فنون

الإناء أحد بيوت الحكمة فى أعمال الخزاف مندور

يؤمن الخزاف التلقائى محمد مندور بقيمة الإناء الخزفي، إذ يرى أنه يمتلك شخصية وملمساً انسيابياً، بل هو أحد بيوت الحكمة. وعلى الرغم من أن بعض الخزافين حصروا هذا الفن فى الإناء والفازة ألا أن مندور خرج بهما إلى إطار جديد من خلال تشكيلات مختلفة تتخذ صفتى الرسوخ والشموخ كانت سبباً فى تفرده وسط الخزافين وهو الفنان الذى لم يتلق دراسة أكاديمية، بل بدأ العمل كصبى لدى أحد الفخرانية بمسقط رأسة فى مدينة الفسطاط ثم أنتقل لإتيليه الخزاف الراحل محمد هجرس ومن هنا كانت الانطلاقة الحقيقية له، حيث تحول تدريجياً لأحد أشهر الخزافين المعاصرين، ونال العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية..



* استضاف مركز الجزيرة للفنون معرضك بالخزف "الآنية المصرية بيت من بيوت الحكمة".. فماذا تمثل لك الآنية وقد برعت فى إنتاجها؟
** أفكر أن الإناء له شخصية مثل الإنسان. لا يوجد بيت به أسرة يخلو من الحكمة، كما ربطت العنوان بشيء آخر، حيث إن بعض القبائل فى إفريقيا تبنى بيوتها من الطين بشكل مستدير. أحب الإناء أجد فيه لمسة إنسانية من الانسيابية الخاصة به وطبيعته ونعومته. للطبيعة أيضاً دخل كبير. لدينا الثمار وقرع العسل ونبات الكوسة حيث استوحيت منها أحد الأعمال بمعرضى الأخير ارتفاعه 110 سم، وقمت بتحويره بحيث يكون على شكل إناء. كذلك وبمتابعة مقابر الأسر المالكة نجد الشاهد الخاص بالقبر على شكل عمودى ينتهى بشكل طربوش، لم أرى الطربوش ولكن رأيت فوهة إناء، ومن الممكن أن أرى شكل فى فراغ وأقوم بتشكيله بشكل مجسم، والفنان بطبيعة تركيبته يرى مالا يراه الإنسان العادى.



* نلحظ دمجاً بأعمالك بين الأسلوب الفرعونى والتقليدى والحديث، فكيف توصلت لهذه الآلية؟
** العمل إحساس، العقل لا يعطى فناً، بل يمنح أرقاماً حسابية. بمرور الوقت والتجارب والمطالعة تعلمت هذا الدمج. قبل ذلك كنت محصوراً فى التراث الإسلامى. حيث كانت تجذبنى الزخرفة والألوان. ولكنى لم أرد أن أكون مثل الحرفى الموجود فى خان الخليلى وبل سعيت لتقديم فنى الخاص. ولكى يتُاح لى ذلك كنت دائماً فى حالة نقاش مستمر مع الفنان محمد هجرس الذى التحقت بالإتيليه الخاص به وزوجته الفنانة صفية حلمى واللذين علمانى القراءة والكتابة وأصول وقواعد فن الخزف، كذلك فقد لعب الفنان وليم إسحاق دوراً كبيراً فى تشكيل ثقافتى الفنية. لم أكن أعرف كيف أخرج من التراث الذى يسيطر على فقال لى بأن هذا أمر عادى، انقل من التراث كما تريد لدرجة الملل وستجد نفسك تلفظه بمفردك. لكن عليك ألا تحصر نفسك فى المتحف الإسلامى، فلدينا المتحف المصرى والقبطى، والرومانى فى الإسكندرية. وكل تراث منهم به لمسة جمالية وفنية مؤثرة. 

* تردد بأنك تعرضت للسجن بسبب الكاتب مصطفى أمين فما مدى صحة ذلك؟
** عند أدائى الخدمة العسكرية التحقت بسلاح مصلحة السجون، فطلب منى مدير السجن أن أكون مسئولاً عن ورشة الخزف طوال فترة التجنيد. ولابد أن أشُير هنا إلى أن سنوات تجنيدى الثلاث كانت حقل تجارب مهم لى لا يحلم بها أى خزاف، حيث توافر جميع الإمكانيات للعمل وإجراء الأبحاث والتجريب. خلال مسئوليتى عن ورشة الخزف فى السجن كان الكاتب مصطفى أمين معتقلاً. فأرسل لى مع أحد المسجونين يطلب قطعة من الطين وبعد يومين أرسلها لى مشُكلة عبارة عن مجموعة من الكتب يعلوها حذاء ميرى. فأعتقدت أنه يريدها كطفاية سجائر. وبالفعل قمت بحرقها فى الفرن ولونتها بالذهب، ثم جاءت زيارة مدير السجن وبصحبته رائدة الفضاء الروسية فالنتينا ومجموعة من الضباط وقام المدير بإطلاعها على مراحل فن الخزف وعندما شاهد القطعة التى حرقتها لمصطفى أمين غضب جداً، وسألنى: من قام بعمل هذا؟ قصصت عليه القصة فعاقبنى بالسجن لمدة 24 ساعة وعدم السماح لى بزيارة أهلى خلال فى ذلك الأسبوع. وكدت أتعرض لمحكمة عسكرية لولا تيقنه بأنى لم استوعب خطورة العمل الذى قدمته.



* تعكس أعمالك حالة من البحث والتجريب.. فإلى أى مدى يشغلك ذلك؟
** الخزاف الذى يريد أن يطور نفسه يكون دائماً فى حالة بحث مستمر. وعلى الفنان أن يعمل للمتعة قبل أن يكون احتياج. هذه المتعة لا يشعر بها إلا من خلال التجديد.

* يشهد مجال الخزف نهضة كبيرة كيف ترى هذه الانطلاقة؟
** هى انطلاقة بعيدة عن تقاليد فن الخزف. لهذا المجال تقاليد لابد أن تُحترم. عُرف الخزف أن الإنسان منذ وجده يستخدمه فى حياته اليومية. الفنان المعاصر يصنع اليوم شيئاً من التوازن ما بين الصفة الجمالية وصفة استخدامه. الآن نجد أشكالاً لا نفهم ماهيتها. لدينا شباب موهوب ولكنه لا يعرف الطريق الصحيح، وإذا وجدنا الموهبة عنده لا نجد الحرفة. الخزاف الناجح لابد أن يكون متمكن من أدواته. لكى يكون له بصمة، معظم المتخصصين فى فن الإناء لا يفعلون ذلك بل يلجئون لحرفيين مصر القديمة لكى ينفذوا أعمالهم على الدولاب الخزفى. علماً بأن البناء هو أساس وجود العمل الفنى. فالحرفى مهما بلغت قدراته لا يمكن أن ينقل إحساس الفنان فى العمل.



أذكر هنا واقعة سمعتها من الناقد مختار العطار عندما كان يعُد كتاباً عن الخزاف الراحل سعيد الصدر سأله: لماذا اخترت فواخير الفسطاط ليكون بها الاستديو الخاص بك فأجابه الصدر: لكى أتعلم حرفة تشكيل الفخار من أصحابها. احترم هذا الرجل لأنه لم يكن يسمح لأى شخص أن يدخل بينه وبين عمله، بل كان ينفذ أعماله بنفسه، هذا هو الفرق بين الفنان المتمكن والتقليدى.
كان يأتى لى أحيانا شباب من خريجى الكليات الفنية وسألونى على مكان لكى يعملوا به فى فواخير الفسطاط لكى يكونوا بجوار الخامات والأيدى العاملة، فقصيت عليهم واقعة سعيد الصدر ونصحتهم بأن يتعلموا من الحرفيين دون أن يتعالوا عليهم. فالرجل البسيط إذا تعاملت معه بإنسانية لن يبخل عليك بشيء. وأكدت لهم بأن لدى استعد أن أخصص لهم 4 ساعات أسبوعيا لتعليمهم. جلسوا فى هذا المكان الذى خصصته لهم 3 سنوات دون أن يأت أحدهم ويسألنى متى نبدأ، إذن من أين نأتى بفن الخزف؟ الخزف يعنى مجهود خارق وهو الأمر الذى لا يتسنى لأى شخص.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع