فنون

الفنان محمد فوزى كاتبا للقصة

فى أغسطس القادم تحل الذكرى المئوية للفنان الكبير الراحل محمد فوزى، الذى استطاع أن يحقق إنجازات فنية عظيمة، رغم أن عمره لم يصل إلى الخمسين، حيث أنه توفى فى عام 1966 عن عمر 48 عاما، وكان رصيده من الأغانى وصل إلى 400 أغنية، وقام بالتمثيل فى 38 فيلما سينمائيا، واعتبره النقاد من أكثر المطربين الذين ظهروا فى أفلام، ولم يكن مثل زملائه يحتكر الغناء فى الفيلم الذى يظهر فيه، وهذا إن كان البطل الرئيسى فى الفيلم أو غير ذلك، وهذه الصفة التى كان يتمتع بها، أعطته رواجا وبعدا إنسانيا عاليا بين زملائه.
 
ولد محمد فوزى عبد العال الحو بين خمسة وعشرين أخا وأختا بمحافظة الغربية، وكان ترتيبه الواحد والعشرين، وكانت أسرته تميل إلى الفن، لذلك أنجبت معه الفنانتين هدى سلطان وهند علام، وكان ارتباطه بزيارة السيد البدوى ملهما له ومؤثرا لاستماعه إلى المداحين والمنشدين، فالتحق بعد حصوله على الشهادة الإعدادية بمعهد الموسيقى، وبعد تخرجه التحق بصالة بديعة مصابنى، وتعرّف على فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من فنانين، وفى عام 1944 اختاره الفنان يوسف لكى يقوم بدور صغير فى فيلم "سيف الجلاد"، وبعد عرض الفيلم رآه الفنان والمخرج محمد كريم، ونال إعجابه بقوة، فاختاره لكى يقوم ببطولة فيلم "أصحاب السعادة" أمام الفنان سليمان نجيب.
 


بعد هذا التطور الذى حدث لمحمد فوزى، ذاع صيته، وتحققت بعض أمنياته، أسس شركة إنتاج سينمائى عام 1947 لتنتج أفلاما يوضع عليها اسمه "أفلام محمد فوزى"، وكانت أغانيه فى الأفلام تنتشر وتتسع مساحة شهرتها يوما بعد يوم، وكانت تذاع فى الإذاعة المصرية، دون أن تتعاقد معه، وتحققت أحلامه والاعتراف الرسمى به بعد قيام ثورة يوليو.
 
وبعيدا عن كل أمجاده وإنجازاته الفنية على مستوى الأغنية والتمثيل والتلحين والإنتاج، كانت لديه موهبة أخرى، وهى الكتابة القصصية، ونستطيع أن نرصد كتابات أخرى له، نشرها فى دوريات فنية وثقافية، ولو تم تجميع تلك الكتابات، من الممكن أن تكفى كتابا كاملا، وأود تنبيه الفنانة الدكتورة إيناس عبد الدايم إعداد لجنة بإحياء مئوية هذا الفنان الكبير، الذى أثرى الوجدان المصرى والعربى منذ حياته القصيرة حتى الآن، ويكفى على المستوى العربى أنه لحّن نشيد "قسما" الوطنى للجزائر، وعلى المستوى المصرى، مازلنا نردد أغانيه الرائعة.
وهنا ننشر إحدى تلك القصص بحرفيتها ودون أى تعليق، وأترك للقراء الأفاضل تلقى القصة كما هى، والقصة نشرت فى مجلة "النداء" القصصية، وذلك فى 20 أبريل 1950.



(ماينوب المخلص)
قصة فكاهية بقلم الأستاذ محمد فوزى
كان يلذّ لى فى الماضى أن أسير خلف السكارى فى الليل، وراقنى ذات مساء وأنا عائد إلى منزلى بعد فراغى من عملى أن أمشى خلف رجل سكران، لأستمتع بحديثه وهو يناجى نفسه بكلمات لا تخلو من "الفلسفة" والآراء الغريبة.
وفى الحق أن "سكران" تلك الليلة كان متعافى حديثه لنفسه، وفيما أتى به من آراء تبدأ بالحكمة، ثم تنزل منحدرة حتى تنتهى إلى الهذيان.. من أجل ذلك تبعته وظللت أقتفى أثره، أو بعبارة أصح "أمشى فى معيته".. من "خمارة" قريبة من العتبة الخضراء إلى حارة الروم.
وهل كان يسعنى غير ذلك.. وأسأل القارئ، لو أن الحظ أسعده بمقابلة هذا "التياترو" المتنقل، أكان يتركه قبل أن يحضر آخر فصل من فصوله؟!
بدأ صاحبى السكران يحدث نفسه بقوله: أنا عملت إيه غير الأصول؟ ده أنا راجل طول عمرى كسّيب.. إزاى جدع زى عليوه متربى فى الحته يطلب لى دور وأنا ما اطلبوش؟.. شيء غريب.
وهنا مرّت بجانبنا سيارة من سيارات اللورى، ويظهر أن ضوضاءها وسرعتها قد أفسدا عليه تيار تفكيره، ولكنه مالبث أن عاد إلى ما كان فيه، فقال: "آه ياخسارة! برضه كان لازم أقعد وياه شويه، لكن أعمل فى المرة "بخاطرها" اللى متعرفش الأصول واللى كانت وقعتها سوده.. قال إيه عايزانى أروح لها من المغرب، إزاى؟ يامره مش كدهّ اعقلى، لكن تقول لمين؟ على رأى المثل تقعد تعلّم فى المتبلم يصبح ناسى، مين يعرف، يمكن ربنا يتوب علىّ منها، لكن حيتوب إزاى؟ والعيلين اللى وياها دول؟
وبعد أن صمت قليلا مضى يقول: حتى النهار الأيام دى بقى معفرت ولا فيش بركة.. يادوب الواحد يحط إيده فى الشغل يسمع: الله أكبر.. قال الظهر بيدنّ شوية وآدى العصر، شوية والدنيا تضلم! اللهم لا اعتراض على حكمك يارب!.. بقى أيام الشغل النهار يقصر.. والأيام اللى يقعد الواحد فيها ينش دبان يبقى النهار اللهم يطولك ياروح؟
وكأنما طول هذا الحديث قد أجهده فاستند إلى جدار بيت قديم، وما أن رآنى حتى سألنى عن الساعة، فلما أجبته بأنها الواحدة بعد منتصف الليل، قال: وبعدين فى المرة "بخاطرها" بنت الكلب والزفة اللى هاتعملها الليلة! انت يا افندى مش ساكن جنبنا فى حارة الروم؟ أنا دايما باشوف حضرتك!
فقلت: نعم!
بس! فرجت، إذا كان تعمل معروف تخليها تفتح لى الباب، إلا بعدين أبات بره.



وأدهشنى هذا الاقتراح، فاستفسرت منه عن مقصده، فقال بعد صمت كأنه يستجمع فيه تفكيره: "المسألة بسيطة.. البيت أهو قريب.. بس تقف تحت الشباك وتقول: "ياواد يانص"، الولد ابنى، وهى لما تشوف واحد يوصلنى تقوم تختشى".
ورأيت أن أشهد الفصل الأخير من رواية صاحبى السكران، فسرت ولكن "بجانبه" هذه المرة، فلم يطل بنا المسير حتى دلنى على عطفة صغيرة، فانحرفنا إليها وهنا أشار بيده إلى بيته، وقال، نادى يا أفندى قول ياواد يانص، يبقى كتر خيرك.
فتقدمت وحدى نحو البيت، إذ كان هو واقفا عن بعد أمتار خوفا من امرأته، فعملت بمشورته وناديت النداء الذى أراده.. ولكنى لم أكد أكرره للمرة الثالثة حتى فتح الشباك، وإذا "بجردل" مملوء بالماء يصب علىّ فأغرق ملابسى! ثم سمعت "بخاطرها" تقول: امش ياابن.. ياسكرى، نشفت ريقى، ربنا يتوب علىّ منك، يالله ارجع مطرح ماكنت..
ورجعت أدراجى دون أن أفوه بكلمة، فلما عدت إلى بيتى، خلعت ثيابى المبللة وقضيت وقتا طويلا أرتجف من البرد.
أما صاحبى السكران فلم أدر، أقضى ليلته خارج البيت، أم أشفقت عليه "بخاطرها"؟
وعلى أى حال أنه كان أسعد منى حظا إذ لم يصب ثيابه من المبلل ما أصابنى!
 

(16 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع