فنون

الفنان المصرى حسن الشرق.. موهبة فطرية انطلقت إلى العالمية

من يذهب إلى المنيا يجب عليه زيارة متحف الفنان التشكيلي حسن الشرق أفضل تاسع رسام تشكيلي على مستوى العالم، وستجده فى استقبالك شخصياً على باب منزله بجلبابه الصعيدى الشهير مبتسماً محتفياً بحضورك ليأخذك فى جولة داخل منزله الذى باع كل ما يملك لتحويله إلى متحف مفتوح يكون شاهداً على فنه ويخلد ذكراه، فإلى جانب لوحاته يوجد العديد من اللوحات العالمية التي حصل عليها أثناء جولاته الفنية بالدول الأوروبية والعربية المختلفة كـ أمريكا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، سويسرا، هولندا، المكسيك، إسبانيا، السويد، انجلترا، اليونان، الهند، السعودية، الكويت، فلسطين، لبنان والمغرب، إلى جانب بعض الأنتيكات مثل الجرامافون والشمعدانات والفوانيس النحاسية ومكتبة للكتب القديمة والمنخفضة التكلفة جعلته أشبه بالمتاحف الخاصة التي كان يقيمها الفنانون والمهتمون بالفن قبل ثورة يوليو 1952.
 


ولد حسن عبد الرحمن حسن المعروف باسم "حسن الشرق" في 28 مايو عام 1949 بمحافظة المنيا بقرية تسمى (زاوية السلطان)، وكان يعشق الرسم منذ طفولته، إلا أن والده الذى كان يعمل جزارًا كان يمانع ميله للفن ويدفعه للعمل معه فى أعمال الجزارة، لكن عشقه للفن كان أقوى فكان يقوم بالرسم على ورق اللحم المخصص للبيع ولم يكن وقتها يستطيع شراء أدوات الرسم فكان يستخدم أدوات وخامات من البيئة فكان قلمه وفرشاته من جريد النخيل أما الألوان فكان يقوم بتصنيعها بنفسه من وحى الطبيعة ومن خلال الأعشاب والنباتات المتوفرة لدى العطارة، فعلى سبيل المثال استخدم زهرة الغسيل للون الأزرق، والعرقسوس للون البنى والعُصفر والشعير للون الأصفر، حتى التحق بمرسم قصر الثقافة بالمنيا عام 1969وبدأ بالتعرف على المدارس الفنية المختلفة والخامات المعاصرة، وبعدها بدأ في عمل الدراسات الحرة بكلية الفنون الجميلة حتى أصقل الموهبة بالدراسة.
 
 
اكتشفت موهبته الألمانية "أورزولا شيورنج"عام 1985خلال رحلتها لانتقاء المبدعين حول العالم من غير خريجي الكليات المتخصصة لتدعمه حتى يصل إلى العالمية وبالفعل قامت باختيار أربعة من مصر كان "الشرق" من بينهم، وأقيم له أول معرض في القاعة الفرعونية بشارع البحر الأعظم ونجح نجاحاً باهراً بعد ما تم بيع جميع لوحاته، لتكون أول خطوة له على سلم العالمية حيث شارك بعدها للمرة الأولى في معرض بمدينة (شتوتجارت) الألمانية عام 1988 ثم معرض آخر بمدينة (ميونخ) الألمانية عام 1990، ثم متحف اللوفر في باريس عام 1991، وفي عام 1994 بقصر برج (برينخ) بألمانيا ليتم منحه هناك مفتاح مدينة (نيوربك)، ومعرض أكاديمية الفنون بمدينة بوجوتا عاصمة كولومبيا عام 2001، كما أقام معرضاً في مدينة الرياض، إلى جانب مجموعة معارض أخرى بدار الأوبرا المصرية وهو الآن عضواً بنقابة الفنانين التشكيليين، أتيليه القاهرة والمجموعة الأوروبية (الفن الحديث) بمدينة نيوربك الألمانية.
" للشرق" باع طويل في عالم الرسم اقترب على النصف قرن من الزمان عبرت خلاله لوحاته حدود قريته لتصل إلى متاحف دولية عدة حيث تتميز رسوماته بجمال ألوانها، واستخدام الأسلوب الرمزي في الرسم، بالإضافة إلى تجسيد تراث الصعيد والعديد من القصص الشهيرة كعنترة وعبلة وأبوزيد الهلالي وألف ليلة وليلة وكما تقول مجلة oasis من امتلك لوحة للفنان حسن الشرق فكأنما امتلك قطعة من مصر، وهو يتميز عن باقي الفنانين حول العالم بصناعته للألوان، التى يقوم بتكوينها من المواد الطبيعية حيث يحتفظ بأسرار الصناعة لنفسه فهى من أسس تقدمه عالميًا بين الفنانين، ووفقاً لعدة دراسات أجراها متخصصون على لوحاته في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإن الألوان المستخدمة في لوحاته ستظل ثابتة دون تغير لأكثر من 1000 عام، وهناك أيضاً 17 دراسة ماجستير أجريت عليه من قبل طلاب كلية الفنون الجميلة إلى جانب تأليف كتابين عنه الأول بعنوان "حسن الشرق والريف المصري" تمت ترجمته للألمانية والإنجليزية والثاني بعنوان "حسن الشرق30 عاما في الفن"، كما أنتجت له 3 أفلام تسجيلية ترصد رحلته الفنية بالفرنسية والألمانية والإسبانية، وكانت ألمانيا هى من قامت بعمل أول فيلم تسجيلي عنه وأطلقت عليه لقب الفرعون الهارب حيث اعتبروه أحد الفراعنة الذين تركوا بصمة على أرض الواقع حتى الآن، وفى أبريل 2013 فاز المخرج المصري محمد عصام بجائزة أحسن فيلم عن فيلمه "بورتريه.. حسن الشرق" المشارك في المسابقة الدولية لمهرجان زاكورة الدولي في المغرب، وهو عبارة عن "بروفايل" للفنان المصري.

 
لقد استطاع حسن الشرق أن يرسم أكثر من 3000 لوحة أشهرهم لوحتان متواجدتان بمتحف اللوفر إحداهما لطفل قتل بمدرسة بحر البقر بعد العدوان الإسرائيلى والاخرى عن السيرة الهلالية، وقد كانت أولى جوائزه أيضاً عن لوحة مدرسة بحر البقر حيث فازت بالجائزة الاولى في معرض أمانة الشباب عام 1972وعلى الرغم من كونها جائزة بسيطة إلا أنه يعتز بها جداً ليتم بعدها ترشيحه لبينالي التلقائيين بتشيكوسلوفاكيا أعوام 94 و 1998 وانتشرت مقتنياته بألمانيا وإيطاليا وفرنسا وكندا وسويسرا وأمريكا والكويت وفلسطين والعديد من الدول العربية، أما عن رحلته إلى كولومبيا عام 1990 فيحكى "الشرق" أنه خلال زيارته لأكبر متحف فى التاريخ الأمريكى لم يجد قسما فنيا لمصر فقام بالتبرع بستة من لوحاته للمتحف حتى يخصص قسما خاصا لمصر على غرار باقى الدول العربية والأجنبية .
 


الانطباع الأول دائماً عند مشاهدة أعمال حسن الشرق هو التلقائية أو "الطفولية" حسب تعبيره فى التعامل مع اللوحة، فرسوماته تجمع ما بين العادات والحكايات المصرية والعربية الشعبية التى شغف بها وزرعتها بداخله جدته حينما كانت تقص عليه حكاوى الشاطر حسن وابو زيد الهلالى وعن لوحاته ألف ليلة وليلة يقول "الشرق" أنه رسم تلك الليالي في مخيلته منذ وقت بعيد وتراكمت أحداثها بما قرأه عنها وشاهده من الأعمال الدرامية ووجد أنه حان الوقت لكي تظهر في صورة تشكيلية فقدم ما يقارب من عشرين لوحة في معرض خاص عن ليالي ألف ليلة جسدت جمال شهرزاد التى يطلق عليها "حبيبته" وطفولة شهريار وقسوة مسرور وخوف المدينة وصياح الديك، حتى أن الكاتب الكبير جمال الغيطاني لتجسيد مؤلفة «ألف ليلة وليلة» التي أذيعت في رمضان خلال التسعينيات على شاشة التليفزيون المصري، كما استعان به الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في تجسيد السيرة الهلالية.
 
هذا ويهتم حسن الشرق برسم الحرف المصرية التي اندثرت في المجتمع المصري ومنها الكنفاني، والمسحراتي، وفانوس رمضان، والمكوجي بهدف إعادة العمل بالصناعات الصغيرة والاهتمام بالاقتصاد المصري، فى حين تترجم لوحاته فكرته عن الهوية المصرية مثل ليلة الحنة، التحطيب، الرقص بالطرق الصوفية، المولد، ويقول رداً على سؤال ماذا تعنى الهوية بالنسبة لك فقال "متحف حسن الشرق"، مؤكداً أنه يحاول المزج بين الشاعر والفنان، فهو يرسم بفرشاته كما يكتب الشاعر بقلمه، حتى أن بعض لوحاته تحتوى على بعض الأشعار المكتوبة فى خلفيتها كشعر نزار قبانى.


حسن الشرق حدوتة صعيدية لم يعرف اليأس، بل شق طريقه وسط صخور وجبال بلدته مهتدياً برمالها وأحجارها الملونة يتخير الألوان الممزوجة بماء النيل ومزارعه الخضراء وعلى الرغم من حزنه لعدم استكمال تعليمه إلا أن موهبته كانت كافية ليصبح معروفا في قريته ثم المحافظة ومنها إلى العالمية عن طريق تنظيم عدة معارض دولية وأعماله المتوجة بالعديد من المتاحف العالمية وحصوله على الدكتوراه الفخرية، وهو دائما يوجه رسالة إلى الشباب بعدم اليأس والنظر إلى ممن عانوا في حياتهم كثيرًا حتى حققوا أهدافهم، مؤكدًا أن محافظة المنيا يوجد بها عدد من الفنانين الشباب لكنهم يحتاجون إلى عناية وتشجيع، وأيضاً دائما ما يقول " لقد خلقت لنفسي عالماً خاصاً حرصت خلاله أن أكون خير سفير لبلدي ورغم رحلاتي ومعارضي التي أقمتها في بلاد العالم المختلفة وبحضور كبار الشخصيات والمسئولين إلا أننى حرصت على ارتداء الزى الريفي المصري البسيط والجلابية البلدي التي جذبت إلى زائري المعارض ووسائل الإعلام العالمية".


وعلى الرغم من أن مشواره الفني مضي عليه أكثر من 40 عامًا وتم تكريمه فى العديد من البلدان العربية والأجنبية إلا أنه يتمنى بشدة تكريمه فى مصر وطنه الحبيب وعلى حد قوله "أشعر أنه لن يتم تكريمى فى بلدى إلا بعد مماتى" كما أنه يناشد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى لحضور إحدى مؤتمرات الشباب التى تُعقد تحت رعاية سيادته لنقل تجربته الملهمة إلى الجيل الجديد من الشباب.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع