فنون

السينما.. تقاطعات الأزمة

في غياب المشروع الثقافي الذي يلتف حوله جمهرة المثقفين، لا تسأل عن سينما تنتصر لموضوع. ولعلنا نرى ما يشير لتحول ماهية الموضوع إلى ما يشبه الخضوع للقواعد المرعية للعمل بالبورصة. والتي تراهن - وفق أجواء التراجع- على الأفلام المطلوبة سوقيا، والمضمونة الربح. بل وسنرى هاهنا تيمات تُعالج على هوى الذوق العام والتناول السائد، وليست مواضيع بأي حال.
 
أسمع من يقول إن الجمهور لا يريد دائما هذا التوجه. وللصدق هي حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن تظل حسابات الكم فيمن يريدون الموضوع مُحبطة إلى درجة. ومن خلال تجربة خاصة، وفي آخر تعامل لي مع السينما، كنت أرى بوضوح لافت أيتام داوود عبد السيد في "رسائل البحر" وهذا الجمع الغفير الذي دخل لخالد يوسف "كلمني شكرا". ولا أريد هنا عقد مقارنة فنية بين الرجلين، لكن بحسابات المسكوت عنه؛ فهناك فرق واضح بين السينمائي المشروع الذي يمثله داوود، والسينمائي الذي يجيد صنع الخلطة الجاذبة لزبائن سينما هذه الأيام. 
 
إن الطقس الثقافي الذي اغتال المسرح أو يكاد، يبدو لي كمتهم باغتيال الطابع الإرسالي في الخطاب السينمائي، والذي ظل رغم شيوع السمت التجاري لبعض الأفلام، يقاوم كي يؤسس سينما نظيفة تتسم بالجدية، تتناول مواضيعها برؤية تتسق مع أيدلوجيا صُناعها، وتسرب رسائلها من خلال هذا الفن المسكون بالغواية. 
 


لاشك هنا أن مشكل التواجد قد طغى على شكل إنتاج هذه السينما التي تنتصر للموضوع، بل وتراجعت محاولات صناعة التحريض الجيد؛ الساعي للارتقاء بالذوق العام؛ كي يستطيع استقبال هذه النوعية من الأعمال، وكذلك إعطاء الحقل السينمائي إجمالا رسالة ضمنية مفادها.. أن هناك سينما مختلفة لا تنتمي لقواعد اللعبة التي يتحكم فيها ما يسمونه السائد. لكن من الحكمة الإقرار بأن الازدهار السينمائي لا يعني زوال هذه النوعية من الأفلام بشكل جذري، لكن الازدهار في معناه. يعني ضرب منطقة الاستحواذ والهيمنة التي تجعل من هذه الأفلام هي وحدها المطلوبة إنتاجيا وجماهيريا. 
 
أسمع من يقول إن الأزمة في الورق؟ ومرَّة أخرى قد أميل طوعا للاعتقاد في كونها أزمة فعلا. لكن أحسب أن الحديث عن الورق مرتبط بشكل أو بآخر بتوفر حد مقبول من الدوافع لكتابة موضوع مختلف، يحمل الكثير من عناصر الغواية الإنتاجية. وهذا المعنى سيحيلنا لأزمة غياب المُنتج المثقف، الذي يستطيع أن يفكر بصوت مرتفع مع شركاء اللعبة السينمائية. 
 
ربما سيكون من العبث السؤال: أين ذهبت هذه النوعية من المنتجين؟ ولكي نكون منصفين فعلا، فإن مقومات استخراج إجابة حاسمة لا يجب أن تدفعنا لانتحال مثالية لا يوجد ما يؤيد مشروعيتها، فالمقاربة المنصفة تؤكد أن السينما فن وصناعة، فن ينطوي على إبداع معني بتصدير رسالة ما، وصناعة مؤسسة على عناصر إنتاجية تبتغي الربح.
 
حدث في محاولة أولى لتلافي هذه الأزمة أن أنتجت الدولة، ولكونِها معنية أو تكاد بتصدير الرسالة التي ينطوي عليها هذا الفن وبصورة أسبق من رغبتها في الربح، سعت وقتها لترسيخ دورها كداعم للسينما الجادة. لكن مع الوقت تراجع هذا الدور، وتقلص لما يشبه التواطؤ على بقاء هذا الطقس الرديء بآلياته، فحدث أن أنتج الفنان لنفسه، انتصارا لقيم الفن السينمائي، وترسيخ مفهوم الرسالة التي يجب أن يحملها ذلك الفن. لكن مع تراجع الثقافة إجمالا، وانهيار منظومة القيم بوجه عام، كان الصراع  يميل غالبا لآليات السوق، والتي أنتجت سينما الأمر الواقع إذا جاز التوصيف. وبرز السينمائي التاجر، واندثرت الكيانات المحملة بالأفكار والرؤى.
 


أزعم أن أزمة السينما حاليا جدلية إلى درجة. ولاسيما أن الضمانة على الربح في زمن السماوات المفتوحة، والإنترنت تدخل آتون المغامرة، فلا توجد قوانين ملزمة أو رادعة، تكفل صيانة حقوق الجادين ومحاولاتهم المخلصة لإنتاج سينما جيدة. وحتى سينما الحل الوسط الواعية لثنائية الفن والصناعة، لم تستطع إلا نادرا ترسيخ أقدامها كسينما بديلة لهذه المغرقة في مستنقع التجارية المحضة. 
 
على الجانب الآخر من النهر كانت الأزمة في غياب المظلة النقدية الواعية التي تغطي بدورها النشاط السينمائي، كي تلقي الضوء على العناصر الفنية، وإبراز قيمة العمل الفني وتقاطعاته مع الواقع الذي يناقشه الفيلم الموضوع تحت طائلة النقد. اللهم إلا مقالات عابرة، وأعمدة منفردة. حتى تجربة مجلة الفن السابع التي دشن لها الفنان محمود حميدة مع مجموعة من المهتمين في وقت سابق. تجربة لم يُكتب لها النجاح، رغم إخلاص القائمين عليها. 
 
إن آليات السوق التي تحكم اللعبة السينمائية الآن، لم تعد تتعامل مع السينما كمادة حافظة للتاريخ، كونها تؤصل الواقع وتوثقه، لكنها تومض ومن ثم تختفي؛ كي تظل الصناعة قائمة. المؤسف حقا أن الحقل السينمائي لم يعدم المبدع الحقيقي، لكن يظل مشكل الوعي، وكذلك غياب المرجعية التي تقف خلف السينما كإبداع مهم، وليس مجرد ترف هي السمت الغالب. هنالك صار البحث عن فيلم يمثل طفرة، يشبه إلى حد كبير حال ذاك المواطن الأثيني الذي شوهد يحمل قنديلا في رابعة النهار، وحين سُئل عن ذلك التصرف الغريب قال في أسى: أبحث عن الحقيقة.  
 

(3 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع