فنون

من منظور اختصاصى..

المعركة الدرامية السنوية

الفن مرآة الواقع، هذه المقولة التاريخية العامة المستقرة صحيحة بالتأكيد وفقا لتقديرات عدد كبير من المدارس النقدية ودراسات علم الاجتماع، ولكنها صحيحة فى إطار المفهوم العام، لكن الفن كثيرا ما يعارض الواقع أو يقدمه بشكل أفضل أو أسوأ، وبالتالى ساد فى الفهم العام الشائع تصورا عاما حول أن الدراما هى انعكاس للواقع، لكن الدراما كمحاكاة للواقع فى جوهرها ووفقا لشرط الإبداع فى ضرورة الابتكار والخيال ليست مرآة عاكسة تماما كتلك التى نرى فيها أنفسنا، ونطالع انعكاس ملامحنا على صفحتها، وبالتالى فالتعبير المجازى: الدراما مرآة عاكسة للواقع، قد انتشر معناه العام الشائع عبر فهم غير دقيق لمعناه النقدى والفنى، ذلك أن الدراما لا تصبح محاكاة فنية إلا بعد إعادة ترتيب واختيار وصياغة عناصر من الواقع، لأنها حقا لاتصبح دراما بدون هذا الانحياز القائم على إرادة الفنان واختياره الفنى والفكرى.
 
ولكن تفاعل الدراما مع معطيات الواقع أحداثه ووقائعه وأفكاره أمر هام وضرورى، حتى يمكن التفاعل مع اهتمامات الناس، لأن الدراما منهم ولهم بالتأكيد، ولكنها ليست رصد دقيق للواقع كما هو، لأنها ليست رصد اخبارى عبر الكاميرا ولا متابعة تقريرية لما يدور فى الواقع من وقائع إنسانية واجتماعية وسياسية... إلخ وهذا الفهم المتفق عليه على صحته النسبية وهو أن الدراما انعكاس للواقع أدى إلى مناقشة الدراما التليفزيونية على قاعدة مستقرة بين معظم الجمهور والنقاد والمبدعين والمهتمين بالشأن العام وكأنها حقا انعكاس للواقع، وهو الفهم الذى أدى إلى ردود الأفعال الغاضبة من الجماعات المهنية المتعددة التى وصل بعضهما لمرحلة إبلاغ النائب العام بأن الدراما تهين مهن كالمحاماة وكمهنة التمريض وكمهنة المضيف الجوى وما إلى ذلك، وهى ردود أفعال تصدر عن اعتقاد بأن الدراما التليفزيونية هى واقع موازى، أو امتداد للصور الإخبارية البرامجية التى تنقل الواقع.
 



وهكذا يصبح بعض النقاد غير المختصين أو بتعبير أدق النقاد غير المهتمين إلا بمخاطبة للجمهور العام مخاطبة شيقة وسهلة، تشبه تقارير المحرر الفنى البسيطة فى ظل غياب حقيقى لمساحات النقد الاختصاصى فى معظم وسائل الإعلام المطبوع والمسموع والمرئى، هو السبب الأساسى وراء ترسيخ الاعتقاد الشائع غير الدقيق، ألا وهو أن الدراما التليفزيونية هى انعكاس للواقع، وبالتالى فالتعامل معها يتم على أنها واقع جديد مسموع مرئى ولذلك يجب محاكمته ومعاملته معاملة مقالات الرأى أو أحداث الحياة اليومية،أما ما زاد الأمر رسوخا واعتقادا بان الدراما هى واقع منعكس فى المرآة، أن الواقع اليومى فى مصر والعالم الآن عبر تكاثر وسائل التواصل الاجتماعى، بفعل الشبكة الدولية للمعلومات، وقدرة كاميرا الهاتف المحمول على تسجيل وبث لحظات وصور واقعية لانهائية شخصية وعامة جعلت حياة معظم الناس مرتبطة عضويا بتلك الصور التى يعكسون بها لحظاتهم العادية والهامة ويقيمون سجلا يوميا أصبح هو البديل المصور، وأحيانا المسموع المرئى لفكرة اليوميات أو المذكرات والمفكرات الشخصية التى كان البعض يقوم بتدوينها قبل انتشار تكنولوجيا الرصد الحى.
 
وبالتالى وفى عصر الصور ووسائل التواصل الاجتماعى والبث الرقمى اللامحدود لأحداث الواقع اليومى، أصبحت تلك الصور هى امتداد للواقع، واقع مكمل أو واقع مصور مسموع جديد يلاحق الواقع الفعلى ويرصده بدقة متناهية، بل أن بعض من تلك الصور الكثيفة أصبحت واقعا افتراضيا ينافس الواقع الحقيقى ويصنع قيمه واختياراته وأفكاره ويحدد المفاهيم المتعلقة برؤية عمل هذا الواقع الفعلى، بل أحيانا ما يقود الواقع الافتراضى الواقع الفعلى بسبب كثافة صوره وقدرته على التأثير وشغف الجمهور العام بما يطرحه من أفكار ورؤى، وهكذا ازداد الواقع الافتراضى قوة ورسوخا، وأصبح يرسم الصور الذهنية فى المجتمع عن نماذج السلوك الاجتماعى المقبولة والمقدرة ، ومعايير الرسوب والنجاح الاجتماعى، ولغة الخطاب اليومى وطريقة ارتداء الملابس، وعادات الأسرة وتناول الطعام، ومعايير الرجل الجذاب والمرأة الجميلة وما إلى ذلك من صور ذهنية تمتد إلى صياغات أوسع مهنية واجتماعية، مما يجعل صيغة الانعكاس المعاصرة معاكسة ومناقضة للمقولة الشائعة عن أن الدراما مرآة عاكسة للواقع.
 


فالدراما التليفزيوينة وفائض الصور الأخرى المسموعة المرئية على الشاشات اللانهائية هى التى تؤثر تأثيرا أكبر فى الواقع لأنها تتكاثر ويتم إنتاجها وبثها وترسيخها بطريقة أوسع مما يجعل الواقع هو المرآة العاكسة للصور اللانهائية للدراما وللإعلان وللأخبار وللصور الشخصية والعامة فى الواقع الافتراضى على شاشات البث الفضائى، وشاشات وسائل التواصل الاجتماعى الكثيفة. ومن هنا يصبح اهتمام الهيئة الوطنية للإعلام واهتمام مجلس النواب الممثل للشعب المصرى بالدراما التلفزيونية وبتلك الصور المصاحبة الأخرى اهتماما طبيعيا وفى محله، وليس مبالغة أوسعيا وراء اهتمامات هامشية، ولكن ولأسباب اخرى ينساها البعض أو لايراها، يمكن القول بوضوح أن الواقع هو الذى يعيد إنتاج الصور المعروضة والراسخة فى الدراما المصورة والصور الأخرى المصاحبة لها، وهى ظاهرة إنسانية طبيعية لاعلاقة لها بالمستوى الثقافى للجمهور المصرى والعربى،فالجمهور فى معظم أنحاء الدنيا يفعل ذلك، بل أن عدد من النقاد المعاصرين يقولون بنظرية جديدة فى المحاكاة، بعد سيطرة الصور اللانهائية الكثيفة على الجمهور العام، ألا وهى أن الواقع هو الذى أصبح يقوم بفعل محاكاة الصور الكثيفة المكونة للواقع الافتراضى المسموع والمرئى، مما يؤكد مسئولية وأهمية وخطورة وتأثير تلك الصور على الواقع اليومى المعاش، وهذا هو مبرر غضب كثير من النواب فى مصر وكثير من كبار المثقفين والكتاب ومنهم من هو عضو بالهيئة الوطنية للإعلام، والذين دخلوا للمتابعة الدقيقة للشاشات لمحاولة ضبط تلك الصور الدرامية الكثيفة والصور المصاحبة لها، وهو اهتمام جاد وضرورى ومتأخر، ولكنه يلقى معارضة نقدية و فنية بدعوى الدفاع عن حرية التعبير والإبداع، ولا شك أن الحرية ليست طرفا فى الأمر، فالدراما التليفزيونية قد أصبحت فى معظمها هى الباب المفتوح، لاستخدام السخرية كوسيلة للجذب الجماهيرى وغريزتى الجنس والعدوان كوسيلة لترسيخ صور وأنماط اجتماعية تعلى من شأن السخرية والعدوان ولغة القوة، والجنس والجاذبية الخاصة به كتقييم للمكانة الاجتماعية للشخص المقبول والمفضل اجتماعيا، إلا أن تقديرنا لدور مجلس النواب والهيئة الوطنية للإعلام وتقريرها الأول الصادر عن الدراما التليفزيونية والصور المصاحبة لها، والتوتر الصامت المثار مع جهات الاختصاص الأخرى الأصيلة كنقاد الفن، هو توتر ليس فى محله الحقيقى، وسببه الحقيقى ليس هو الدور المقدر لمجلس النواب وللهيئة الوطنية للإعلام ولكن لغياب التواصل والتفاعل مع المختصين فى الدراما والفن ومعظمهم من المستبعدين من مشهد الحضور الإعلامى الكثيف.
 


وفى هذا الصدد طرق قديمة متاحة مثل لجنة الخبراء بمجلس الشعب التى يمكن تكوينها أو استدعاء من يمثلها لبعض الوقت لإبداء الرأى العلمى الاختصاصى، وكذلك تستطيع الهيئة الوطنية للإعلام أن تسأل أهل الاختصاص الدرامى والعاملين فى مجال رسم الصور الذهنية، حتى يمكن لها تحقيق الهدف المنشود والدور الهام الذى تنتظره منذ سنوات مضت، ألا وهو الارتقاء بالدراما التلفزيونية والصور المصاحبة لها، إذ أن التقرير الأول الصادر عن الهيئة الوطنية للإعلام قد دخل فى باب الاجتزاء، عبر رصد المشاهد والتعبيرات غير اللائقة من وجهة نظر رقابة أخلاقية تمارس مراقبة الجزء لا الكل، وهى متابعة تتأسس على الفهم العام الشائع غير الدقيق عن الدراما كمرآة عاكسة للواقع أو امتداد موازى له ولأحداثه، ولأن العمل الدرامى لا يمكن تقييمه وفقا لأبجديات النقد، إلا بتقييمه ككل مكتمل وقياس علاقة الجزء بالكل، مع العلم بأن الكثير من الأعمال الدرامية التى تخلو تماما من الألفاظ والمشاهد المرفوضة أخلاقيا بمقياس الواقع أشد خطورة عبر رسم صور ذهنية خاطئة، وترسيخ المفاهيم العامة التى تحقق الإلتباس فى المفاهيم والحقائق الاجتماعية والسياسة والإنسانية، وبالتالى فالتخلى عن الفهم الشائع لأن الدراما مرآة عاكسة للواقع، هو بداية حل تلك التناقضات غير المنطقية، وتحقيق السعى نحو ضبط الصور المسموعة المرئية لتعزيز حرية الإبداع والتعبير، ودعما للمبدعين الجادين، وفهما لكثير من السلوك المجتمعى المتأثر بمحاكاة الواقع الافتراضى فى الواقع اليومى المعاش، وتحقيقا لدعم الاختصاص النقدى، وتقديرا لاهتمام مجلس النواب والهيئة الوطنية للإعلام، وهو الاهتمام الذى لو تم دعمه بأهل الاختصاص لأمكن بالفعل البدء بوضع تصور عام مستقبلى للارتقاء بالصناعات الإبداعية والإعلامية فى مصر المستقبل.
 
 
 

(26 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع