فنون

الشارد والسارد والتشكيلي.. ثلاثية نجيب محفوظ فى ذكرى ميلاده

تحية إليه فى ذكرى يوم ميلاد، ففى هذا التاريخ ولد فى بلادنا واحد منا، أغرق حياتنا بالحكايات الجميلة النابعة من وجود ما وكياننا، أبطالها هم نحن، والأماكن هى نفسها التى نعيش فيها، الأزقة، والمقاهي، والبيوت الضيقة، وسكان كثيرو العدد، وسط، الطموح الكبير، والعلاقات بكافة أشكالها. راح صاحبها يراقب أبطالها، ويسجل حكاياتهم فى الروايات والمسرحيات، والقصص القصيرة، وبرع فى كتابة قصص الأفلام المدهشة، فأدهش المخرجين قبل المشاهدين. واستحقت هذه المسيرة أن ينال صاحبها أكبر جائزة أدبية فى عصره، وهناك جانب بالغ الأهمية فى هذا العالم لم يسبق أن تطرق إليه واحد من الكتاب والباحثين، وهو الفن التشكيلي، فعلى مدار أكثر من سبعين سنة نشرت أعمال نجيب محفوظ فى المجلات، والصحف ولدى الناشرين، وكان من حسن الحظ أن أفضل الفنانين التشكيليين المصريين هم الذين رسموا له شخصياته، وكتبه، وأن الناشرين الذين حملوا تلك المسئولية جروا على أن تصدر أعماله بشكل شعبي، ما ساعد على أن تنشر الصورة الجميلة التى على الأغلفة، وأيضا الصور البينية التى بين صفحات النصوص.
 


وقد لفت هذا الجانب أنظار الصديق الكاتب والشاعر الروائى أشرف أبو اليزيد، فجاء كتابه "نجيب محفوظ الشارد والسارد" حول العلاقة بين نصوص المؤلف النثرية، وأيضا الرسوم المعبرة التى رسمها أساطين الفن التشكيلى لكتبه ونصوصه، وهى التى شدت انتباه الناس قبل قراءة النص، فمن منا لم تشده الوجوه الخلابة التى كان يرسمها الفنان الراحل جمال قطب لروايات الكاتب، وكتبه المنشورة فى نهضة مصر، ومن من الجيل القديم يمكنه أن ينسى الرسوم المصاحبة لرواية "أولاد حارتنا" عندما نشرت فى "الأهرام" على حلقات مسلسلة بريشة الفنان حسين فوزى النجار. وقد كرر الأمر نفسه فى "مجلة الإذاعة والتليفزيون حين تم نشر شخصيات رواية "المرايا فى أوائل السبعينيات برسم المبدع سيف وانلي، وهو أمر غير مسبوق أو ملحوق فى الصحافة المصرية قام أشرف أبو اليزيد بملاحقة مثل هذه النصوص لقد شغف أغلب الفنانين التشكيليين بأعمال نجيب محفوظ، فذهبوا بشخصياته وأماكنه إلى أنحاء متفرقة من الكون الأرضي" أى مكان يعرف السينما بشكل خاص، وقد تنبه الكاتب إلى الأسماء المصرية فى المقام الأول، حيث رأى الناس ذلك العالم على أفيشات عشرات الأفلام، وكان من أبرزهم حسن جسور الذى لم نعرفه أبدا مصمما لأغلفة روايات، ورأينا رسومه على أغلفة الثلاثية كما نشرتها مكتبة مصر، وأيضا غلاف رواية "زقاق المدق"، وبدت الأغلفة مختلفة عن تلك التى كن يرسمها جمال كامل فى الطبعات الأولى من الروايات التى نشرتها سلسلة الكتاب الذهبي، ثم حين تخصصت مكتبة مصر فى إصدار أعمال محفوظ، وهى مدرسة بالغة الجودة لفنان متميز للغاية، لكنها مدرسة غير متجددة ومتكررة، فالفنان يهتم بالبورترية النسائى فى المقام الأول الذى يغلب على مساحة الغلاف، أما الرجال فأنهم يبدون على تلك الأغلفة بشواربهم الكثيفة على طريقة شارب أحمد مظهر الذى كان واحدا من أصدقاء محفوظ القريبين منه، والملاحظ أن أغلب وجوه النساء كانت أجنبيات الملامح من ناجية البشرة بالإضافة إلى شعر مصبوغ بالحنة فى اغلب الأحيان.
 


وعليه فإن شخصيات محفوظ طوال هذه المرحلة قد تغير شكلها وتصميمها من رسام إلى آخر لكن الملحوظ أن أغلبهم بارع فى البورتريه، ومنهم محمد الناصر فى مجلة "نص الدنيا"، وجمال كامل فى الكتاب الذهبي، وجمال قطب فى إصدارات عديدة، ليس فقط فى مكتبة مصر بل أن دار الآداب البيروتية استعانت برسوم جمال قطب خاصة "أولاد حارتنا" التى لم تطبع فى القاهرة ككتاب لدى ناشر رسمى إلا بعد منعها بسنوات، قد تغيرت واجهات تلك الأغلفة عندما حصلت دار الشروق على حقوق نشرها، وكان على حلمى التونى أن يرسم عددا كبيرا من الأغلفة فى فترة قصيرة نسبيا ففرض أسلوبه الكاريكاتوري، المخالف تماما للرسم التوضيحى عند الأسماء الأخرى، وبدت أغلب الأغلفة للتونى كأنها رسمت أقرب إلى الاسكتشات، وقد كانت المقارنة هنا أمرا صعبا للغاية.
 


فى تلك المراحل بدت الرسوم أقرب إلى اللقطات الفوتوجرافية، للصور الملتقطة فى الاستوديوهات، إلا أن الحسين فوزى النجار هو الأكثر اهتماما بالحركة فى الرسومات التى نشرت مع رواية "أولاد حارتنا" فى جريدة الأهرام، ولا أعرف لماذا لم تستعن دار الآداب ببيروت بهذه الرسوم، هل لأنها من حق الأهرام، لكن بتأمل هذه الرسوم كما جاءت فى كتاب "السارد والتشكيلي"، لأشرف أبو اليزيد تعكس ما قام به الفنان من تجديد رسومه، وفى هذه الرسوم غلب عنصر الرجل على تواجد المرأة وذلك عكس ما كان ينظر جمال قطب، وبدت اللوحات عامرة بالحركة، ومنها على سبيل المثال الرسم الذى يقفز فيه شخص فوق ظهر آخر وكلاهما يرتدى الجلباب.
 


كما يتضح الاختلاف أيضا فى رسوم حسن جسور على الأغلفة من خلال الوجه الغليظ للسيد أحمد عبد الجواد على واجهة غلاف رواية "قصر الشوق"، أما المرأة المرسومة على غلاف رواية "بين القصرين" فهى لامرأة مصرية الملامح والملبس، بما يعنى أن المصادر التى كان جمال قطب يرجع إليها أجنبية، بخلاف المصادر التى رسم منها حسن جسور أغلفة الروايات، وأيضا عشرات الأفيشات - الملصقات، سواء عن أفلام استوحاها كتاب السيناريو من نصوص محفوظ الأدبية أو تلك التى كتبها خصيصا للسينما، ولم يكن جسور هو صاحب كل هذا التصميم بمفرده بالطبع.
 
يبدو الأمر بالغ الاتساع، لكن الكاتب الذى رصد رحلة من رسموا أعمال نجيب محفوظ قد شاهد الأمر على مدى اتساعه فلم يقف فقط عند من رسموا عن نصوص محفوظ سواء على الأغلفة أو الأفيشات، فى الصفحات الداخلية للروايات، وأغلب هذه الرسوم بالأبيض والأسود، كما وجد أبو اليزيد أن بعض المؤسسات الصحفية نشرت أعمال الكاتب فى صورة استربس، أو ما نسميه بالقصص المرسومة، ومن أبرزها "أولاد حارتنا"، بل أن الأمر تغير عندما تمت الاستعانة بالفنان صلاح عنانى وهو يرسم الروايات المترجمة فى الطبعات الأجنبية، حيث إن الناشر فضل أن يكون مصمم الأغلفة له اتجاه غربى مثل صلاح عناني، ومن ناحية أخرى فإن الكتاب لم يهمل الرسامين الصحفيين الذين رسموا الكاتب نفسه فى العديد من اللقطات سواء وهو جالس عند المقهي، ومنهم الرسامين عبد العال، وحلمى التوني، وجورج بهجوري.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع