوح الجديد من خلال جيل مختلف يمثله محمد عوض ونبيلة عبيد, ونيللي, وماجدة الخطيب وعمر خورشيد, ولم يعد السينمائيون يعتمدون بجنسية الأبطال ولا باللكنة، اختلطت المشاعر, وزالت الجدود الجغرافية بالتقريب فى الكثير من الأفلام، ومنها " شقة الحب" الذى خرجه نجدى حافظ 1972, وفيه يتم نقل الزوج من القاهرة إلى دمشق، ويصير من الصعب عليه إيجاد مسكنا لزوجته كى يعيشا فيه, وما أن يحصلا على الشقة حتى يصدر قرار بنقل الزوج الى ليبيا باعتبارها الضلع الثالث فى مثلث الكيان الجديد المعروف بالاتحاد العربي.
 
 وقد استمرت هذه الظاهرة بالغة الازدهار حتى زار انور السادات القدس فحدثت القطيعة بين الإقليمين، وصار من الصعب الانتقال بين البلدين، ورغم ذلك فإن الروائى صبرى موسى حول روايته "حادث النصف متر" الى فيلم سوري, وتلك كانت حالات شبه فردية، حيث اشتعلت الحرب الإعلامية بقوة بين البلدين لفترة طويلة بسبب معاهدة كامب دفيد.
 
وفى الثمانينيات جاءت رغدة لتكون أول بطلة فى الأفلام المصرية قادمة من الشام طوال عقدين من الزمن كما أن المخرج محمد ملص قدم فيلمه الشهير"أحلام المدينة" لتحى الوحدة بين مصر وسوريا، ورأينا كيف امتلأت شوارع دمشق، وواجهات المحلات بصورة جمال عبد الناصر وكيف أحبه السوريون, حيث تدور الأحداث بين عامى 1953, 1958حيث تصل أرملة مع ولديها إلى دمشق بعد أن رحل زوجها، ويكون الوصول فى الشهر الذى تمت فيه الوحدة العربية، وهى فترة تجاهلتها السينما المصرية، وغير مذكورة فى قصص الأفلام ربما غضبا من انفصال الجمهورية العربية المتحدة، وهو الأمر الذى أحزن عبد الناصر كثيرا. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع