فنون

العيد سينما والسينما في العيد

في الوقت الذي تقرأ فيه هذا المقال , فإن السينما الأمريكية تقوم بتصوير العديد من الأفلام الجديدة التي ستعرض في عيد الميلاد( الكريسماس) القادم, ومن بينها بالتأكيد مثل كل عام أفلام عن بابا نويل أو سانتا كلاوس , وتدور أحداثها في هذه المناسبة الدينية الاجتماعية, ولعلنا نذكر العديد من الأفلام التي شاهد الناس عروضها في الكريسماس, لعل أشهرها علي الإطلاق فيلم" وحدي في المنزل" بجزئيه , ويعكس هذا مدى احتفاء السينما بالأعياد الدينية , حتى وان كان الاحتفال يستمر يوما واحدا , فالمنتجون يعرفون جيدا أن النزهات الأساسية في الأعياد هي مشاهدة الأفلام , ربما لأن الذهاب الي الحدائق المفتوحة أمر غير مستحب في أجواء شهر ديسمبر، وأن مشاهدة الأفلام في القاعات الدافئة هو الاختيار الأساسي للمشاهدين.

مشهد من فيلم وحدى بالمنزل
 
هذه الظاهرة موجودة لدينا في السينما المصرية , فلا شك أن مواسم الاعياد أمر بالغ الأهمية بالنسبة لمنتجي الأفلام , خاصة أن لدينا ثلاثة أو أربعة أيام في كل عيد قد تمتد الأجازات فيها الي ضعف عدد هذه الأيام, ومنذ أن وعت أعيننا الأعياد , فان الذهاب الي قاعات السينما هو وسيلة النزهة الأولي رغم أن الذهاب الي الحدائق أو شواطئ البحر, حسب المناخ المعتدل في مصر أمر مستحب للغاية , وبمراجعة تواريخ عروض الأفلام سوف نكتشف أن أنجح الأفلام , وأكثرها تحقيقا للإيرادات هي التي كانت تعرض في الأعياد , باعتبار أن الشباب هو جمهور هذه الحفلات,وأن أبناء هذا السن تكون جيوبهم مليئة بنقود العيدية .
 
لاتزال هذه الظاهرة موجودة رغم تغير الأذواق , والجمهور, والأجيال السينمائية ’ولاشك أن السينما بأفلامها تزيد من بهجة العيد لدي الناس, والصغار عادة يذهبون لمشاهدة أفلام العيد من قاعة الي أخري’ وفي زمن سينما الدرجة الثانية , أو الترسو كانت أفلام العيد تمثل حالة من البهجة صارت مع الأيام مشاعر متدفقة من الحنين.
 
ومن يدخل قاعات السينما من البالغين أثناء أيام الأعياد سوف يشعر بالاغتراب الشديد وأنه موجود وسط جمهور غير متجانس معه بالمرة , فعادة ما يذهب الشباب الصغير الي دور العرض,بدون أسرهم , وذلك عكس الأصغر سنا الذين يناسبهم الذهاب الي  الحدائق والأماكن المفتوحة , بما يعني أن أفلام العيد تصنع لهذا السن دون غيره , بينما الأفلام الأمريكية التي تعرض في الأعياد الدينية تناسب الأسرة في المقام الأول. الفارق هنا أن المنتج الأمريكي يعرف موعد , ومكان العرض, وليس الأمر هكذا بالنسبة لأفلام العيد.
 
مشهد من فيلم حياة أو موت

لكن أين الأعياد الدينية في أفلامنا , للأسف فليس هناك فيلم تدور أحداثة بالكامل في أيام الأعياد مثل مجموعة أفلام" وحدي في المنزل" , قد يكون هناك مرور عابر علي العيد ومظاهره , لأن الأفلام التي تدور أحداثها في يوم واحد أو ساعات قليلة هي أفلام معدودة , وكم من أفلام تدور أحداثها في العيد دون أن ننتبه الي ذلك, ولعل الأمر يبدو واضحا في أحداث فيلم " حياة أو موت" لكمال الشيخ 1954’ الذي تدور أحداثه بين يومي الوقفة والعيد , ورغم أن أغلب أحداث الفيلم تدور يوم عيد , وفي الشوارع , فان المخرج , رغم إتقانه الاختيارات, صور وقائع مدينة القاهرة بين مصر القديمة والعتبة كأن الأمر هو يوم عادي جدا في مسيرة المدينة
 لكن هناك أفلاما تدور يوم شم النسيم, ومنها " شم النسيم" الذي أخرجه  الايطالي فرنتشيو عام 1952, وأيضا فيلم " كدبة كل يوم" 2016 الذي تدور كل أحداثه بين مجموعة من الأصدقاء ذهبوا الي شاطئ سياحي في منطقة البحر الأحمر.
 
أم كلثوم فى فيلم فاطمة

أما أعياد المسلمين فإنها موجودة في الغالب في قصص هامشية في العديد من الأفلام , ولعلها تحتاج الي ذاكرة خصبة للتذكر,  كلنا نعرف أغنية "يا ليلة العيد" للسيدة أم كلثوم في فيلم " فاطمة" إخراج أحمد بدرخان 1947, وهي الأغنية الرمز لكل ليلة عيد تهل علينا , وأيضا مثل المشهد الذي يغني فيه محرم فؤاد لحبيبته التي غضبت عليه في فيلم "لحن السعادة" إخراج حلمي رفلة 1960, فهو يمشي بالفعل في شوارع مدينة تحتفل بالعيد , الناس تملأ الحدائق والميادين العامة , وهو يردد بحزن شديد
 وأنت عني  بعيد قلبي عني بعيد
 كل يوم ياحبيبي كل يوم باتألم 
حتى يوم العيد


مشهد من فيلم مال ونساء

وفي العام نفسه كان العيد بمثابة حالة من التطهر بالنسبة للأب الذي لجأ الي الفساد لتحسين أسلوب حياته في فيلم"مال ونساء" لحسن الإمام ,عام 1960, وفي ليلة العيد, فان الأب الذي يسعي الي التوبة وأن يكف عن السير في طريق الضلال, يتسلل الي المخزن الذي به البضائع التي استولي عليها الفاسدون وذلك في ليلة العيد, ويموت وسط المخزن, وينتهي الفيلم بالجيل الجديد وهم يؤدون صلاة العيد,  وكما أشرنا فان العيد كان في الكثير من الأفلام المصرية مجرد إشارات , والتعبير عن لحظات بعينها , وبشكل خاص صلوات العيد بتكبيراتها الجماعية , وما تتمتع به  من مكانة في قلوب الناس وذاكرتهم , وفي فيلم " المجرم" إخراج صلاح أبو سيف عام 1977, فان الحارة التي تدور فيها الأحداث تعيش الساعات الأولي من يوم عيد, وقد استجمع المخرج أغلب مظاهر الاحتفال في مشهد سريع, فعلي خلفية صلاة العيد , فان أطفال الحارة يقومون بقيادة الدراجات المزركشة بأوراق الزينة الملونة , ونسمع أصوات  التهليل.



وهناك أرجوحة يتأرجح عليها الأطفال ما يوحي أننا في عيد , والحدث يدور حيث الحمامات الشعبية , ولعل المخرج يؤكد أن مثل هذا المشهد لا يوجد إلا في الحارة الشعبية , ومع مرور الزمن , ففي مثل هذه الساعة  وعند جامع محمود بالمهندسين يتدفق آلاف البشر في الساحة المتسعة لأداء الصلاة , وقد استعان المخرج علي عبد الخالق في فيلمه "الجنتل" لقطات حية تسجيلية تعبر عن المهابة الشديدة والحشود الكثيرة التي تشاركت في مناسبتنا الدينية السعيدة , وهو مشهد لا يمكن أبدا أن يعاد تمثيله, واللجوء الي التسجيلي يزيد من صدق المشهد وتأثيره , خاصة أنه جاء ليوحي بإزالة الغمة عن الأختين في الحارة الشعبية.

مشهد من فيلم عسل اسود
 
نعم كانت ابرز مشاهد العيد في الأفلام في المناطق الشعبية , وفي عام 2008, خرجت الأسرة بأكملها , وضيفها القادم من الولايات المتحدة الي إحدى الحدائق لتستمتع بالعيد’ فافترشوا العشب , ووضعوا الطعام وذلك في فيلم "المواطن مصرى"  وراحوا يتشاركون تناول الغذاء الأول في عيد الفطر بعد انتهاء شهر رمضان , وفي هذه الجلسة قام "مصري" بمنح مفتاح شقته الي الزوجين اللذين يسكنان مع الأسرة الكبيرة , ولا يقدر ان علي الاختلاء الشرعي, ويكون موقف مصري سببا في جلب السعادة الي قلبي زوجين محرومين من حقهما , وكأن العيد صار عيدين معا . 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع