فنون

"الطنبورة" أوتار تحمل إيقاع الماضي وتتحدى آلات الحاضر

غالباً ما يَطلق عليها البعض بـ "السمسمية".. وذلك لوجود عنصر التشابه المشترك بينهما من حيث الشكل الخارجي أو التركيب.. بل إنها فى حقيقة الأمر تتميز بخصائص وسمات تجعل كلاً منهما يختلف عن الآخر.. فهى من أقدم الآلات الموسيقية الوترية التى عرفتها البشرية فى عصور ما قبل التاريخ.. ونظراً لمدى انتشارها الواسع بين شعوب العالم القديم والحديث وفى مختلف الحضارات.. أصبحت تٌعرف بأسماء عديدة ومٌسميات مختلفة.. وعلى الرغم من ذلك إلا أنها قوية صامدة مازالت تحافظ على إيقاعها الخماسي الإفريقي وهيئتها الأصلية القديمة التى نشأت عليها فى الماضي.. تٌعرف هذه الآلة التى نحن بصددها الآن بـ "الطنبورة" أو "الطنبور" (The Nubian Music)

 
فعندما نتحدث عن هذه الآلة (الطنبورة) كأحد العناصر الثقافية ذات الطابع المادي.. فإننا نتحدث عن الإنسان الذى يكمن وراءها.. أى الإنسان ذاته الذى قام بالتفكير فى كيفية صنع هذه الآلة مستخدماً فى ذلك أبسط الأدوات وأقل الإمكانيات.. وهى تلك الأدوات التى تتمثل فى بعض الأنواع من المواد الطبيعية النابعة من البيئة المحلية.. ومن هنا بدأ يستخدمها ويعتمد عليها فى مختلف مناسباته الحياتية سواء (الدينية أو الدنيوية).. فأصبح كلاً منهما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالآخر.. لكونها جزءاً أصيلاً من ثقافته التى ينتمي إليها وتنتمي إليه.. وهذا ما تجسده الكثير من الأشكال والرسومات المنقوشة على جدران المعابد فى الكثير من المناطق الأثرية.. وهى تلك الأشكال والصور التى تنقل إلينا مشاهد واقعية حية لمظهر هام من مظاهر الحياة الثقافية فى الحضارة المصرية القديمة.
 
فإذا نظرنا إلى مثل هذه الآلات الموسيقية نظرة ثقافية متعمقة.. سنجد إنها من آلات التى تجمع بين الكثير من العناصر المادية "الملموسة" وغير المادية "المحسوسة".. فالأولي تتمثل فى مكونات هذه الآلة من حيث الخامات والأدوات المستخدمة فى الصنع.. أما الأخرى فهى تتعلق بالجانب المعرفي الذى يتصل بالخبرة والمهارة المطلوبة من حيث طريقة الصنع والعزف.. وهذه الخبرة المعرفية لا تأتى هباء أو من فراغ.. إنما تأتى من خلال تجارب عديدة خاضها الإنسان الأول فأصبحت تمثل له حصيلة من الخبرات المعرفية المتراكمة التى ترسخت فى أذهان الشعوب.. وهذا ما تشير إليه الخبرات والمعارف الشعبية بأنها "كل ما تختزنه وتراكمه الجماعة الشعبية عضلياً وعقلياً من تجارب تتصل بشئونها الحيوية.. بحيث يكسبها القدرة على الإنتاج العضلي والفكرى المتجدد والمتطور على نحو كيفي تصاعدي.. وإذا كانت الخبرة أكثر اتصالاً بالجانب العملي بينما المعارف أشد ارتباطا بالجانب الذهني.. فإن من المؤكد أن كل خبرة معرفة.. وكل معرفة خبرة".


ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب.. بل إنها أصبحت من العادات الشعبية التى اعتادت عليها الشعوب سواء فى الماضي أو الحاضر.. حيث يتم استخدمها بصفة دائمة فى إحياء الكثير من المناسبات.. ومن سمات هذه العادات الشعبية إنها ظاهرة تاريخية ومعاصرة فى نفس الوقت.. وهى بالتالي تؤدى الكثير من الوظائف الاجتماعية الهامة.. وبما أن هذه الآلة تٌعد واحدة من الآلات الموسيقية الشعبية فإنها تندرج بالتالي من العناصر الثقافية التى تحتضنها الفنون الشعبية.. وهى تلك الفنون التى يتداخل معها الكثير من العناصر الثقافية الأخرى كالغناء والرقص وهذا ما يٌعرف بـ "أساليب الاتصال والتفاعل" وهى التأثيرات التى تخلقها الموسيقى فى حواس مستقبل فردي أو جماعة من المستقبلين.. وهى تلك التأثيرات التى تتمثل فى "الأدوات الصوتية وتكويناتها" المتمثلة فى أصوات الإيقاع التى يولدها التصفيق بالأيدى ودق الأقدام على الأرض وهذا ما يصاحب هذه الآلة أثناء إقامة الاحتفالات.. وكذلك "النصوص الشفوية" المتمثلة فى نصوص الأغاني وبدائل الكلام المستعملة فى المجالات الموسيقية كقناة كبرى للتفاعل.. "الرقص" الذى يشكل حلقة الاتصال والتواصل مع الآخرين.. كل ذلك بالإضافة إلى أننا نجد أن هذه الآلة تشترك كعنصر أساسي فى فنون الزار وإقامة طقوسه التى تختلف بالطبع من مكان الى آخر.. وهى طقوس اعتقادية قائمة فى الأساس على المعتقدات الشعبية.. ومن هنا أصبحت هذه الآلة تشترك وتتداخل فى الكثير من عناصر التراث الشعبي.
 
إن "الطنبورة" آلة موسيقية وترية كمثل الكثير من الآلات الموسيقية الأخرى.. ولكنها تحمل فى جوهرها الكثير من المعاني والدلالات.. لذلك نجد من الصعب أن يفهمها الشخص بسهولة.. إلا إذا ارتبطت مشاعره ووجدانه بهذه الآلة من الأساس.. فالموسيقي نفسها لغة كمثل سائر اللغات الأخرى.. فهي تخاطب الوجدان قبل العقل.. فتدركها المشاعر.. وتفهمها الأحاسيس.. لذلك يٌقال إن "الموسيقي غذاء الروح".
 
وإذا نظرنا إلى اللغة الموسيقية المستخدمة فى جميع أنحاء العالم.. سنجد أن لكل شعب من الشعوب بل لكل بيئة من البيئات لغتها الموسيقية الخاصة بها.. كمثل اللغة المنطوقة الشفاهية التى يتحدث بها جميع أفراد المجتمع من أجل التواصل والاتصال مع الآخرين.. بلا شك أن لهذه اللغة خصائص وسمات تتميز بها عن غيرها من اللغات.. ومن خصائص هذه اللغة إنها تكمن فى مادتها الموسيقية ذاتها.. سواء من حيث الأبعاد الموسيقية وتكويناتها.. المقامات.. الزخارف.. وحدة اللحن وتعدده.. تنظيم الإيقاعات وأنواعها.. أشكال التلحين.. تقنيات الأداء الصوتي والآلي.. وسائل التعليم الشفاهي أو المكتوب.. الآلات الموسيقية.. ووظيفتها الاجتماعية التى تؤديها.. فكل هذه العناصر تساعد على تحديد نوع اللغة الموسيقية ومدى انتمائها إلى هذا الشعب أو ذاك.


آلة "الطنبورة"
مٌسميات الآلة:
تٌعرف آلة "الطنبورة" فى مصر بأسماء مختلفة.. وذلك طبقاً للغة المحلية التى تتحدث بها الجماعات الشعبية فى المناطق الثقافية التى تستخدم هذه الآلة بالتحديد فى الكثير من المناسبات الحياتية.. ففى مناطق النوبة المصرية تٌعرف بـ "كِيسر".. وفى منطقة حلايب وشلاتين تٌعرف لدى قبائل البشارية بـ "الباسنكوب".. كما تٌعرف فى السودان بـ "الطنبور".. أما فى إثيوبيا فتٌعرف بـ "الكرارة".. وفى عصور ما قبل التاريخ كانت تٌعرف بـ "كنر" حيث إشتقت منها التسمية العبرية "كنور".. ثم عٌرفت بالعربية "كناره" أو "قيثارة".. وفى بلاد الأشوريين والإغريق كانت تٌعرف بـ "ألليرا".. كما تٌعرف أيضاً بـ "المزيرة" فى بعض الدول العربية.. وعلى الرغم من تعدد هذه المٌسميات إلا إنها تتشابه تماماً مع آلة "الطنبورة" النوبية من حيث الفكرة والتركيب والشكل العام وطريقة التصنيع وأسلوب الضبط وطريقة العزف.. مما يدل ذلك على أن موطنها الأصلي بلاد النوبة.
 
وصف الآلة:
تتألف هذه الآلة من ثلاثة عناصر أساسية.. أحدهما يٌعرف بـ "الصندوق المصوت" وهو عبارة عن طبق يصنع إما من الصاج أو الخشب.. توجد به مجموعة من الفتحات صغيرة الحجم.. وذلك لخروج صوت الأوتار.. كما يٌشد على هذا الصندوق غشاء جلدى مرن عادةً يكون من جلد البقر.. أما العنصر الثاني فهو "الرقبة" وهى تتمثل فى ثلاثة أذرع من الخشب.. اثنان منهما يتصلان بالصندوق مباشرةً ثم يجمعهما الذراع الثالث فى النهاية بطريقة عرضية.. أما العنصر الأخير فهى "الأوتار" وهى عبارة عن خمسة أوتار تٌشد بين الذراعين.. حيث يتم ضبطها من خلال حوي القماش التى توجد على حافة الذراع الثالث.. إذ يصدر عنها صوتاً غليظاً داكناً أثناء أداء العزف.. فأساس الإيقاع "الهارموني" الذى بنيت عليه طريقة الضبط.. طبقاً للسلم الخماسي الإفريقي الذى استخدم فى موسيقي الحضارات القديمة.. ولكن قد يختلف صوت الإيقاع نفسه من مكان الى آخر ومن بيئة إلى أخرى.. وذلك طبقاُ لاختلاف مهارة المؤدى نفسه وأداته المستخدمة فى أداء العزف.. فالبعض يعتمد على استخدام أصابع اليد.. أما البعض الأخر فيعتمد على استخدام الريشة.. وكلاً منهما يؤدى بالتالي إلى وجود عامل الاختلاف فى صوت الإيقاع الصادر عن هذه الآلة.


مكونات الآلة..
تصنع هذه الآلة محلياً.. أى فى بيئتها المحلية بمكونات بسيطة وأدوات متاحة.. إلا إنها قد تختلف فى نوع الخامات المستخدمة فى الصنع.. وذلك طبقاً للبيئة الذى توجد فيها.. وعلى الرغم من اختلاف هذه المواد.. إلا أنها تتميز فى النهاية بشكل واحد وبأحجام تكاد تكون متقاربة إلى حد كبير.. حيث تتكون من طبق مقعر يتراوح قطره بين 27 الى 30 سم.. وكذلك ثلاثة أعمدة من الخشب.. حيث يبلغ طول أحدهما "الأيمن" 62 سم.. أما الآخر "الأيسر" 68 سم.. يٌعرف كلاً منهما بـ المداد أو "دجلان".. أما الثالث فهو بمثابة حلقة الوصل أو الربط بين الذراعين.. وكذلك الأوتار الخمسة التى مصدرها أمعاء الحيوان "الإبل".
 
تصنيف الآلة.. 
تصنف هذه الآلة علمياً طبقاً لتصنيف العالمان "كورت زاكس".. "إبريش هورنبستيل" ضمن "الآلات وترية الصوت" أى أنها من الآلات التى يصدر الصوت منها من خلال اهتزاز الأوتار.. ويندرج من هذا التصنيف أيضاً آلة "السمسمية" المعروفة فى مدن القناة.
 
ضبط الآلة: 
تضبط هذه الآلة فى إحدى طبقتين.. أحدهما خفيضة تٌعرف بـ "زبيدى".. أما الأخرى مرتفعة تٌعرف بـ "الشامي".. إلا إن إيقاعها الأساسي هو "الهارموني" الذى بنيت عليه طريقة ضبط الآلة هو السلم الخماسي.. وهو من السلالم التى استخدمت فى موسيقي الحضارات القديمة فى أسيا وإفريقيا وحوض البحر المتوسط وفى بلاد النوبة.. ومازال هذا النظام سائداً حتى الآن فى هذه المناطق.. وليس لأوتار هذه الآلة أوتاد أو مفاتيح.. بل تلف الأوتار على حلقات تنزلق على القضيب الأمامي من الإطار الذى يتركب من قضيبين جانبين أحدهما أقصر من الآخر فى بعض الحالات.. حيث يتم ضبط الآلة على النحو المطلوب بواسطة لف تلك الحلقات القماش بما عليها من أوتار. 


طريقة العزف.. 
فى البداية يجلس العازف على الأرض أو على مسند ثم يقوم بمسك بهذه الآلة وعند الأداء يضرب العازف بيده اليمني على الأوتار مجتمعة.. بينما تعمل أصابع يده اليسرى على تشكيل النغمات بواسطة كتم الأوتار غير المراد سماعها وإطلاق الأوتار المراد سماعها.. وللآلة طبقة صوتية متميزة الانخفاض.. ونبرات إيقاعية الطبع.. كما أن أوتارها تضبط على حسب سلم خماسي بناءً على مقياس النغم النسبي.
 
أوتار الآلة..
يٌعرف كل وتر من الأوتار الخمسة الموجودة فى هذه الآلة باسم معين.. وهى على حسب ترتيبها (شرارة - مجاوب - مساعد - متحرك - بومة - دبانة).
 
وظيفة الآلة:
مما لا شك فيه أن للموسيقي نفسها عددا من الوظائف الهامة.. فالوظيفة هنا تعني الدور الذى يؤديه العنصر الثقافي فى تدعيم العلاقات الاجتماعية وثباتها واستمرارها مع مساعدة بقية النظم الأخرى فى أداء عملها.. فهى تساعد على تهدئة الأرواح والشفاء من الضغوط النفسية.. كما إنها تستخدم فى بث الإشارات الاستغاثية فى بعض الأحيان أثناء الحاجة الى طلب المساعدة.. وذلك عندما يتعرض صاحبها الى الأذى والخطر أثناء تجوله الصحراء أو فى الجبال.. تعمل على إحياء الكثير من الاحتفالات والمناسبات الحياتية.. تعبر عن الهوية الثقافية للجماعات التى تستخدمها.. فمن خلالها يمكن التعرف على الجانب المعرفي والثقافي للإنسان فى الماضي.. ومن هنا نجد أن هذه الوظائف هى نفس وظائف الفولكلور كما حددها "باسكوم" وهما (الترويح عن النفس، تثبيت القيم الثقافية، التعليم أو التلقين، التلاؤم مع أنماط السلوك). 


المناسبات التى تستخدم فيها هذه الآلة:
تستخدم هذه الآلة بصفة دائمة فى إحياء مختلف المناسبات الاجتماعية سواء العامة أو الخاصة.. كاحتفالات ليلة الحنة وجلسات الونسة والسمر.. وخاصةً فى مناطق النوبة أو حلايب وشلاتين.. وذلك نظراً لقرب هذه المناطق من موطنها الأصلي الذى نشأت فيه هذه الآلة.. فالطنبورة موسيقي حرة.. لا ترتبط بالتواريخ أو التقاويم.. ولا ترتبط أياً من المناسبات التى تعزف فيها.. فهى آلة تلازم الإنسان الذى يستخدمها إينما رحل وإينما كان.
 
التطورات التى طرأت على هذه الآلة:
تعتبر العناصر الثقافية كالخلايا البشرية التى توجد بداخل الجسد الإنساني.. فهى دائمة التجدد والتطور وبالتالي قد يطرأ عليها عوامل التغير سواء بالإضافة أو بالحذف.. وإذا نظرنا الى هذه الآلة سنجد إنها مازالت على نفس هيئتها الأصلية القديمة سواء من حيث الشكل أو عدد الأوتار الموجودة فيها.. إلا إنها الآن قد طرأ عليها بعض الإضافات البسيطة حتى تواكب غيرها من الآلات الموسيقية الأخرى.. وذلك عن طريق إضافة مفاتيح الجيتار بدلاً من حوى القماش التى كانت تستخدم فى ضبط إيقاعات هذه الآلة.. بهدف ضبط الإيقاع المحدد ليصبح بنفس الدقة الموجودة فى الآلات الحديثة.. وهذا ما تم رصده بالفعل أثناء جمع هذه المادة الفولكلورية من أحد العازفين على هذه الآلة من أبناء النوبة.
 
وفى النهاية يظل السؤال هنا الذى يفرض نفسه دائماً.. هل يمكن أن نتجاهل هذه الآلة العريقة التى تحمل بين أوتارها الخماسية إيقاع الماضي والهوية الثقافية للإنسان الأول؟ وما هى الطرق والوسائل التى يجب أن تتبع من أجل الحفاظ على هذا العنصر الثقافي فى ظل وجود الكثير من الآلات الغربية الحديثة فى عصرنا الراهن؟ بلا شك أن الإجابة الافتراضية على هذا السؤال ستكون من خلال إنشاء مراكز أو أماكن متخصصة لصنع مثل هذه الآلات وتدريب أكبر عدد ممكن من الشباب على كيفية الصنع والعزف على هذه الآلة بهدف إعادة إنتاجها وإحيائها من جديد، مما يساعد ذلك على إمكانية الحفاظ على هذا العنصر الثقافي الذى يعبر عن ثقافة إنسان الماضي والحاضر.
 
المراجع:
1- محمد السيد شبانه. أغاني الضمة فى بورسعيد.- القاهرة: دار الزعيم للطباعة والنشر، 2006.- 367 ص.
2-خالد عبد الله خليفة. الطنبورة.- الثقافة الشعبية.- س5، ع19 (خريف 2012).- ص 133- 138.
3- صلاح الراوى. فلسفة الوعى الشعبى.- ط 1.- القاهرة: درا الفكر الحديث، 2001.- ص 18.

 

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع