فنون

الساحر والذئب على المنصة..

العائد من الموت

كان بديهيا أن يشكر ليوناردو دي كابريو أستاذه، مارتن سكورسيزي، عند استلامه الأوسكار التي توقعها 6 مرات، أصابته خيبة أمل في 5 مرات منها، قبل حفل الأوسكار الأخير، عندما شهد انتصاره، وتحقيقه لنتيجة جهد طويل كمنتج وكنجم سينمائي ضمن العشرة الأكثر شهرة في العالم. 
فربما كان "تايتانك" بداية انطلاقته كنجم تجاري في فيلم حقق أعلى إيرادات في تاريخ السينما حتى 1997، غير أن لقاء دي كابريو بسكورسيزي كان فارقا في مسيرته المهنية في هوليوود، كنجم حظي باهتمام المعلم. صحيح أن قبول "ليو" بالعمل في فيلم سكورسيزي "عصابات نيويورك" ساهم في موافقة شركة الإنتاج على الميزانية الضخمة، وأن بطولة الفيلم، عمليا، كانت للبارع دانيال دي لويس،  إلا أن سكورسيزي، كما وودي ألان، وكوبولا من الآباء الكبار للسينما الأمريكية، والعمل مع أحدهم درس حقيقي في المعنى الفلسفي العميق للعبة السينمائية، باعتبارها "فنا"، لا باعتبارها صناعة.



عاد من الموت
يمكن، بارتياح، أن نترجم عنوان فيلم The revenant بـ"العائد من الموت"، عوضا عن "العائد" التي ترجم إليها العنوان في معظم المقالات التي تنبأت بفوز ليونارد دي كابريو، بأول أوسكار في حياته.
فالترجمة إلى "العائد من الموت" سوف تحمل في دلالتها أحد المعاني الجوهرية للفظ Revenant في أصله اللغوي. وهي أيضا دالة على السياق الدرامي لقصة الفيلم. وإن لم يمنع ذلك أن "العائد" ترجمة معقولة، أو مقبولة، كعنوان للفيلم، فليس شرطا أن يحمل العنوان دلالة القصة دائما. غير أن هذا المدخل اللغوي قد يكون مناسبا، هنا، للسياق الذي نحن بصدده.
لكن المدهش جدا هذا التماثل الخفي بين قصة فيلم The revenant، الذي فاز ليوناردو بالأوسكار عنه، و بين ما حدث بين ليوناردو، نفسه، وجائزة الأوسكار. فهيو جلاس، "العائد، فعلا، من الموت"،  يبذل كل جهد تبقى في حياته، من أجل هدف واحد، هو الثأر من قاتل ابنه، فيما بذل دي كابريو كل فادح من أجل الجائزة. أليس هذا سادس ترشيح "مضمون" للنجم ذي الأصول المنحدرة من ألمانيا وإيطاليا (عاش مع جديه الألمانيين لفترة)؟ ألم يبذل كمنتج مئات الملايين في أعمال سينمائية بالغة الإتقان، من أجل الوصول إلى الأوسكار؟ ومن لا يتذكر نظرة "ذئب وول ستريت" في 2015، عندما أخطأته الجائزة للمرة الخامسة، أو تجاهلته، أو خيبة أمل هذا النصاب البارع في "أمسكني لو استطعت"؟



  ثم، ألم يستعن هيو جلاس بأبناء الأرض من هنود الأريكانا، في تطهير جراحه، أو بالطبيعة في كل صورها (نام في بطن حصان نافق لكي ينجو من البرد)؟ ها هو ساحر جديد، من أبناء الأرض الأصليين، المخرج المكسيكي أليخاندرو جونزاليس إيناريتو، يحمل دي كابريو إلى منصة التتويج. ساحر عاد هو الآخر إلى الأوسكار، التي أغفلته في "بابل" (فاز بسعفة كان الذهبية في عام 2006)، عاد بتحفته السينمائية "الرجل الطائر" الذي لم يمكن لهوليوود أن تتجاوزه، ليحصد الفيلم 4 أوسكارات، نال إيناريتو ثلاثة منها: هي أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو أصلي. ثم ها هي الطبيعة تمارس حضورها بصراحة تامة في خطاب دي كابريو القصير لدى استلام الجائزة، عندما طالب وهو يحمل أول تمثال ذهبي في مسيرته ألا نعامل الطبيعة كمنحة مجانية، وقال: لا أعامل هذا الأوسكار كمنحة مجانية.
فهل كان حفل الأوسكار السابق في 2015 هو الومضة التي جمعت العائد، دي كابريو، مع الساحر، إيناريتو، والتي تحولت بعدها إلى لقاء، فنص، فقرار بالإنتاج، إلى فيلم حقق 3 أوسكارات: واحدة لأفضل إخراج، والثانية للعائد، دي كابريو، وثالثة لأفضل تصوير سينمائي؟ وما هي الوصفة التي أهداها إيناريتو إلى دي كابريو، وجعلته يبلغ أوسكاره بعد خمس محاولات سابقة بلا جدوى؟



من عباءة الفوتوغرافيا
ربما يتطلب الأمر عودة سريعة إلى تاريخ السينما كفن مشاهدة، بدأ صامتا، وخرج من عباءة الفوتوغرافيا. كفن يحرك الصور الثابتة، لتأليف حكاية ما. يومها كانت الصورة وحدها هي العنصر الحاكم في لغة السينما. كانت الصور هي الأسماء، التي تعلمها "آدم السينمائي"، ولكنه ظل إلى لحظتها بحاجة إلى أفعال. إلى مونتاج، يصنع العلاقات بين الكلمات، لكي تؤدي إلى "جملة مفيدة". وكانت تلك واحدة من أجمل عصور الفن السابع، حيث لم يكن أمام المخرج غير عناصر الفرجة "البصرية" الصورة، والمونتاج، لكي يسرد جملته المفيدة، ويروي حكايته. وبمعنى آخر، حافظ فن السينما على ابتكاريته اللغوية، وعلى فعله الإبداعي المستمد من لغته الأم: الصورة (حركة وأداء) والمونتاج في الشريط السينمائي، أين سنقطع هذا المشهد، وما الجزء الذي سوف نلصقه به، لكي نحصل على معنى ما، وهل هو معنى قياسي، منطقي، سيفهمه كل المشاهدين، أم معنى تعرض لعملية تأويل متعسف، لن يقبله المشاهد أمام الشاشة. هذا طبعا، على الرغم من أريحية هذا المشاهد، واستعداده لدخول اللعبة، التي جعلت لون الشجرة (الأخضر) مساويا للون طلاء الأظافر أو أحمر الشفاه، في عصور الأبيض والأسود.

غير أن الأمر اختلف كثيرا مع اكتشاف شريط الصوت، ودخول الحوار والمؤثرات الصوتية (الموسيقى ضمنها) في بناء الفيلم. فقد رفعت اللغة الأقدم، اللغة المنطوقة، الكثير عن كاهل الفيلم وصانعيه، في مسألة الأسماء والأفعال، تلك. أصبح هناك صوت، وهناك حوار، وهناك رواة أحيانا، يقومون بربط الأحداث، وروايتها، وفق مقتضى السياق الدرامي، ووفق منطق الحكي في ذاته، أعني الحكي بمعناه الصوتي. ولم تعد الصورة، وحدها، جذرا لغويا للجملة السينمائية، إذ ندر أن يخلو فيلم من شريط صوت، يسند الحكاية المصورة، بالشرح، أو بالرتق، أو بالتعليق. ومع دخول اللغة، بتراثها المدهش في عالم الحكايات (منذ ألف ليلة وليلة، مثالا)، وحتى اكتشاف شريط الصوت في السينما، كان من البديهي أن تغلب اللغة الصورة، في بناء القصة، ونظم أحداثها. وتحولت الأفلام، في معظمها، إلى حكايات "يتم عرضها". وهو أمر ليس موضع انتقاد في ذاته، مع وجود مبدعين كبار حققوا أعمالا خالدة، صورت حكاياتها بإبداع كبير. غير أن مساحات تميز مخرج عن آخر، واختلاف فيلم عن سواه، ظلت تكمن، دائما، في قدرة المخرج على العودة إلى روح الفن السينمائي، وجذره التصويري، بالدرجة الأولى، ليكون شريط الصوت قطعة من الأحداث، وجزءا من لحمها، لا مجرد "نص آخر يروى الحكاية التي تعرضها الصورة".



الصورة ثم الصورة 
هكذا هو أليخاندرو جونزاليس إيناريتو، مخرج مشغول بالمسألة السردية في السينما، بالضفيرة، بمسألة: كيف نقدم الحكاية من خلال فيلم. والسرد، بالمناسبة، هو مسألة ترتبط بالنظم: فأن تسرد حبات المسبحة في خيط، هي أن تنظمها في عقد. وما السرد، في السينما إلا مجموعة من المشاهد التي تم تصويرها بإبداع حقيقي، في الحركة، وفي الأداء، وفي تفاصيل الكادر، وتوزعاته في الكتلة والإضاءة والعمق، وتم وصلها ببعضها بإبداع حقيقي في مناطق القطع والوصل بين مشهد ومشهد، على شريط الفيلم. دون أن يغفل، بالتأكيد، دور شريط الصوت، ولمسة الموسيقى الذائبة في نسيج الفيلم
فالمسألة ليست أننا بصدد تقديم، مجرد، قصة صياد تعرض لإصابة خطيرة، عندما عبث مع الطبيعة (هذا مهم)، وهدد ببندقيته صغيري دببة، فواجهته أمهما في معركة حياة: حياة أبنائها أو حياته، لتضحي بحياتها هي، تاركة إياه ممزقا بلا حول ولا قوة، ثم تم قتل ابنه أمام عينيه وهو في أقصى حالات ضعفه، لكي يبدأ مطاردة قاسية، يقاوم فيها الموت والثلج والصخور والشلالات والهاويات الصخرية والهنود الحمر والفرنسيين وقطعان الذئاب، حتى يبلغ قاتل ابنه. ولكن وراء هذه الحكاية، هذه الحكاية الخام، التي يسرد الفيلم أحداثها، فعلا، حكايات وسرودا أخرى كثيرة، ترك إيناريتو، كما فعل في "بابل" و"الرجل الطائر" إشارات ومفاتيح لمعرفتها. وتستطيع، لو بذلت جهدك، أن تستكمل تفاصيلها، وأنت تصنع حكايتك الخاصة؟ فالحكاية ليست، عند جونزاليس (الذي شارك في تأليف السيناريو، المأخوذ عن رواية لوقائع حقيقية)، هي هذا الحدث وحده، وإنما حكايات أقرب إلى المنممات القديمة، أو ألعاب البازل، التي تحمل كل قطعة منها علامة جديدة تضيف إلى اللوحة وإلى معناها. ولكن من أين يبدأ السرد؟ 



موقع المشاهد
إن جونزالس، بخلاف ناظمين سينمائيين كثيرين، لا يمنحك القصة بسهولة. هو يبدأ الحكاية من حيث لا تتوقع. من قلب محادثة أقرب إلى الثرثرة، بدأت قبل أن تدور الكاميرا. لتبدأ، أمام الشاشة في محاولة أولى لمعرفة من  هؤلاء، وما الذي يفعلونه هناك، في تلك الغابة المصبوغة بالدماء؟ دماء سوف تكتشف، بعد قليل، أنها دماء قنادس (حيوانات ذات فراء تعيش في مستعمرات جماعية تقيمها على شكل سدود في طريق المياه العذبة). وستكتشف (هكذا ستفترض، ربما) أن الذين يتحدثون، في نزق هامس، مجموعة من صيادي القنادس. ولكنك سوف تعرف بعدها أنهم ليسوا، فقط، صيادين، بل هم محاربون، أيضا، على جبهات أمامية في صراعات البريطانيين والفرنسيين على ولايات الأرض الجديدة، التي سوف تصبح، فيما بعد، الولايات المتحدة الأمريكية. لكن قبل أن تتعرف على هؤلاء، سوف تميز ليوناردو دي كابريو، من أول ظهور له، طبعا، وإن كنت، حتى نهاية الفيلم ربما، لن تعرف من هيو جلاس، ولا من أين جاء. ولماذا كان يعيش بين الهنود الحمر، وكيف تزوج منهم، وهو رجل أبيض؟ ولا لماذا هاجمت فرقة عسكرية قريته، وقتلت زوجته الهندية، فقتل جلاس قائد الفرقة، بدوره؟ ولن تجد إجابات، أيضا، على أسئلة عن كيف عاد جلاس، وهو المطلوب للقوات البريطانية باعتباره قاتلا، ليقود هؤلاء الجنود البريطانيين الصيادين (تجار فرو القندس) إلى طرق بعيدة عن هجمات قبائل الآري الهندية، تلك القبائل التي سوف تهاجمهم فعلا، في نهاية المشهد الأول؟ 

لقد بدأ المخرج علاقته مع المشاهد من تحديد موقع هذا المشاهد داخل هذه الصور التي مرت عليه، تحديد أين يقف من هذه الجمل المبهمة، من هذه الحوارات المقطوعة بالصمت أحيانا، وبالإشارات المحذرة في أحيان أخرى. ثم لا تدري إلا وأنت متورط في مطاردة، في سفينة تجري في نهر مجنون. النهر ذاته الذي سوف تقفز إليه مع ليوناردو، هربا من الهنود أنفسهم الذين رموه إليه أول مرة.



ومع تورطك في اتخاذ موقف درامي من خلال الفيلم، يقرر جونزاليس أن "يوسع الصورة" بعض الشيء. لكي تعيد النظر في الحكاية من جديد. فالهنود، "الهمجيون"، يطاردون جنودا "متحضرين"، اختطفوا ابنتهم، واتخذوها وسيلة استمتاع. والفرنسيون، "النظاميون"، يقبلون بالفراء المسروق في مقابل السلاح والخيل بعد مساومة. والآريكاني الذي أنقذ جلاس من تعفن جراحه، من هجوم أنثى دب هدد جلاس صغيريها، هو ذاته الهندي الذي يشنقه "النظاميون الهمج". 
إن إيناريتو، الذي يحب رواية القصة بأكثر من عمق، وبأكثر من زاوية، يعرف أن قصة مثل عودة هيو جلاس من الموت لكي يثأر من قاتل ابنه، تصلح لأن يتم نثرها في قلب أحداث كثيرة تتقاطع معها. أحداث تصلح لأن تكون موضوعات رئيسية  لحكايات أخرى، كثيرة. 

دي كابريو جديد
 وهو ينثر مشاهد حكايته الخام في الحكاية الأكبر، يعود إلى العناصر الأولى لفن السينما: صورة (ترتبط بالمكان والحدث وبالتمثيل)، ومونتاج مرهف، يعرف متى يقطع السياق، ومتى يعود إليه، وإلى أي حدث ينتقل بين كل مشهد، وما يتلوه على شريط الفيلم. لأنه يعرف، ولأنه مخرج يهتم بمسألة نظام السرد في القصة. بالجهاز الحكائي للفيلم. صح أن نشاهد دي كابريو كما لم نشاهده من قبل، ليس الفتى الوسيم البري، ولا الشاب الغارق في الحياة، وإنما أبا، وأبا يتمزق في حيرته، بين فهم الطبيعة، في وصايا زوجنه خلال الأحلام، بين تقديرها ومحبتها، وبين أزمته مع السلطة التي قتلت هذه الزوجة، قبل أن تستعين به: الأب المكلوم، والجريح اليائس، والغاضب الساعي إلى اللحاق بثأر ابنه، حتى أنه لا يجد وقتا لطهو طعام، أو لدفن حصان افتداه بعمره. 
كان دي كابريو جديدا تماما على جمهور السينما، استطاع أخيرا أن يجد ضالته في مخرج أولى اهتماما كبيرا بالعناصر الأولى للغة السينمائية في أصلها البعيد الأول، لينال معه أوسكار أحسن تمثيل، وأوسكار أحسن صورة سينمائية، وأوسكار أحسن مخرج.

تعليقات القراء

1 تعليق
  • مقال جاد
    بواسطة : خبير | بتاريخ 03-03-2016
    تحليل للفيلم أشبه بالدراسة. نفتقد هذا النوع من المقالات فى الوقت الحالى، ربما لأن ثقافة "ال post" أو "tweet" أو المقال " التيك اواى" أصبحت ثمة مميزة فى عصر الفيس بوك وتويتر. تناول المقال عناصر الفيلم الصورة والقصة بشئ من التحليل والتعمق.