فنون

ماعجزت السينما عن نقله كان أعظم.. 30 يونيو على الشاشة

 في الشهور الأولي عقب قيام ثورة يونيو طرحت البرامج الفنية سؤالا : كيف يمكن للسينما أن تعبر عن هذا الحدث الضخم ,حاول الاعلاميون التنبؤ بالصورة التي ستعيدها الدراما التلفزيونية في المرحلة المقبلة , والوصول الي اجابة صعب تماما الوصول اليها , وكنت أردد دوما أنه من المستحيل علي السينما أن تبهر المشاهد بالصورة نفسها التي شاهدناها في الواقع, وعكستها الصور التي التقطتها كاميرات البث في المحطات العالمية والمحلية 

اليوم , بعد خمس سنوات كاملة من الحدث التاريخي , لايمكن للذاكرة البشرية أن تنسي ماشاهدت , وهناك تأكيد أن قوة الأمر أنه جري بشكل حشدي في الميادين الكبري, وفوق الجسور, واختفت الخلفيات كي يبقي التدفق البشري الذي يحتاج الي عدسات بالغة التطور لوضعها في كادر, أو اطار أكثر اتساعا من ادراك العينين
 
وصار في جعبة صناع السينما الفرص الذهبية لتقديم قصص الثوار الذين غيروا صورة مصر في العقد الحالي,كل مصري كانت لديه عشرات الأمنيات والأحلام والقصص,للعيش في غد أفضل , وهانحن مازلنا ننتظر فيلما يعبر عن الحدث, لكن الأمر ليس سهلا , فمن أين يمكن ايجاد هذا العدد الكبير جدا من البشر , تتملكهم جلالة الثورة , ويعاد التصوير لنري فيلما يوازي الثلاثين من يونيه عام 2013
 
 
هذه هي مشكلة الصورة السينمائية مع ثورة يونيه, انها التجربة الانسانية التي من الصعب وضعها في كادر , فما حال أن تعيد تمثيلها , فلا شك أن اعادة تصوير الواقع الهادر كما رأيناه بمثل هذا التدفق, والصدق أمر يحتاج الي الكثير من المجهود والموهبة والتكاليف, وانه لايمكن عمل فيلم روائي دون الاستعانة بأكبر عدد من الأشخاص, وكل ماقلناه هو أن السينما لو أرادت أن تعبر عن الحدث فعليها أن تذهب الي الثورة في الأماكن الخلفية , وليس في الميادين الكبيرة الواسعة حيث خرج اليها المواطنون الذين يطالبون المسئول بأن يغادر مقعد الحكم , وأمام طموح السينمائي المصري أن يقدم عملا يليق بالثورة, جاءت فكرة فيلم" اشتباك", أخراج محمد دياب,عام 2016 الذي اشترك في كتابة السيناريو مع أخيه خالد دياب, فقررأن ينقل الثورة الهادرة الي عربة ترحيلات ضيقة تنقل مالايزيد عن ثلاثين شخصا ينتمون الي أطراف متباينة من الشعب, منهم المؤيد للرئيس المعزول, ومنهم البلطجي, ومنهم المواطن العادي الذي قرر المشاركة في اسقاط نظام فاشل, وذلك في فيلم جدلي يثير الكثير من من النقاش, بعيدا عن الخطابة , ومحاولا نقل الهدير البشري الضخم في الميادين الي آخر مصغر, يعبر عن كل سمات الحدث الثوري, أن تكون هناك أشخاص" مع" وأخري" ضد" وثالثة لايمكن الامساك بمواقفها , وافكارها , رغم أنهم جميعا في حكم المقبوض عليهم , أي أنهم من المفروض أن يمثلوا المعارضة الجديدة , فرأينا اسرة باكملها تركب عربة الترحيلات , وهم الأب, وزوجته الممرضة نجوي , والابن الصبي, 
 
 
من الوهلة الأولي لابد أن يتبادر الي ذهنك أن السينمائيين لم يتمكنوا من أعمال روائية تتوقف عند الأحداث الكبري التي صاحبت يناير 2011, ومنها فيلم" حظ سعيد"اخراج طارق عبد المعطي, وأيضا فيلم"بعد الموقعة" الذي أخرجه يسري نصر الله ,باعتبار أن حمية السينمائيين كانت أسرع استجابة لما حدث في ثورة يناير, حيث اضاف بعض المخرجين مشاهد سريعة الي أفلام كي تظهر كأنما السينما كانت لديها ارهاصات الثورة , ومن هذه الأفلام الروائية " صرخة نملة" , و"الفاجومي" , لكن تلك الألعوبة لم تكن تنطلي علي ماحدث في نهاية شهر يونيه, لذا فحتي الآن فان فيلم "اشتباك" هو المعادل الأنسب للتعبير عن ثورة الجماهير وخروجها بكل هذه الحشود الغفيرة جدا, وسط متطلبات انتاجية هائلة يجب تدبيرها من اجل تصوير فيلم يعبر عن صورة من الحدث. ومن الواضح أن فيلم" بين السماءوالأرض" لصلاح أبو سيف 1958, وهو قيلم متفرد لايتكرر, كان ماثلا في ذهن المخرج والكاتبين, وذلك باستبدال المصعد بعربة ترحيلات , وكل من المكانين , يمكن أن يستقبل عن طواعية عددا محدودا من الأشخاص, من الجنسين, ومن أعمار مختلفة, ولكل منهم ظروفه, وحياته التي سوف يستأنفها , هؤلاء الأشخاص يمكنهم أن يتقابلوا للمرة الأولي, وهذه الفكرة تصلح لمسرحية أكثر منها كفيلم , مثلما شاهدنا وقرأنا في مسرحية " موتتسرات" للكاتب الفرنسي ايمانويل روبلس, وهي المسرحية التي عرفناها باسم" ثمن الحرية " , حيث سوف يلتقي اشخاص لايعرفون بعضهم البعض, وتجبرهم الظروف القاسية الي التقارب الانساني بدرجات مختلفة , وأن تتم تنحية الأفكار الأيدولجية جانبا ,ولو بشكل مؤقت , خاصة أنهم سوف يواجهون المصير نفسه, 
 
ايمانويل روبلس
 
وكم أميل الي المقارنة مع النص المسرحي , أكثر من السينمائي لأن صلاح أبو سيف مزج موضوعه بالكوميديا, أما مسرحية روبلس( التي شاهدناها أيضا علي الشاشة في فيلم أخرجه نور الدمرداش 1965), وفيلم "اشتباك" فانه يعبرعن قسوة الحدث, ولم ينج شخص واحد من الذين تم الزج بهم في مكان مغلق, بالطبع فان التجربة السينمائية في "اشتباك" أكثر خشونة , وقسوة ,
 
هذه عربة الترحيلات التابعة للداخلية , تنتظر أن يأتي الركاب الواحد تلو الآخر, ليس هناك أشخاصا بأعينهم سوف يأتون,وباعتبار أننا سنظل محبوسين مع أشخاص في مكان بالغ الضيق, فان " اشتباك" مثلل الأفلام التي ذكرناها لايكترث أن يصور لنا الأماكن التي جاء منها الأشخاص, لكنه يتوقف عند المصائر التي تنتظرهم, وفي الكثير من الأحيان لاتهم الأسماء, أو المهن بقدر التقارب أو التنافر بين الذين تواجدو في المكان , وهنا سوف يكون الانتماء سببا في المواجهة الشكلية , لكن للأسف فالمصير واحد للجميع الذين ستنقلب بهم السيارة الحديدية بعد ساعات , ويكون أول واحد هو صحفي أمريكي من أصل مصري يدعي آدم رمزي( هاني عادل), جاء لمتابعة مايحدث في القاهرة , ومعه مساعده , هو يريد أن يؤدي عملا, ومعه أجهزة تصوير ورصد حديثة ابتداء بالكاميرا أو ساعة اليد التي في معصمه, لقد قام بعمل يعاقب عليه القانون من منظور ضابط الشرطة الذي أدخله العربة, هذا الضابط الذي يبدو لطيفا متفهما طيلة الأحداث , ولذلك فهو يدخل في حوار مع شخص يؤدي عمله, فهو يكسب قوته كمراسل أجنبي ةيعرف تماما كافة المخاطر التي تفرضها طبيعة العمل, وعليه فهو الشخص الذي بقي أطول وقت في العربة, ويبدو في الأغلب العاقل المتزن المستعد للتصرف, واستخدام الوسائل البديلة عن الخطر وعليه ألاينفعل’ ثم تأتي نماذج أحري أبرزها الصبي فارس(أحمد داش) ومعه أبوه حسام الذي لايود أن يتركه , وترفض الأم الحاضرة للحدث أن تترك ابنها يركب العربة بدونها , حتي وان كان في صحبة أبيه الذي خرج معه للميدان , فتفتعل جريمة تركب بعدها العربة , كما تركب أيضا عائشة( مي الغيطي) الفتاة في سن المراهقة التي تربت علي التشدد من أبيها السني, ويتم القبض علي مجموعة من الاخوان سرعان مايقومون بتنظيم أنفسهم والتعامل مع كل الآخرين علي انهم فصيل يختلف عنهم تماما 
 
 
وعل الجانب الانساني, فان المخرج , والمصور كان في مركز الاهتمام لديهما هو تقديم بعض الوجوة بكل الوضوح والتركيز علي التفاصيل , بينما بدت وجه الأشخاص الاخرين بعيدة كأنها بلا ملامح , ومن الوجوه التي رأيناها بكل الارهاق والمعاناة , الصحفي, واسرة الممرضة نجوي, والصبية عيشة , والشاب الاخواني البدين الذي يملك صوتا غنائيا , وربما ضابط الشرطة الذي بدا متماسكا , كأنه مدرب جيدا لممارسة مهمته حتي ينجزها باقل قدر من المتاعب, فكل مايقدر عليه هو ان يحدد اذا كان الشخص يستحق الصعود الي العربة أم لا 
 
لم يركز الفيلم علي المصير, ولم يتساءل أحد منهم عن المكان , وكل مايمن التكهن به أنهم في طريقهم الي المديرية أو الي سجن لايعرفون مكانه.ولم يكونوا يعرفون بالمرة أنهم سيكونون ذوي مصير مشترك, وكما نري فان العقاب هنا أشد قسوة من أرتكاب أي ذنب, بما يعني أن الرحلة استغرقت ساعات , وهذا هو المقصود, وأن هناك اشارة الي وجود الكثير من العربات المشابهة في الطريق نفسه, مثل الحديث عن عربة في وقت أسبق مات أيضا من فيها, وهناك عربة مجاورة أخري يوجد فيها نفس الخليط من الأشخاص, بعضهم اقارب من الدرجة الأولي لركاب العربة الأساسية
 
 
وقد تعمد السيناريو اطالة مدة البقاء في السيارة بهدف احداث التقارب بين الركاب, الذين وحدت الأزمة فيما بينهم , ويبدو ذلك واضحا في التحول الملحوظ لدي عائشة التي تصر أن تتم منادتها باسمها الديني وليس الشعبي المألوف عائشة, فهي اقرب الي الطفلة منها الي الأنثي, لكنها تحس بالمسئولية عن المرأة في داخلها , وهي في صحبة اب عجوز, مريض, وتبدأ في صدام مع الصبي فارس مثلها , وتذكره بلعبة عسكر واخوان التي كان التلاميذ يلعبونها, وهي لعبة بديلة ل"عسكر وحرامية" التي عرفتها الاجيال , هذه الصبية المتشددة لاتلبث أن تتحول ببطئ وتشارك الصبي اللعبة التي يحفرها علي الجدار الحديدي الداخلي للعربة ,وهي لعبة (اكس أو ) , وهي تسترد براءة طفولتها , رغم قسوة الظروف التي تعيشها في المكان, والمواقف التي تعرضت لها ومنها الحالة الصحية لأبيها , وايضا رغبتها في الدخول الي المبولة المصطنعة لتفريغ مابمثانتها , وهي الانثي الثانية بعد الممرضة وسط المرحلين 
 
 
في فيلم متشابك الاتجهات والظروف  والاشحاص, حيث كان التقارب اسرع بكثير لدي الأطفال ماحدث لدي الكبار, فسرعان ماقام الاخوان بتنظيم أنفسهم وتحديد من يكون قائدهم , واتخاذ جانب يقفون فيه مبتعدين عن الآخرين, وقد حددوا ماذا يفعلون, أما الأطراف الاخري فلم يكن لديها أي خطة للبحث عن زعامة , وكل مارأيناه أن اغلبهم يهدف الي المحافظة علي افراد اسرته سواء الممرضة , أو عائشة , ووسط كل هذه الاجواء المضطربة فان الفيلم يمتلئ بالحوارات الغاضبة التي تعبر عن المواجهة بين المؤيدين للثورة الجديدة , أوالمناهضين لها , وقد بدا أصحاب الطرف الثاني أقرب الي الاشباح. هم مجرد أجساد لاثبات أنهم اكثر عددا, وبد أميرهم شخصا مدربا علي مهمته
 
 
واذ كانت الشتائم والاتهامات قد وجدت طريقها بين الأطراف عند بدء الصعود الي العربة , فان الضرورات الانسانية فرضت عليهم التقارب خاصة مسألة تدبير مكان للتبول , باعتبار أن هناك مرضي سكر, وشيوخ طاعنون في السن, وايضا الجو الحا ر الخانق في بداية صيف ذلك العام. وأيضا قيام الشرطة برش المرحلين بالمياه الساخنة المندفعة من خراطيم لم تفرق بين طرف أو آخر, وهو ماجعل الجميع يتصرفون كأنهم أصحاب ظروف مشتركة, ورغم ذلك فالفيلم لايخلو من نقل الجمل الفصيرة التي تتردد في مثل هذه الظروف: " احنا مش اخوان - انا اخوان - مين اللي مقبضينك- أنا مصري - ما تفتجش لقك - عربية زي دي من كام يوم لسه ميت فيها 37 واحد", ومن بين الاشخاص نعرف أنه بالاضافة الي وجود المراسل الصحفي فهناك أيضا دكتور,, وشخصان عربيان لم يشأ الفيلم الكشف عن جنسية كل منهما, ,ويكشف الفيلم مايتعرض له ضباط الشرطة من أخطار حين يطلق قناص برصاصات ناحية رجال الشرطة , ويدور اشتباك بين الطرفين بعد اصابة الضابط
 
 
الفيلم ملئ بالتفاصيل المتسمة بالخشونة , والقسوة وينتهي بمصير مثير 
للحيرة, والتساؤل: تري مع أي الاطراف يقف؟ 
 
أجاب الفيلم أن الأخوان هم مصدر العنف الذي شهده المجتمع في تلك الايام فالقناصة الذين رأيناهم يطلقون الرصاص من بنادقهم هم مدربون , بشكل جيد, وهم الذين وراء التفجيرات التي نسمعها خارج العربة من وقت لآخر,هم اذن مسلحون , ويمارسون القتل

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع